لا تحمل مدينة أم قيس الأردنية الشهرة السياحية التي تحملها مدينة جرش أو مدينة البتراء. ولكن هذا تماماً ما يدعو إلى الاستغراب، خاصة وأن على أرض أم قيس التاريخية جرى التمهيد لتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية نفسها، في العام 1920 حيث مؤتمر أم قيس الشهير.
«أم قيس» أو أثينا الشرق هي واحدة من بلدان «الديكابولس» ـ «اتحاد المدن العشر القديمة» والتي خرج منها شاعران كبيران من الفلسفة الرواقية السورية والابيقورية اليونانية، هما أرابيوس ومليغروس. وحسب تقديرات البعض فإن سحر المنطقة الخلاب طغى على سحرها الأثري إضافة إلى كون جزء منها منطقة حدودية مع فلسطين المحتلة وتضم وحدات عسكرية حافظت على سحر المنطقة الجغرافية من دون تدخل آلة الهدم والتطوير المعاصرة. عرفت أم قيس في الحقبة اليونانية بمدينة جادارا ولكن مع قدوم العهد العثماني لها أخذ الاسم بالتحول حيث أطلق عليها العثمانيون اسم «ماكوس» «MuKous» أي مدينة الضرائب، كونها كانت ملتقى للطرق التجارية في بلاد الشام، وما هي إلا سنوات قليلة حتى نحت السكان الأصليون اسم ماكوس إلى «إمكيس»، لتتحول لاحقاً إلى أم قيس. وتقع مدينة أم قيس «جادارا» والتي كانت توصف بأنها أثينا الشرق في المنطقة الشمالية الغربية من أراضي المملكة الأردنية الهاشمية، وتشكل الزاوية الشمالية الغربية للحدود الأردنية السورية الفلسطينية.
وتبعد أم قيس إلى الشمال من العاصمة الأردنية عمّان بحوالي 100كم، وعن مدينة إربد حوالي 25 كم. وتعتبر المدينة شمال الشمال بالنسبة للمملكة فهي من ناحية تابعة لمحافظة اربد الشمالية، وهي كذلك شمال مدينة اربد.
وتربض أم قيس «عروس بلاد الشام» نظراً لموقعها «الجيوسياسيى والطبيعي المميز» على قمة هضبة ترتفع حوالي 370 متراً فوق مستوى سطح البحر، وهي تشرف على هضبة الجولان السورية المحتلة وحوض نهر اليرموك، وجبل الشيخ وجنوب لبنان وإصبع الجليل شمالاً، وبحيرة طبريا وجبال الجليل الأوسط والأعلى ومدينة الناصرة وجبل الطابور «جبل التجلي» ووادي الأردن غرباً، وسلسلة جبال عجلون جنوباً، وسهول حوران والمروج الشمالية الأردنية شرقاً.
بهذا الموقع البانورامي تعتبر هضبة أم قيس حلقة الوصل بين ملتقى العديد من الطرق التجارية الرئيسية ـ القديمة والحديثة ـ التي تربط بين سوريا وفلسطين وبقية مناطق بلاد الشام.
من الاسكندر الأكبر إلى العثمانيين
ولقد أحسن المقدونيون ـ بعد أن احتل الاسكندر الأكبر المشرق العربي ـ في اختيار المكان الذي أقاموا عليه مدينتهم جادارا. ففي سنة 218 ق. م كان «بطليموس الرابع» ـ 221 ـ 203 ق.م ـ ملك مصر يحكم فلسطين والأردن وهاجمه «انطيوخوس الثالث السلوقي» ـ 223ـ 186ق.م ـ بحملة عسكرية سيطر خلالها على أجزاء كبيرة من المشرق العربي، وكان من ضمنها مدينة جادارا التي استسلمت له، وهكذا وصلت إليها الحضارة اليونانية (33495 ق.م) التي جعلت هذه المدينة خالدة بعمرانها وبرجالها من فلاسفة وأدباء.
وبعد وفاة الاسكندر الأكبر سنة 323 ترك وراءه مملكة مترامية الأطراف، فتخاصم جيشه يحاول كل طرف منه السيطرة على جزء مما ترك قائدهم العظيم، فوضعها القائد الروماني «أغسطس» تحت سيطرته كمدينة مستقلة وألحقها بمقاطعة سوريا.
كانت المدن اليونانية العشر ومن ضمنها جادارا في أوج عظمتها في أيام نشاط السيد المسيح، فقد زارها وأظهر بعضاً من معجزاته فيها، وكانت المرة الوحيدة التي اجتاز فيها السيد المسيح بلاد الجليل إلى شمال الأردن، وأصبحت المسيحية دين الإمبراطورية الرسمية وأخذت الهياكل الوثنية تتحول إلى كنائس مسيحية، فظهرت البازيليكات والكاتدرائيات التي لا تزال آثارها ماثلة حتى اليوم تدهش كل من يراها.
وفي أم قيس ـ جادارا أطلق السيد المسيح أقوى عبارته في موضوع مؤسسة الزواج؛ فأشار في مسألة «الطلاق» محرماً لها بقوله: «ما جمعه الرب لا يفرقه إنسان».
وفي سنة 614م فتحها المسلمون بقيادة الصحابي شرحبيل بن حسنة زمن الخليفة عمر بن الخطاب بعد معركة اليرموك. وفي العهد العثماني تحول اسمها من جادارا إلى الكلمة العثمانية «ماكوس» «حِّثَُِّّ» وتعني مدينة الضرائب، نظراً لموقعها على ملتقى الطرق التجارية في بلاد الشام، حيث كان يلفظها السكان المحليون «إمكيس»، ثم تحول اللفظ إلى أم قيس.
المعالم الأثرية
نقش ميليلقروس: عندما تدخل مدينة «أم قيس» الأثرية تواجهك عبارة منقوشة على حجر الشاهد الذي كان منصوباً على قبر الشاعر القديم «أرابيوس» يخاطب فيها الضيوف قائلاً: «أيّهَا المَارُّ مِن هنا، كمَا أنت الآنَ، كنت أنا، وكما أنا الآن، ستكون أنت.
المسرح الشمالي ـ وهو أكبر المسارح في المدينة، وأثاره ما زالت ماثلة للعيان على جانب التلة المجاورة لمتحف أم قيس ـ يتجه المسرح إلى الشمال، ويبلغ قطره من الداخل 50 متراً ومن الخارج 85 متراً، وبني من حجر البازلت الأسود، وأقيم جزء منه على عقود والجزء الآخر نحت في الصخر، وقد استخدمت العديد من حجارته لإنشاء أبنية أخرى في المدينة.
شارع الأعمدة: يخترق شارع الأعمدة وكان يسمى شارع (ديكومانوس ماكسيموس) مدينة جادارا من الشرق نحو الغرب بطول 2 كيلومتر، وترتفع على جانبيه الأعمدة ذات الطراز الكورانثي، وإلى الشرق منه ثمة طريق روماني كان يربط جادارا بمدينتي ابيلا وبصرى الشام.
البازيليكا (الكنسية) البيزنطنية: وهي مبنية من الحجارة البازلتية والجير الأبيض يبلغ طولها من الداخل 22 متراً وعرضها 16 متراً، ولها 3 أروقه، وهي مبلطة، وأما أعمدتها فهي من البازلت ومن الحجر الكلسي، وتحمل تيجاناً من الطراز الكورنثي.
ويبلغ عدد الأعمدة 8 من الناحية الغربية و8 من الناحية الشرقية و4 من الشمال و4 من الجنوب، ويبلغ ارتفاع هذه الأعمدة أربعة أمتار ونصف. المدرج الغربي: إلى الجنوب من الكنيسة يقع المدرج الغربي الذي يتجه نحو الغرب، وقد بُني بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي من الحجارة البازلتية السوداء، انه أصغر حجماً من المدرج الشمالي، إلا انه لا يزال يحتفظ بمعظم أجزائه، يبلغ قطر صحنه 24 متراً.
وأما قطره الخارجي فيبلغ 58 متراً، المقاعد موزعة على 3 أدوار ويفصل الدور الأول عن الثاني طريق يبلغ عرضه 3 أمتار، كما ينتهي الدور الثاني بممر يبلغ عرضه متراً واحداً، المقاعد الدنيا قرب الاوركسترا ذات مساند عالية موشّاة بنقوش متقنة، ولعلها كانت مخصصة لكبار الضيوف، ونشاهد في هذا المدرج في الطابق السفلي مدخلين من الناحية الجنوبية الغربية وآخرين من الناحية الشمالية الغربية.
كما لا تزال ترى 4 مداخل في النصف الأول الذي يفصل الدور الأول عن الثاني، وتبلغ المسافة من طرف المدرج من الشمال إلى الجنوب 26 متراً، المدرج يتسع لحوالي ثلاثة آلاف مشاهد كانوا يجلسون على مقاعدهم من الناحية الشرقية للمدرج وأمامهم المسرح الذي كانت تعرض عليه المسرحيات الكوميدية والتراجيدية والأمسيات الشعرية والغنائية بالإضافة إلى إقامة مباريات المصارعة الرومانية ويتمتعون بمشاهدة هضبة الجولان وبحيرة طبريا وجنوب لبنان وشمال فلسطين.
يوجد في عمق المسرح تمثال من الرخام الأبيض يمثل امرأة جميلة جالسة على كرسي تزين أرجله رؤوس الأسود، وتحمل بيدها قرن الخصب إنها (تايكي: عشتروت) حامية جادارا، آلهة الحبّ والجمال والخصب، وهي معروضة الآن في متحف أم قيس الأثري.
كما يوجد في المدينة أماكن أثرية مهمة مثل: الكنيسة البيزنطية الأسواق والمخازن الدكاكين المقنطرة وانيمغايوم، مجمع الحمامات الرومانية، والشرفة، وبوابة طبريا؛ البوابة الغربية، وميدان سباق الخيل. كما تم اكتشاف نفق مائي تحت الأرض بطول 140كم، كان قادماً من مدينة درعا إلى أم قيس، وذلك لغايات دفاعية وأمنية وزراعية.
كما يوجد متحف لآثار أم قيس ـ جادارا في «بيت الروسان» وسط المدينة الأثرية، وكان يستعمل في الأصل كمنزل للحاكم العثماني ـ حيث يضم مقتنيات ذات دلالات روحية كتمثال الآلة تايكي ـ عشتروت، وتمثال الآلة زيوس ـ جوبيتر، وتماثيل أخرى ولوحات فسيفسائية وعملات معدنية، وهي من ضمن الاكتشافات الأثرية التي تم العثور عليها في المدينة الأثرية.
الحمامات المعدنية
اشتهرت أم قيس في العصر الروماني واليوناني بحماماتها الكبريتية الساخنة، وذكرها عالم الجغرافيا الروماني (سترابو) وكان معاصراً (لأغسطس قيصر) (101ـ 44 ق.م) فكتب عنها: (إن الرومان الذين يتلذذون بالحياة، يصعدون إلى جادارا بعد انتفاعهم بالمياه الحارة، لينعموا برطوبة قممها، ويقضون أوقاتهم بمشاهدة المسرحيات التي تقام على مدرجاتها).
وتوجد هذه الحمامات المعدنية في منطقة ـ الحمة الأردنية والحمة السورية حالياً ـ وعلى حافة نهر اليرموك والتي تبعد 6 كيلو مترات إلى الشمال من جادارا حيث جمال الطبيعة والبيئة البكر والغطاء الغابي والمناخ المعتدل على مدار العام، حيث تندفع المياه المعدنية الكبريتية ذات المركبات الكيميائية والفيزيائية من باطن الأرض وتحتوي مياهها المعدنية على عناصر الكالسيوم والصوديوم والبوتاسيوم والحديد والرصاص والتي يستفاد منها للاستشفاء من الأمراض الجلدية وأمراض الجهاز العصبي وتشنج العضلات والمفاصل والروماتيزم واستعادة الحيوية والنشاط وتنظيم الدورة الدموية وتنشيط مسامات الجلد وخاصة في مناطق الأطراف وأمراض الجهاز التنفسي عبر استنشاق الأبخرة المتصاعدة من مياهها.
ولم يمنع هذا كله سكان جادارا الرومان والبيزنطينيون من إقامة العديد من الحمامات العامة والخاصة في المدينة عينها، ولقد أظهرت الحفريات الأثرية أربع برك صغيرة وكانت أرضيتها مبلطة بالفسيفساء، ووجدت فيها الكتابة التالية: (الصحة لهرقلس الذي بنى هذا العمّار ولجميع الذين يستحمون فيه).
ولا شك أن (هرقلس) كان أحد أثرياء جادارا فساهم ببناء هذا الحمام على نفقته الخاصة. لكن الهزات الأرضية وحركات الجيوش الغازية المدينة أفقدت الكثير من معالمها الأثرية الرائعة والتي لا تزال تحت الأنقاض، وقضت على ما تبقى من حضارتها من مدرجات وحمامات ومقابر فهجرها من نجا من تلك الويلات الطبيعية.
استملاك البلدة القديمة وبناء المتحف
وكانت دائرة الآثار العامة رممت بالتعاون مع المعهد الألماني البروتستانتي للآثار أحد البيوت القديمة في بلدة أم قيس عام 1987م، واستخدمته متحفاً تم افتتاحه في الفترة نفسها.
ويضم المتحف قاعتين، تضم أولاهما ثلاث خزائن، خصصت إحداها للفخار من أسرجه وجرار صغيرة وأقنعة وغيرها، وهي تمتد من الفترة الهلنستية وحتى الفترة الإسلامية.
أما الخزانة الثانية فتحوي ما اكتشف داخل المقابر في منطقة أم قيس، وتضم الخزانة الثالثة الحجارة المزخرفة، إضافة إلى جرار فخارية متوسطة الحجم تعود للعصرين الروماني والبيزنطي وبعض التماثيل المصرية من الحجر البازلتي والحجر الكلسي. وخصصت القاعة الثانية للتماثيل الحجرية المتنوعة ومعظمها من الفترة الرومانية. وتوجد داخل المتحف ساحة عامة تضم توابيت حجرية بازلتية وتيجان أعمدة وقواعد أعمدة من الحجر الكلسي والبازلتي إضافة لبوابتين من الحجر البازلتي ولوحات فسيفسائية.
ورغم ازدحام منطقة الآثار بالمباني السكنية منذ مئات السنين إلا أن دائرة الآثار العامة قد استملكت البلدة بكاملها كما إنها نفذت عدة مشاريع خاصة بالتنقيب ومشاريع ترميم.
أحداث
ومن الأحداث المهمة التي جرت في أم قيس وقعت في شهر سبتمبر من عام 1920 حيث انعقاد مؤتمر أم قيس الذي يُعد الأساس التاريخي لقيام إمارة شرق الأردن فالمملكة الأردنية الهاشمية. وكان المؤتمر بعد الاحتلال الفرنسي لسوريا اثر معركة ميسلون 1920 وإسقاط مملكة فيصل فيها، وكانت شرق الأردن جزءاً من ولاية دمشق. وترتب على انعقاد مؤتمر أم قيس معاهدة بين المعتمد البريطاني سمرست وشيوخ عجلون وقد اعتبرت المعاهدة أفضل من معاهدة 1928 اللاحقة لتأسيس الإمارة.
عمان ـ لقمان اسكندر

