السؤال عن اليسار الإسرائيلي، حجمه، وحقيقته، ولاسيما هويته السياسية والاجتماعية والثقافية، صعب ومعقد. فالأمر في إسرائيل، يختلف عنه في مكان آخر، حيث تتحدد ملامح اليسار بهويته السياسية والاجتماعية، التي تقارب الحريات العامة والخاصة، وتنحاز لجانب الطبقات الفقيرة، في سبيل عالم تسوده العدالة الاجتماعية.
وفي الواقع فلطالما كانت صورة اليسار في إسرائيل جد ضبابية، وملتبسة، حيث يعتبر حزب العمل، مثلا، حزبا يساريا في إسرائيل، على خلفية احتضانه للتجارب الاشتراكية (القرى التعاونية) في بدايات إقامة إسرائيل (الكيبوتزات والموشاف)، وإنشائه منظمة «الهستدروت» للدفاع عن مصالح العمال اليهود. لكن هذا الحزب نحا قبل عدة عقود نحو الليبرالية الاقتصادية، وتخلى عن هويته الاجتماعية الأساسية، التي كان تشكل عليها. وعلى الصعيد الثقافي فإن هذا الحزب يتبنى وجهة نظر يمينية، بشأن هوية الدولة، باعتبارها دولة يهودية (دينية)، وهو لم يفعل شيئا للفصل بين الدين والدولة في إسرائيل، بالنظر لتبنيه الأيديولوجية الصهيونية التي تماهي بين اليهودية والهوية القومية، باعتبار اليهود بغض النظر عن انتماءاتهم بمثابة شعب يتمتع بميزات قومية.
حزب ميريتس
وضمن الخارطة الحزبية الإسرائيلية يمكن الحديث عن حزب ميريتس، وهو حزب يساري، يتبنى مسألة فصل الدين عن الدولة، ويناهض الليبرالية الاقتصادية، ويدعو لتقليل الفوارق والفجوات في العيش في المجتمع الإسرائيلي.
من ذلك يمكن الاستنتاج بأن حزب العمل إنما هو حزب وسطي، في حقيقة الأمر، وهذه المكانة بات يزاحمه عليها حزب «كاديما» المنشق من الليكود؛ ما يفسر تراجع مكانة حزب العمل في الخريطة السياسية الإسرائيلية من 44 مقعدا في انتخابات الكنيست 13 (لعام 1992)، إلى 13 مقعدا فقط في انتخابات الكنيست الأخيرة (ال18 لعام 2009)؛ بمعنى انه تراجع من المكان الأول إلى المكان الرابع في عدد مقاعد الكنيست بين الأحزاب الإسرائيلية (بعد كاديما وليكود وإسرائيل بيتنا!).
ويبقى حزب ميريتس، باعتباره الحزب اليهودي الوحيد الذي يمكن التعاطي معه بمعايير حزب يساري، في المجالات الاجتماعية (تقليل الفجوات في العيش) والثقافية (الدفاع عن علمانية الدولة). والجدير ذكره أن هذا الحزب يحتل ثلاثة مقاعد في الكنيست الإسرائيلي الحالي (من 120 مقعدا)، بمعنى انه حزب صغير، في حين كان يحتل 12 مقعدا في الكنيست ال13 (لعام 1993)؛ وكان بمرتبة الحزب الثالث فيه.
كاديما والعمل
لكن ما ينبغي لفت الانتباه إليه هو أن مصطلح اليمين واليسار في إسرائيل بات مرتبطا بشكل أكبر، أيضا، بمسألة الموقف من الاحتلال، والسيطرة على الشعب الفلسطيني، وبكيفية التعاطي مع عملية التسوية.
لهذا الغرض باتت خارطة اليسار في إسرائيل تحسب بالنسبة للقضايا الخارجية، أكثر من احتسابها بالنسبة للقضايا الداخلية، وهذا ما يفسر احتساب حزبي كاديما والعمل على اليسار الإسرائيلي؛ بواقع تأييدهما لعملية التسوية وتركيزهما على التخلص من الاحتلال.
على أية حال فإن هيمنة الأيدلوجية الصهيونية، وطغيان «اليهودية»، كدين، في مرجعية إقامة إسرائيل، وبلورة شعب إسرائيل، أدت فيما أدت إليه إلى انحسار نفوذ اليسار، وتنامي نفوذ اليمين، في المجتمع الإسرائيلي. وتحاول ياعيل باز ميلاميد التخفيف من الأمر، فهي تقر بأن «معسكر اليمين أقوى اليوم من معسكر الوسط ؟ اليسار، ولكن لايزال هناك جمهور كبير ليس له أي تمثيل في الحكومة الحالية.. هذا الجمهور بحكم طبيعته هو جمهور صامت». (ياعيل باز ميلاميد، «معاريف»، 321)، بمعنى أن ميلاميد مازالت تراهن على نهوض اليسار الإسرائيلي، بحسب التطورات الداخلية والخارجية.
اثنوقراطية
يوجه أريك ديامنت انتقادات حادة لليسار الإسرائيلي، من موقع اليسار ذاته، وبرأيه، فإن هذا «اليسار يشبه الملك الذي يسير بين رعاياه عاريا، بينما ينفعل وزراؤه وحاشيته وأبناء شعبه من جمال الثوب الذي يلبسه.. لا أحد يجرؤ على قول ان الملك عار. الملك عار لأن الصهيونية وصلت إلى طريق مسدود..وحده التصدي الشجاع لإخفاقات اليسار الصهيوني من شأنه، ربما، إنقاذ الملك من عاره.» وبرأيه فقد فشل اليسار الإسرائيلي لأنه حاول عبثا «سكب مضمون ديمقراطي- إنساني للإطار الصهيوني..فإلى جانب تطلعه الصادق لحث مواضيع تتعلق بحقوق الإنسان والسلام، رفض اليسار الصهيوني التصدي للتناقض القائم في أساس وجوده- تعريف إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية. مع السنين انكشف الكذب، وظهرت إسرائيل..كدولة ديمقراطية لليهود ويهودية للعرب. إسرائيل اليوم هي اثنوقراطية..التمييز على أساس قومي يسيطر على كل مجالات الحياة، ويحوم فوقها ظل الاحتلال. ومع ذلك، يواصل اليسار الصهيوني التمسك بكذبة الدولة اليهودية والديمقراطية». يعيش رجال «اليسار الصهيوني» في تناقض لا يمكن تسويته. فهم يعارضون الاحتلال، لكنهم يتجندون في الجيش.. هم مع السلام، لكنهم غير مستعدين لمناقشة مشكلة لاجئي 1948؛ هم مع المساواة، لكنهم يعيشون في دولة نشيدها، علمها ورموزها تستبعد خمس مواطنيها.. المخرج الوحيد لليسار يكمن في إدراكه أنه لا يمكن مواصلة إمساك الحبل من طرفيه. لا يمكن للصهيونية أن تستبعد الفلسطينيين مواطني إسرائيل كما لو أنهم مواطنون من الدرجة الثالثة. («هآرتس»، 323)
