مع افتتاح مؤتمر الأمم المتحدة، قبل أيام، لمراجعة معاهدة منع انتشار السلاح النووي؛ يستعيد هذا الموضوع حضوره بعد غياب مديد وإهمال متعمد. وزاد من وهج هذه العودة، أنها أتت في امتداد ما يمكن تسميته بالموسم النووي، الذي توالت فصوله في الآونة الأخيرة. بدأ بإعلان الرئيس أوباما عن استراتيجيته النووية؛ ثم جاءت اتفاقية ستارت 2 بين واشنطن وموسكو.
بالرغم من أن الأولى مشوبة بالكثير من الغموض والثانية أبقت على ترسانة تدميرية هائلة لدى الجانبين، إلاّ أن كلتيهما شكل قفزة متقدمة نسبياً. مجال استخدام هذا السلاح، جعله أوباما أضيق. والترسانة النووية، الأميركية والروسية تقلّصت بمقدار الثلث. خطوات لا بأس بها، قياساً على ما كان في السابق.
بيد أن مؤتمر الحظر،الجارية أعماله في مقر المنظمة الدولية في نيويورك والمقرر استمرارها حتى أواخر الشهر الحالي، ليس من المتوقع أن يحقق ولو تقدماً ضئيلاً في حدود مهامه. من قبل انطلاقه، وضعت العصي في دواليبه والعوائق في طريقه. بدل أن يتسم بالشمولية، طغت عليه، من البداية، المواجهة الثنائية. وبدلاً من البحث والتركيز على القواسم الدولية المشتركة التي تتقاطع مع تعزيز عوامل الحظر، فإذا به يتجه نحو تعزيز المحاور والاستقطابات.
مضى على هذه المعاهدة حوالي أربعة عقود. لكن تفعيلها بقي في الثلاجة. منذ التوقيع عليها عام 1972، والنادي النووي الدولي على توسّع. المواد النووية، باتت متوفرة لدى أكثر من أربعين دولة.
ومنها من يملك القنبلة. من بينهم، إسرائيل والهند وباكستان، رفضوا الانضمام إلى المعاهدة؛ كي تبقى منشآتهم النووية بعيدة عن عين الوكالة ومفتشيها. ومع أنه كل خمس سنوات يعقد مثل هذا المؤتمر لمراجعة المعاهدة ومدى فعاليتها، إلا أن التقيد بموجباتها ضعف أكثر فأكثر.
براغيها صارت في منتهى الرخاوة. وهذه المرة ينعقد المؤتمر في ظلّ تأزم متزايد لهذا الملف. وبالتحديد بين أميركا وإيران. وزاد الطين بلّة، صدور ورقة أميركية ـ روسية، قبل أيام من افتتاح المؤتمر؛ شكلت ما يشبه المظلة الواقية للنووي الإسرائيلي.
هذا الملف، حسب الورقة، لن يطرح على طاولة المؤتمر أو أية طاولة أخرى قبل حصول سلام شامل في المنطقة. يعني سلاح إسرائيل خارج البحث. ضمانة التفوق لديها، محفوظة. وكأن العرب هم الطرف المخرّب للسلام، بحيث يستحقون العقاب، من خلال ضمان احتكار إسرائيل لهذا السلاح.
والمعروف أن المؤتمر كان قد دعا في دورته عام 1995، إلى تنظيف منطقة الشرق الأوسط من السلاح النووي. لكن واشنطن اعترضت آنذاك، لتحمي الترسانة الإسرائيلية.
واليوم تعود واشنطن إلى تأمين هذه الحماية، من خلال الاختباء وراء معزوفة السلام الشامل. هي نفسها التي تعرف أن مبادرة السلام العربية الشاملة، موجودة على الطاولة منذ 2002؛ بتجاهل تام من إسرائيل ومنها. تتحدث عن مثل هذا السلام وهي التي عجزت، بالأحرى اختارت العجز، عن حمل إسرائيل على وقف بناء المستوطنات في القدس.
معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، محكومة بالوصول إلى حالة الوهن التي بلغتها؛ لأنها تشكو أكثر من عطب أساسي. النوويون الكبار، يتصرفون من موقع المتشبث بهذا الامتياز. وأكبرهم، الولايات المتحدة، تصر على العمل بقاعدة الاستنساب. الخطر، كما تراه، هو في وجود هذا السلاح في أيد معينة؛ وليس في وجوده أصلاً. الخطر أن يكون بحوزة الغير. لكن أن تحوزه إسرائيل، فليس في ذلك ما يحمل على التخوف! امتلاك العرب له، مرفوض.
تقول الورقة، حسب ما تسرّب؛ إنه على الدول العربية جميعها الانضمام إلى اتفاق إزالة كافة أسلحة الدمار على أنواعها؛ كما إلى اتفاق حظر إجراء التجارب النووية وبقية الأسلحة؛ قبل النظر في النووي الإسرائيلي. وبالمقابل هي لا تطالب إسرائيل ولو بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار.
طالما بقيت هذه المقاييس معمولاً بها، طالما بقيت المعاهدة عليلة. إذا كان هناك نية فعلية لضبط الانتشار وإحياء المعاهدة، فلماذا لا يصار إلى جعل الانتساب إليها ولوكالة الطاقة، إلزامياً على كل دولة عضو في الأمم المتحدة. ثم لماذا لا يتم النظر جدّياً في إنشاء كونسورتيوم نووي دولي، بإشراف وكالة الطاقة؛ للاستخدامات المدنية الدولية كافة؟ من دون خروج عن النووي المقاربة النووية المألوفة، قد يجد العالم نفسه منجرفا نحو كارثة غير مسبوقة»، كما قال انشتاين.
فكتور شلهوب
