المشهد الأول: منذ تسع سنوات، قرّرت نسرين كاج (28 عاماً)، اللبنانية - النيجيريّة، أن تأتي إلى بلد والدها لتكمل دراستها فيه، بعد أن أمضت 20 عاماً في موطن والدتها نيجيريا.
«أتيت إلى هنا لأتعلّم اللغة، وأتواصل مع الشقّ الثاني من هويّتي»، تقول.. إلا أن التجربة لم تكن «لطيفة»: «اختبرت صدمة حضارية، وخصوصاً لجهة تعاطي الشباب اللبنانيين معي.. وفي كل مرّة، كنت أتصل بأبي في نيجيريا لأرجوه أن يعيدني إلى هناك، لكنه كان يصرّ على بقائي ويحثّني على أن أكون أكثر قوة».. لكنها لم تفهم الرسالة إلا بعد وقت طويل: «تطلّب الأمر مني ثلاث سنوات لأفهم عنصريّة بعض اللبنانيين، ولأدرك أن الهوية الإفريقية أمر سيئ غالباً في لبنان».
المشهد الثاني: منذ أربع سنوات، أتت الناشطة والكاتبة في شؤون العنصريّة وحقوق الإنسان الأميركية سيمبا روسو من أجل زيارة لبنان لشهرين فقط، ف«علِقت» فيه أربعة أعوام، لأن الأمن العام اللبناني احتجز جواز سفرها، لا لسبب إلا «استنسابيّة سلطتهم، وريبتهم من مظهري ولون بشرتي»، كما تقول.. وبعد إعادتهم لجواز سفرها، رحلت ثم عادت، ليحتجزوها هي هذه المرّة.
وما بين المشهدين، قرّرت نسرين وسيمبا، بالاشتراك مع الصحافيّة الكوريّة هايون لي، خلق مجموعة «حضارة المذاق»، الهادفة إلى «مشاركة الحضارة من خلال الطعام، لتشجيع التعامل مع النساء الأجنبيات على مستوى مختلف عن السائد»، وفق قول سيمبا ل«البيان»، لافتة إلى حملة الـ 247 التي تنظّمها المجموعة هذا العام، بالشراكة مع عدد من الجمعيات اللبنانية، أبرزها: «نحو المواطنية»، «إنسان»، «فابا» أو «جمعية الفنون السمعية - البصرية والاستعراضيّة»، «كفى»، «نسويّة»، «سوق الطيّب»، «المركز اللبناني لحقوق الإنسان»، و«مجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التربوي».
وتنقسم حملة الـ 724 للتضامن مع العاملات الأجنبيات في لبنان إلى شقّين، الأول إلكتروني والثاني احتفالي. الشقّ الإلكتروني من الحملة يحمل اسم ال«تووغينغ»، في محاولة ل«دمج كلمتَي البلوغ والتويتر، للدلالة على الوسائل المستعملة للقيام بالحملة»، تشرح سيمبا، وتقوم بالحملة الإلكترونية التي بدأت يوم 24 أبريل الفائت لمدة أسبوع، مجموعة تتألف من عشرين مدوّناً وعشرين آخرين يعملون على «تويتر».. علماً أن الهدف من الحملة الإلكترونية هو «نشر الوعي حول أوضاع العمّال الأجانب في لبنان، والتشارك بالمعلومات والقصص عنهم»، حسب تفسير سيمبا.
أما الشقّ الاحتفالي، فيتمثل بسلسلة من النشاطات، وأبرزها مهرجان للأطعمة الآسيويّة والإفريقيّة في «سوق الطيب» (وسط بيروت) تنظّمه المجموعة، غداً، حيث «تطبخ النساء الأجنبيات أطعمة تقليدية، ويتفاعلن مع الناس»، تقول هايون لي، على أن تليه مسيرة تضامنيّة «لأننا نريد أن يمشي اللبنانيون والأجانب مع بعضهم البعض، مع موسيقى وألبسة تقليدية وأعلام الدول، لنشر الوعي وكسر الصور النمطيّة التي يملكها كل من اللبنانيين والأجانب عن بعضهم البعض، ولتشجيع التعاطي مع العاملات الأجنبيات على أساس أنهنّ أفراد من خلفيات ثقافية وحضارية غنيّة، وليس باعتبارهن خادمات»، حسب قول هايون لي لـ «البيان».
أما لماذا حصرت المجموعة فعاليات نشاطها بـ 24 ساعة فقط، فذلك عائد لكون «العاملات الأجنبيات في لبنان يعملن لمدة أربع وعشرين ساعة في اليوم، ولسبعة أيام في الأسبوع.. وهنا خلفية اسم الحملة 24/7»، تعلّل سيمبا.. تقاطعها هايون لي لتضيف أن «المسيرة يوم السبت تطالب، رمزياً، بيوم عطلة للعاملات الأجنبيات اللواتي لن يحضرْن للأسف.. فرغم أن الأول من أيار هو عيد العمل، لكنهنّ لا يحصلْن على يوم عطلة».
وإذ تستفيض هايون لي بالحديث عن عقد العمل، مشدّدة على أنه «يعطي العاملات الحق بيوم إجازة، لكنه لا يحدّد أنه يجب أن يكون خارج المنزل»، فإنها تربط الأمر بأحد أهداف الحملة: «نحاول الضغط باتجاه هذه النقطة، ونأمل تحقيقها من خلال عريضة ننشرها على الموقع».. أما نسرين، فتعرب عن أملها في أن يقبل اللبنانيون على هذه الحملة، وأن يشاركوا في نشاطاتها، من مهرجان الطعام إلى التظاهرة والحفل الراقص، من أجل «كسر الصور النمطية التي يملكونها عن العاملات الأجنبيات، والتخفيف من حدّة عنصريتهم»، ف«من السخيف أن يسألني الناس هنا إذا كنّا نملك السيارات أو التلفزيونات في نيجيريا، أو إذا كنت قد رأيت الزرافة.. لم أرها لأنني لا أسكن في الغابة»!
بيروت ـ وفاء عواد

