يحافظون تقريبا على نظام واحد طيلة العام، ويتحكم في غذاء القرويين إنتاجهم الخاص وشروط الطبيعة التي اندمجوا معها بشكل لا يتوفر لدى الحضريين. ففي الأيام الربيعية يتناولون لعدة أسابيع أطعمة مشبعة بأعشاب برية مختارة تحضر في شكل أطباق تؤكل بالرغيف التقليدي ويسمى محليا «الكسرة» أو «الرخسيس».
وتوارث الناس تناول الأطعمة المزودة بالأعشاب البرية منذ قرون ويشتهيها الأغنياء والفقراء معا للذتها. وتتميز بوفرة التوابل والثوم والفلفل الحار الأحمر المجفف. ويأكل الجزائريون مساء الفول الأخضر والبازلاء الطازجة بعد طهيهما ببخار الماء. ويشارك الأطفال والنساء في نزع قشور الفول والبازلاء ويوضع إناء (قدر) على النار وفوقه «كسكاس» وهو اناء آخر يحمل ثقوبا صغيرة على كامل قاعدته. يوضع الفول في «الكسكاس» ويطهى بالبخار، ثم يصب عليه زيت الزيتون وقليل من الملح ويصبح جاهزا، وهو الاكلة المسائية لمعظم العائلات القروية. وكثير من الأسر تحصل على الفول والبازلاء من حقولها ومن لا يملكها يشتريها من السوق، وهي متوفرة بكثرة كونها خضار الموسم. وهناك أكلات للقرويين تحضر من اليقطين والخرشف واللفت والجزر وبطبيعة الحال البطاطس التي تستهلكها العائلة الجزائرية في كل مناطق البلاد وعلى مدار الفصول.
التين والهندي... وخلال الصيف يتغير النظام الغذائي آليا بفعل تغير ما تعرضه الطبيعة، فيتناول الناس خاصة في مناطق القبائل والاوراس وأقصى غرب البلاد التين العادي أو التين الشوكي (الهندي) الطازج في الصباح الباكر بدل القهوة والحليب. يقول نورالدين صديق وهو مزارع في الستين من العمر من قرية «لعزيب» إنه يخرج عند الفجر لإحضار سلة من التين لعائلته، ويأكل كل افرادها حتى يشبعوا. وفي اليوم الموالي يملأ سلة من التين الشوكي ويتم تنظيفه من الاشواك باكرا قبل أن تطلع الشمس لأن الشوك الرقيق مؤذ للعيون خاصة وهو يتحرك بفعل تأثير الشمس فيطير في الهواء ويصيب الإنسان.
وتقشر النساء «الهندي» ويقدم في صحون لأفراد الاسرة. وخلال شهرين كاملين لا تتناول الأسرة القهوة والحليب، فالتين العادي والهندي يغنياننا عنهما. ويعد هذا الفصل الذي يتداخل فيه الصيف والخريف بمثابة خير حيث يمكن لمن لا يملكون بساتين التين أو غابات التين الشوكي تناول الفاكهة يوميا من كرم غيرهم.
وفضلا عن التين والهندي ينعم سكان أرياف الجزائر في الصيف والخريف بأنواع كثيرة من الفواكه كالمشمش والخوخ والتفاح والاجاص والكمثري والرمان والعنب وغيرها. كما يكثرون من تناول الأطعمة الخفيفة وفي مقدمتها «الشليطة» وتسمى في بعض المناطق «الحميس» وهي عبارة عن فلفل أخضر يشوى على النار ويفرم ويعجن بزيت الزيتون وقليل من الملح ويؤكل بالكسرة.
استهلاك المخزون
في فصل الخريف يحضر القرويون لفصل الشتاء القاسي، فيجففون أنواعا من الفواكه والخضار تحت أشعة الشمس، ويخزنونها في ظروف مكيفة طبيعيا. ومن أهم الفواكه التي تجفف التين، والعنب والكمثرى والمشمش. ويستخرج التين المجفف في الشتاء ليكون أحد أهم الأغذية بزيت الزيتون. أما العنب المجفف (الزبيب) فيخلط عادة بالكسكسي أو في وجبات اللحم الفاخرة التي يحضر فيها أيضا المشمش المجفف.
ويتناول الجزائريون أيضا في فصل الشتاء الحبوب الجافة بكثرة وخاصة العدس والفاصوليا والفول والحمص. وفي مناطق الهضاب العليا شرق البلاد يأكل الناس وجبة من الحمص الساخن صباحا للتزود بالطاقة ومقاومة البرد الشديد. وما يحكم تغير النظام الغذائي لدى القرويين الجزائريين منذ قرون حرصهم على تناول انتاجهم الخاص من البقول والفاكهة واعتمادهم على التخزين ويسمى محليا (العوله) لمواجهة مفاجآت الطبيعة.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي


