فتح الأميركيون اليابان ودخلوا في اللعبة الإمبريالية العالمية، وأرسلوا الكومادور بيري الذي فتح اليابان فدخل إلى خليج طوكيو وفرض على اليابان أن تفتح أسواقها للتجارة الأميركية وكان شخصية كبيرة جدا في هذه الفترة، وانطلقت أميركا بقوة تجاه السيادة العالمية كدولة كبرى وعظمى في العالم.

من ضمن الرؤساء أيضاً شخصية نكرة لا يعرفها أحد هو «ويليام ماكينلي» والذى تولى الرئاسة في أميركا وقت أكبر حرب إمبريالية قادتها وهي في 1898 ضد أسبانيا أخذت فيها أميركا الفلبين وبورتوريكو، والارتباط بين السياسة ورأس المال ليس إبداعاً أميركياً وإنما سبقتها في ذلك بريطانيا إذ كان الاستعمار البريطاني مرتبطا جدا برأس المال البريطاني، وشركة الهند الشرقية هي التي تسببت في الانفتاح على الهند وذهب «كلايب» إلى الهند وأخذها باسم إنجلترا والتاج البريطاني أساسا لأجل المصالح الاقتصادية، نفس الأمر تكرر في أميركا الوسطى، فتم أخذ هندوراس وسلفادور ونيكاراجوا وجواتيمالا.

عصا روزفلت ... إذن فالدور الإمبريالي له دفعة كبيرة جدا لكن، من الذي أعطى له هذا الوجه العالمي؟ إنه «تيودور روزفلت»، لقد جاء «روزفلت» في 1901 وهو الذي قال: «سوف نأخذ عصا كبيرة ونسير في العالم ونفرض رأينا على الجميع، كان شخصية تمثل الإمبريالية العالمية، وهذه هي نظريته التي طبقها ليُدخل بها أميركا في الساحة العالمية، وأخذ بها قناة بنما وكان أخذها أهم ما فعل «تيدي روزفلت»، استمرت هذه النظرية حتى الحرب العالمية الأولى، وكانت أميركا تمر بفترة خصبة لما كسبته سنة 1898 من إسبانيا، ولم تدخل الحرب العالمية الأولى، وكان التيار الانعزالي مسيطرا وهو الذي أخذ يقول يكفي ما عندنا ولننتبه إلى أنفسنا ونبني أنفسنا ودولتنا وليس لنا علاقة بهذه الحروب الأخرى.

أما الرئيس «وودرو ويلسون» فكان مثقفا عظيما جدا، وكان يتبنى فكرة عدم الدخول في الصراعات الأوروبية، فقد اعتبروا الحرب العالمية الأولى صراعات أوروبية داخلية. إنما بعد أن ضُرِبت «لوزيتانيا»، دخلت أميركا الحرب، بوزنها الكبير جدا وقوتها الاقتصادية والمالية وأصبحت هي الدولة العظمى، لذلك عندما وصل «وودرو ويلسون» إلى «فرساي» في أثناء الحرب العالمية، كانت كل الأنظار متجهة إليه. وقدم تصورا ورؤية لعالم جديد، وهذا التصور كوَّن «عصبة الأمم» وأن أميركا تقوم بدور المُموّل العالمي.

فراكلين روزفلت

ثم جاءت الأزمة الاقتصادية الكبرى وكانت أزمة كبيرة جدا بين الحربين وأدت إلى ظهور الشخصيات الفاشيستية في أوروبا وكان من حظ أميركا أن وجدت في«فرانكلين روزفلت» شخصاً عرف كيف يتفادى الفاشية في أميركا.

وكانت حرب إسبانيا مع فرانكو نقطة تحول أساسية بالنسبة لكل المثقفين الأوروبيين، مثلما حدث معنا في حرب 48 وما حدث في فلسطين أصبح شيئا ساهم في تكوين الرؤية للمثقفين العرب بصورة عامة، كذلك حرب إسبانيا كانت نقطة تحول للمثقفين الأوروبيين بصورة عامة ما بين المؤيدين للفاشية من ناحية وما بين الجمهوريين بصورة أخرى.

والفاشية طبعا كانت تتمثل في «موسوليني» وفي «هتلر» ولكن انصياع الجماهير وراء «هتلر» وقوة ألمانيا أدى إلى ظهور ألمانيا على الساحة للمرة الثانية وقيام الحرب العالمية الثانية.

فعندما قامت الحرب العالمية الثانية، وسيطرت ألمانيا على أغلب أوروبا، كان «روزفلت» يريد دخول الحرب، ولكن المؤسسة السائدة في الكونجرس والرأي العام لم تكن تسانده، فأخذ دورا آخر وقال سوف نصبح ترسانة الديمقراطية وسوف نكون البُعد الاستراتيجي لبريطانيا في وقوفها ضد الرايخ الألماني ونبتعد نحن عن هذا الموضوع على أن نعطيهم قدراتنا ومصانعنا وإنتاجنا وتمويلنا، وهذا كله في مصلحة أميركا، إنما تغيرت الصورة بضرب الأسطول الأميركي في قاعدة «بيرل هاربر» البحرية لأن ذلك كان ضربا لهاواي في المحيط الهادي من اليابان، كان كل الأسطول تقريبا مُتجمعا ما عدا حاملتين كانتا خارج هذه المنطقة.

فضربت اليابان القطع الموجودة في هاواي ضربة واحدة حتى تتوسع اليابان في آسيا أثناء الحرب العالمية الثانية. فدخلت أميركا الحرب العالمية الثانية وطبعا دخلت مع الحلفاء، ووقتها كان «تشرشل» قد شكّل تحالفا مع ستالين.

هيروشيما ونجازاكي

لماذا تم ضرب «نجازاكي» و«هيروشيما» في الحرب العالمية الثانية؟ سؤال لا يعرفه معظم الناس، كان جزءٌ كبيرٌ من العلماء الذين عملوا لإنتاج هذه القنبلة من محبي السلام، إنما كان يوجد تخوف من أن يكون «هتلر» يعمل لإنتاج القنبلة الذرية، وأنه لو وصلت ألمانيا إلى القنبلة الذرية قبل الحلفاء سوف تكون كارثة بالنسبة للإنسانية، فعمل الكثير من العلماء مع الأميركان.

إلا أنه جاء العلماء بعد ذلك واقترحوا على الساسة الأميركان أن يدعو اليابانيين في جزيرة جرداء في الباسيفيك ويُفجروا القنبلة أمامهم، فرفضت القيادة الأميركية ذلك، وقالوا لنفترض أن التجربة لم تنجح فماذا سيكون شكلنا أمام اليابانيين؟ قالوا لهم أيضا أنذروا الناس قبل أن تضربوا المدينة حتى يرحلوا عنها؟

فكان الرد لا ولو أنذرناهم ولم تنجح الضربة؟ ولو أنذرناهم سوف يتوعدوننا وسوف يضربون الطائرات قبل وصولها. فأرسلوا الغارة على أنها عادية فضربوا «هيروشيما»، فترددت اليابان وقيل في بعض أعضاء المؤسسة الأميركية وكان التيار الإمبريالي في هذه الفترة إن الأميركان لا يملكون غير قنبلة واحدة، وضربوا «نجازاكي».

وبعد ضرب «نجازاكي» استسلمت اليابان بدون شروط، ونجد هنا نقطة مهمة جدا إنه مهما كثر الحديث عن حقوق الإنسان وعن الحرية والديمقراطية، في النهاية هناك «سياسة أمر الواقع» التي تحدث عنها «كيسنجر» أو الألمان، وهو الحساب السُلطوي في التعامل، فهذا العنصر من الحساب بارد الأعصاب.

ما بعد الحرب

في هذه الفترة، ولثاني مرة أميركا سيدة العالم، ظهر تصور لشخصيتين عظيمتين جدا هما «فرانكلين روزفلت» و«جورج مارشال»، وكان العالم وقتها يتساءل عن ماذا سيحدث بعد ذلك؟ ونحن نذكر» لروزفلت» و«مارشال» رؤيتهما للعالم، هذه الرؤية التي قدَّماها والتي نحكم عليها اليوم بنظرتنا بأنها رؤية رائعة، ولكن، ما وراءها أيضا هو تصور لمصلحة أميركا، وليس شئ خيالي، صحيح هما فعلا قدما الكثير لأجل الإنسانية، إنما أساساً هذه رؤية وحساب للمصلحة الأميركية.

فقد أسس الأميركان في هذه الفترة «الأمم المتحدة»، وفي الأمم المتحدة سيكون هناك الجمعية العامة حيث سيكون لكل الدول صوتا واحدا متماثلا، إنما شكلوا مجلس الأمن حيث سيكون للدول العظمى الكلمة وحق الفيتو.

وهنا، قال «روزفلت» «لا يجوز أن تنحصر الأصوات في الدول الغربية»، باعتبار روسيا دولة غريبة وأميركا وفرنسا وإنجلترا، «يجب أن نأخذ دولة من العالم الثالث، وشريكنا وحليفنا في الحرب ضد اليابان وهي دولة الصين باعتبارها أكبر دولة نامية»، فأعطى لهم مقعداً إضافياً، ويقول الناس انظروا إلى إنسانية هذه النظرة، لكن الأمر لم يكن كذلك.

فقد كان «لروزفلت» و«مارشال» نظرة نستطيع تسميتها «المصلحة الذاتية»، فرؤيته إنه فعلا من مصلحته أن يبني نظام من المؤسسات وأن تشترك فيها كل الدول، وسوف يكون لأميركا دور ريادي في هذه المؤسسات، كما أسسوا أيضا نظام يضم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ثم تكوين نظام دفاعي أول ما بدأ الناتو NATO والذي أصبح بعد ذلك أهم شيء.

مشروع مارشال

أما أهم ما في هذه الفترة، وهو الذي يمثل هذه الرؤية كان «مارشال»، وبعد وفاة «روزفلت» هو الذي استمر وأصبح وزير خارجية «ترومان» وألقى خطبة في «هارفارد» عام 1947 وقال فيها ما عُرِف فيما بعد باسم «خطة مارشال»، وكان هذا في الحقيقة إبداعا سياسيا، فالإبداع ليس فقط في الفن والموسيقى، وإنما أيضا في إيجاد «مؤسسات» ونظرة سياسية جديدة، وكانت النظرة الجديدة هي ألا أعاقب أعدائي الذين حاربتهم، إنما أن أكسبهم وأستثمر فيهم وأحولهم إلى حلفاء لي.

طبعا، هذه النظرة سنة 1947 لم يكن لها سابقة إطلاقا في التاريخ، وكانت كل من فرنسا وإنجلترا قد فرضت عقوبات شديدة على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. ثم بعد ذلك، بعد الحرب العالمية الثانية وضعوا «خطة مارشال» ونظريته في الحسبان عندما قال: «سياسة الولايات المتحدة ليست ضد أي بلد أو مذهب إنما هي ضد الجوع والفقر واليأس والقتل».

كان «مارشال» يرى ذلك خصوصا بالنسبة للهزة العنيفة جدا التي حدثت في أوروبا، فقد كان يطالب الناس في بلاده بأنه بعد حروب سنوات طويلة ومقتل الآلاف في حروب مع ألمانيا وإيطاليا واليابان، وفي النهاية سوف نقوم بتمويلهم لأن ذلك في مصلحتهم، وسادت هذه النظرة فترة كبيرة من الزمن لكن انتهت طبعا مع الحرب الباردة، جاءت فترة الحرب الباردة كما تعرفون، وجاء الاتحاد السوفيتي عام 1954 بعد وفاة «ستالين» مباشرة قاموا هم أيضا بتفجير قنبلة ذرية وأصبح صراع التسليح بين الدولتين على أشده.

الحرب الباردة

جاء «ريجان» وقال أن سبب المشكلات هي «الحرب الباردة» فلا بد أن نحسم «الحرب الباردة»، وقام بعمل التسليح الجديد، وبدأ أيديولوجيا جناح نجد نهايته مع «رامسفيلد» و«وولفوفيتس» و«ريتشارد بيرل» إلى آخره. فهؤلاء هم كتاكيت المجموعة التي تفرخت في فترة «ريجان» و«ثاتشر»، وبداية صعود تيار اليمين المحافظ في أميركا.

وفي نفس الوقت، كانت هناك تحولات تكنولوجية كبيرة بدأت تحدث، ومع نهاية «ريجان» جاء «بوش الاب»، ولم يطرح «بوش الاب» الرؤية البديلة، وأذكر في هذه الفترة، تعرّض د.بطرس غالي- وكان سكرتير الأمم المتحدة لهذه الفترة- لظلم كبير جدا، وقيل عليه في الصحافة العربية أنه يتنازل للأميركان ويحاول أن يستغل كذا وكذا، إلا أن د.بطرس وقتها كان تقييمه أن أكبر خطر على العالم أن تخرج أميركا من منظومة المؤسسات العالمية وتنفرد بقرارات وحدها. وفي مقابل عدم حدوث ذلك، نحاول أن نعمل معهم تنازلات على أن يظلوا دوما يصنعون القرار في إطار المجموعة الدولية.

الشرق الأوسط

واستمر «كلينتون» بطريقة براجماتية. فكل التدخلات الأميركية في هذه الفترة ـ باستثناء حرب الخليج الأولى ـ

تتسم بأنها محدودة جداً، ريجان، رغم كل ما كان يفعله مع الاتحاد السوفيتي وضع 283 عسكريا في بيروت، ضُرِبوا فانسحب. فذهب وضرب «جرينادا» و«بنما» وحتى فترة حرب الخليج الأولى. كان كل ما يحرك أميركا في الشرق الأوسط هو البترول وإسرائيل، الركيزتان لمصلحة أميركا، في قضية العراق والكويت كانوا في نفس الاتجاه، أغلب الوقت يكون الاهتمام بالبترول ضد الاهتمام بإسرائيل، إنما في حرب العراق الأولى سنة 91 كانت كل التيارات متماشية مع بعضها، فالدول الخليجية تريد حماية من صدام حسين الذي احتل الكويت وإسرائيل تريد ضرب العراق، ففتحت المجال وكان العالم كله يساندهم في هذه الفترة. وكل هذه الفترة.

وأنا صُدِمت عندما جئت إلى مصر سنة 2000، وكنت مواطناً عادياً لم آت بعد إلى مكتبة الإسكندرية وإنما كنت فقط ألقي محاضرات في القاهرة، ووجدت أن الغالبية العظمى من الناس ترحب أن يكسب «بوش الابن» الانتخابات ضد «جور» و«ليبرمان»، فقلت لهم إن ذلك لا يصنع فرقاً كبيراً، فقضية جمهوري أو ديمقراطي.. لا فرق! إنما المجموعة الموجودة حول «بوش الابن«: «رامسفيلد» و«وولفوفيتس» و«تشيني» وكل هؤلاء لهم تاريخ سيئ في تاريخ السياسة الأميركية ومعروفون بذلك.

حرب فيتنام

يستحق الرئيس الأميركي الأسبق جيمي جائزة نوبل للسلام وهو الرئيس الوحيد الذي عاد إلى بعض القيم، وفي إيمانه أن قوة الفكرة وليس فقط قوة السلاح أو القوة الاقتصادية لها قيمة، وأنه يرى أنه لو اهتمت أميركا بحقوق الإنسان سيكون لها ريادة من نوع آخر، وجاء هذا بعد تجربة «فيتنام» وتجربة «ووترجيت».

لقد منحت الحرب الباردة نتائج جيدة على أميركا مثل الوصول إلى القمر، إنما كان هناك تجربة ولدت تأثيرا عنيفا جدا على الأميركان وهي تجربة «فيتنام». وقد بدأت مع «كيندي» ولكن كان عند «كيندي» من الفطنة السياسية أنه ما كان سيترك أميركا تتورط مثلما حدث مع «ليندون جونسون» و«ريتشارد نيكسون».

فقد تورطت أميركا في فيتنام، وحولتها إلى حرب أميركية، فقد وضعت 550 ألف عسكري في فيتنام، وعلى الرغم من إنه كان عندها حلفاء، إلا أنها هي التي كانت تحارب، بالطبع، تسببت حرب فيتنام في انفصام شديد للغاية في المجتمع الأميركي، وزاد الأمر بعد «ووترجيت»، إذ إنها كانت المرة الأولى التي يقع فيها رئيس أميركي في أزمة قانونية وتُمسَك عليه جريمة يُعاقب عليها القانون، فاضطر أن يستقيل، وهي فضيحة «ووترجيت» التي حدثت مع «نيكسون».

انتهت حرب فيتنام سنة 1975، وقلنا وقتها أن أميركا حدث لها فترة انطوائية، فما حدث فعليا في هذه الفترة هو شعور من المؤسسة الأميركية أنها فقدت القدرة كما كان «فرانكلين روزفلت» و«مارشال» أو «ترومان» وحتى «أيزنهاور» أن يُقدموا مشروعاً سياسيا يحوز قبول الرأي العام فيعطيهم المساندة الكافية التي تمكنهم من التحرك بالصورة التي تناسبهم في الساحة العالمية، فبعد الحرب العالمية الثانية، لا رجعة في الانطواء على الذات حتى في أميركا اللاتينية، كلا، سوف يحاربون في كل مكان لهم فيه مصلحةٌ عامة.

د. إسماعيل سراج الدين