بعد حوالي 18 عاما على اتفاق أوسلو (1993)، وبعد كل التملصات والتجاوزات للاتفاقات المعقودة بينها وبين الفلسطينيين، ها هي إسرائيل، تتحول نحو طرح مشروع إقامة دولة فلسطينية لكن بحدود مؤقتة!

ما الذي يمكن استنتاجه من ذلك؟ واضح بداية أن إسرائيل، في ظل حكومة نتانياهو، ترى في هذا الخيار مجرد محاولة لصدّ الضغوط الدولية (وخصوصا الأميركية) المبذولة عليها، لدفعها نحو تسيير عجلة التسوية، ووقف الاستيطان، والتسهيل على السلطة.

وهذا يعني، أيضا، بأن إسرائيل في حقيقة الأمر ليست معنية تماما بهذا الخيار، وأنها تجد فيه طريقا جديدا للالتفاف على عملية التسوية، وضمن ذلك إثبات فرضية تحويل الحدود المؤقتة إلى حدود ثابتة، وأيضا أخذ العملية التفاوضية إلى متاهات جديدة ربما لعقدين آخرين من الزمن!

معلوم أن فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة قديمة، وسبق أن طرحت في عهد رئيس الحكومة الأسبق أريئيل شارون، وحتى أنها ضمنت في المرحلة الثانية من خطة «خريطة الطريق»، التي طرحتها إدارة بوش وتبنتها اللجنة الرباعية (2003)؛ ومازالت إسرائيل تتهرب منها.

خطة بيريز

وعلى الصعيد الإسرائيلي، وقبل عدة أشهر، أعيد تعويم هذا الطرح لاسيما في أوساط قادة حزبي العمل وكاديما، في محاولة للتخفيف من الأزمة في العلاقات بين إدارة اوباما وحكومة نتانياهو، وفي محاولة لإظهار أن ثمة لإسرائيل ما تطرحه، بدلا من الذهاب نحو التفاوض على قضايا الحل النهائي، التي لاتبدو إسرائيل مهيأة له. وثمة مقاربة بهذا الاتجاه، مثلا، لشيمون بيريز (رئيس الدولة الإسرائيلية) ولأيهود باراك (وزير الدفاع وزعيم حزب العمل) ولشاؤول موفاز (القطب في حزب كاديما). وكان بن كاسبيت تحدث مبكرا عن هذا الخيار، حيث كتب حينها التالي: «كيفما فكرنا في النهاية سنصل إلى التسوية المؤقتة. شيء.. من خطة بيريز التي هي أيضا خطة باراك. وان فكرنا.. سنجد أنها خطة نتانياهو أيضا. رئيس الوزراء يقف هو الأخر وراء هذه الخطة، يقف ويرتعد. فهو لن.. يربط اسمه بها، إلا أنه يعرف أنها إن جاءت من واشنطن فسيكون مدعوّاً لقبولها.. الأميركيون يدركون أن من الأفضل التوجه نحو الخيار الأصغر، وجلب الفلسطينيين إليه بالخير أو بالشر.. نتانياهو سيقبل التسوية حتى المؤقتة مقابل صعود تاريخي في الرأي العام العالمي.. سيكون من الممكن تحويل مناطق «ب» إلى مناطق «أ» وإعطاء (10 - 20 بالمئة) أخرى من اجل التواصل الإقليمي». («معاريف» 18 /12/2009)

وعند المبادرين لطرح هكذا فكرة، فإن الدولة ذات الحدود المؤقتة من شأنها تأجيل البت بالقضايا الخلافية الصعبة والمعقدة، كقضيتي اللاجئين والقدس، إلى مرحلة لاحقة، في المقابل فإن التركيز في مسألة الحدود المؤقتة، توقف الاشتباك المتبادل بين الإسرائيليين والفلسطينيين حول مسألتي الحدود والمستوطنات؛ ما يثير الشبهة بأن الدولة ذات الحدود المؤقتة، هي بدورها بمثابة نوع من تسوية مؤقتة أيضا.

تحسين الصورة

ثمة غرض اخر لهذا الطرح يتعلق بتحويل الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين، من صراع بين مستعمِر ومُحتل، وبين شعب يخضع للاستعمار والاحتلال، بحيث يبدو الأمر وكأن الصراع يجري بين دولتين مستقلتين، على مجرد حدود بينهما؛ مايفيد بتحسين صورة إسرائيل، ويطمس القضايا الجوهرية للقضية الفلسطينية.

ومن وجهة نظر نقدية يعتقد يوسي بيلين بأن المطروح «دولة مؤقتة على ستين بالمئة من الضفة الغربية». وأن هذا الطرح يأتي من طرف لا يمتلك.. الاستعداد للتوصل إلى تسوية دائمة في فترة ولايته». يقول بيلين: «منذ اللحظة التي يقوم فيها الاتفاق.. سيصبح النزاع الإسرائيلي الفلسطيني نزاعا عاديا على الحدود، والفلسطينيون «سيعلقون» مع دولة «مؤقتة» ثابتة على أقل من أربعة آلاف كيلومتر مربع، مع استمرار المستوطنات في جميع المناطق، بغير موطئ قدم في القدس وبغير حل لمشكلة اللاجئين». ويضيف بأن إسرائيل ستطالب مقابلا لذلك، حيث ستصر أن على العرب تطبيع العلاقات معها (حسب المبادرة العربية). («إسرائيل اليوم»، 427)

ويعبر يهوشع سوبول عن قلقه من هذا المشروع اتعاظا بالتجربة الإسرائيلية ذاتها، حيث أن «إسرائيل بدأت وجودها على أنها دولة تعيش في حدود مؤقتة في الجنوب والشرق والشمال». وعنده فقد نشأ عن ذلك الحرب تلو الحرب والانتفاضة تلو الانتفاضة، وعليه فهو يستنتج بأن «الدولة التي تعيش في حدود مؤقتة هي جسم يعيش بلا جلد، والجسم بلا جلد هو جرح نازف يدعو ما لا يحصى من التلوث والالتهاب أي الأحداث والحروب. يوجد للعيش في حدود مؤقتة ثمن باهظ من حياة البشر. فالى الآن الوجود في هذه الحدود يشمل حياة أكثر من 25 ألف إسرائيلي، وزاد فقط التهديد الوجودي لإسرائيل». («إسرائيل اليوم»، 429)

السجال حول الدولة الفلسطينية بحدود مؤقتة مازال في بداياته وهو سجال أميركي ـ إسرائيلي، حول أولويات السياسة الشرق أوسطية، وحول مضامين عملية التسوية.

إضاءة

يوجز ألوف بن مشروع الدولة بحدود مؤقتة بالتالي: «يدعو الحل الإسرائيلي إلى تطوير السلطة.. إلى مكانة دولة في حدود مؤقتة. ستمنح الدولة القزم الفلسطينيين في الضفة وغزة حق التصويت ومقعدا في الأمم المتحدة، وتعفي إسرائيل من مسؤوليتها عنهم. الاختلافات فيما بقي من المناطق، والقدس واللاجئين ستتبين بعد ذلك بين دولتين ذواتي سيادة، إسرائيل وفلسطين لا بين المحتل والخاضعين له.. تبدو الدولة الفلسطينية في حدود مؤقتة التسوية الأكثر عملية ؟ باتفاق أو بإجراء إسرائيلي من طرف واحد.. يقدّر نتانياهو أن المخرج الوحيد من الجمود سيكون تسوية مرحلية في مركزها الدولة الفلسطينية في حدود مؤقتة. (ألوف بن، «هآرتس»، 428)

ماجد كيالي