يمضي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من غير حل حاسم، وهذا الأمر يبدو غريباً، ففي العديد من الصراعات الأخرى في العالم، كان مجرد تخيل تسوية عملية أمراً في غاية الصعوبة، أما في الحالة الفلسطينية الإسرائيلية فالوضع مختلف، إذ إن التسوية العملية ممكنة جداً.
كما أن هناك شبه اتفاق عالمي على المعالم الرئيسة لهذه التسوية، وهي قيام دولتين على امتداد الحدود المعترف بها دولياً، أي حدود ما قبل يونيو 1967، مع إجراء بعض «التعديلات الصغيرة والمتبادلة»، بحسب تعابير ومصطلحات واشنطن، قبل أن تهجر الحظيرة الدولية في منتصف السبعينات. العالم أجمع وافق على المبادئ الأساسية لتلك التسوية، بما في ذلك الدول العربية، التي لا تمانع في تطبيع كامل في العلاقات مع إسرائيل، وكذلك منظمة الدول الإسلامية، وأحزاب عدة بما فيها حماس، وقد طرحت هذه التسوية، لأول مرة، أمام مجلس الأمن عام 1976 من جانب الدول العربية الكبرى، غير أن إسرائيل لم تحضر الاجتماع، كما استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ضد مشروع القرار، ثم فعلت الشيء ذاته عام 1980، وتكرر هذا السيناريو في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
ثم حدث بعض الانفراج الإيجابي واللين في جدار الرفض الأميركي الإسرائيلي، فبعد اتفاقيات كامب ديفيد عام 2000، أقر الرئيس الأميركي بيل كلنتون بأن الشروط والبنود التي اقترحتها أميركا مع إسرائيل تعتبر غير مقبولة لدى الفلسطينيين جميعاً، لهذا وضع، في ديسمبر من العام نفسه، معايير أخرى، صحيح أنها كانت تتسم بعدم الدقة، لكنها كانت صريحة وواعدة، وصرح حينها أن الطرفين قبلا بالمعايير تلك، مع إبداء التحفظ عليها. التقى المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون في طابا المصرية، في يناير 2001، للتفاهم على الخلافات، وحققوا تقدماً ملموساً، حتى أنهم صرحوا في آخر مؤتمر صحافي بأنهم بحاجة لبعض الوقت وسيصلون، على الأرجح، إلى اتفاق كامل، لكن إسرائيل عادت ووأدت تلك المفاوضات قبل نضجها، وتوقف أي تقدم رسمي في هذا الشأن، غير أن المباحثات غير الرسمية استمرت وأوصلت سفينة المفاوضات إلى بر اتفاق جنيف، الذي رفضته إسرائيل، وأغمضت أميركا عينيها عنه.
لا يزال هناك أمل في تفعيل تلك التسوية، وهو متعلق بالرغبة الأميركية في إنفاذه، غير أنه، للأسف، لا توجد بوادر تلوح في الأفق حول الرغبة الأميركية في هذا.
خطوات
كان من بين الخطوات الإسرائيلية للكانتونات والقضاء على أمل الفلسطينيين بإقامة دولة فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وبالفعل تم كتم أنفاس الأمل الفلسطيني، وهي وحشية ينبغي ألا نصمت حيالها. وقد كتبت أميرة هاس، الصحافية الإسرائيلية المتخصصة في شأن غزة، تقول: «إن الفصل الكامل لقطاع غزة عن الضفة الغربية كان من أهم الانجازات السياسية الإسرائيلية التي تخطط لمنع أي حل يقوم على القرارات الدولية والتفاهم، وتسعى بدلاً من ذلك بكل ما أوتيت من قوة لفرض ترتيبات تعتمد على التفوق العسكري.
لقد حققت إسرائيل منذ يناير عام 1991 الفصل والتفرقة بأدق معانيهما البيروقراطية واللوجستية، ليس فقط بين الفلسطينيين في المناطق المحتلة وإخوانهم الذين يعيشون في إسرائيل، ولكن أيضاً بين الفلسطينيين المقيمين في القدس وباقي المناطق الأخرى وبين الفلسطينيين في قطاع غزة. اليهود يعيشون على رقعة الأرض ذاتها، غير أنهم يتمتعون بامتيازات أكبر بكثير، وقوانين وخدمات وبنية تحتية أرقى».
فعلت إسرائيل فعلتها تحت ذرائع الدفاع عن النفس، وبتأييد من الولايات المتحدة، ودعم لوجستي غير شرعي منها، فإسرائيل وشريكتها في الجرم أميركا تعرفان جيداً أن هناك حلولاً سلمية كانت في متناول اليد ولم تأخذا بها، كما أن الحصار المفروض على غزة يعتبر حرباً هو الآخر، وخاصة الحصار البحري الذي يعتبر إجرامياً بحق الشعب في غزة.
وفي هذا كتب المراسل الصحافي بيتر بيمونت يقول: «هناك سياج آخر يحيط بغزة أشد ضرراً وفتكاً، فعلى الخط البحري الفاصل تجد القوارب الإسرائيلية التي ترعب قوارب الصيادين الفلسطينيين، وتمنعها من الخروج خارج منطقة حددتها السفن الحربية».
همجية
حسب التقارير الواردة من الميدان، فقد تم تشديد الحصار البحري على غزة منذ عام 2000، وفي كثير من الأحيان، كانت القوارب العسكرية الإسرائيلية تجبر قوارب الصيد الفلسطينية على الخروج من المياه الإقليمية الفلسطينية نحو الشاطيء، وتعرض أصحابها للأذى، وربما القتل أحياناً. ونتيجة لهذه التصرفات، فقد انهار قطاع الصيد في غزة.
حيث يستحيل الصيد قرب الساحل بسبب العدوان الإسرائيلي المتوالي، والذي طال أيضاً محطات الطاقة والمرافق الصحية. الهجمات الإسرائيلية البحرية بدأت بعد وقت قصير من اكتشاف شركة «بريتيش غاز» ما قد يكون حقولاً للغاز الطبيعي في المياه الإقليمية لقطاع غزة.
والعديد من المصادر الصحافية تشير إلى أن إسرائيل بدأت الاستفادة من تلك المصادر، التي هي بالأساس ملك لقطاع غزة، وتهدف إسرائيل من وراء ذلك إلى تحويل اقتصادها في المستقبل بحيث يعتمد على الغاز الطبيعي بشكل كبير.
الولايات المتحدة تعلم أن هناك نهباً إسرائيليا للغاز، الذي كان من الممكن جداً أن يصبح مصدراً من مصادر الدخل الرئيسة في القطاع. إذن فالنية الإسرائيلية في السيطرة على الغاز بمفردها، أو ربما بالاشتراك مع السلطة الفلسطينية المتعاونة، هي الدافع وراء منع قوارب الصيد الغزاوية من دخول المياه الإقليمية لقطاع غزة.
وهذا الأمر ليس سابقة في السياسة العالمية، ففي عام 1989، وقع وزير الخارجية الاسترالي غاريث إيفانز اتفاقية مع نظيره الأندونيسي علي العطاس تمنح استراليا الحق بموجبها في السيطرة على احتياطات النفط الموجودة في تيمور الشرقية، وكانت تلك الاتفاقية، التي حرمت أهل تيمور من أي حق في النفط الموجود على أرضها، الاتفاقية الوحيدة في العالم التي اعترفت لإندونيسيا بحقها في تيمور الشرقية، بحسب الصحافة الاسترالية.
وحينها ذكر الوزير الاسترالي أنه لا يوجد قانون دولي يلزم دول العالم بعدم الاعتراف بالاحتلال بالقوة، وأضاف، حينها أن العالم مكان غير عادل، وأنه مليء بالأمثلة من هذا النوع. إذن، والحال كذلك، فليس من الصعب على إسرائيل أن تطبق الأمر نفسه في غزة.
الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما في القاهرة في يونيو 2009، وكان موجهاً للعالم الإسلامي، كان محايداً إلى حد كبير، لكنه كان مثل صفحة بيضاء، ترك لكل من شاء الفرصة ليكتب عليها ما يريد، ويفهم ما يريد، محطة «سي إن إن» الإخبارية، حينها تحدثت عن رغبة أوباما في الوصول إلى روح العالم الإسلامي. إن التزام البيت الأبيض بحل كل تلك الخلافات مرحب به، لكن يجب عدم الاكتفاء بالرغبة النظرية، بل يجب أن تكون هناك خطوات عملية موازية.
أوباما في خطاباته حذر مستمعيه من أنه لا يجب النظر إلى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من زاوية واحدة، فتلك تعمية للحقيقة، بل ينبغي محاولة تحقيق آمال الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني على حد سواء، وإقامة دولتين يعيش فيهما الفلسطينيون والإسرائيليون بأمان وسلام. غير أن هناك جانباً ثالثاً من المهم النظر فيه، وهو الجانب الأميركي، لكن أوباما أغفل الحديث عنه في مقابلته مع الصحيفة.
وهذا الإغفال قد يكون مبرراً وطبيعياً، لأن الصحيفة لم تسأله عنه. من الناحية المبدئية، صار مفهوماً أن أميركا تريد تصوير نفسها أنها على الرغم من ارتكابها الأخطاء، لكن نواياها سليمة، وأحياناً نبيلة، فقد سعت الولايات المتحدة جاهدة، ومنذ زمن طويل، لأن تكون وسيطاً صادقاً ومخلصاً، لتحقيق العدالة والسلام، وأوباما يردد كلمات بوش ذاتها في إقامة دولتين من دون أن يحدد ماهية «الدولة الفلسطينية».
كما وجه أوباما توبيخاً للعرب، حيث قال إنه ينبغي عليهم أن يدركوا أن مبادرة السلام العربية، التي أطلقوها، كانت نقطة انطلاق مهمة، لكنها ليست نهاية مسؤولياتهم. غير أنه من الواضح أن تلك المبادرة من الصعب أن تكمل مسيرتها إذا استمر أوباما برفض مبادئها الأساسية، التي تقوم على تنفيذ القرارات الدولية، فكيف للعرب أن يحققوا تلك المبادرة، إن لم تكن مسؤولية واشنطن؟ في الحقيقة لم يقدم أوباما توضيحاً لهذا.
منظر اليسار الأميركي
نعوم تشومسكي (7 ديسمبر 1928 فيلادلفيا)، اختصاصي في اللغويات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وصاحب نظرية النحو التوليدي، والتي كثيراً ما تعتبر أهم إسهام في مجال اللغويات النظرية في القرن العشرين. ويعود إليه كذلك فضل تأسيس ما أصبح يُعرف بـ «تراتب تشومسكي»، وهو تصنيف للغات الشكلية حسب قدرتها التوليدية.
بالإضافة إلى عمله في اللغويات، فتشومسكي معروف على نطاق واسع كناشط سياسي، وبانتقاده للسياسة الخارجية للولايات المتحدة والحكومات الأخرى. ويصف تشومسكي نفسه بأنه منظر رئيسي للجناح اليساري في السياسة الأميركية، وكثيراً ما يُعتبر كذلك.
ويذكر أنه من أهم «المنشقين» في الولايات المتحدة الأميركية، وقد نعتته منظمة «بناي بريث» (أبناء العهد) اليهودية ذات الميول الصهيونية- بأنه أشد مواطني الولايات المتحدة الأمريكية عداءً لإسرائيل، كما وصفه البعض بأنه يهودي يكره ذاته، واعتبرته محطة «سي إن إن» الإخبارية العالمية أهم نقاد السياسة الأميركية، كما اختير، في أحد الاستفتاءات الثقافية في الولايات المتحدة، ليكون ضمن أهم ثلاث شخصيات ثقافية على قيد الحياة في هذا القرن.
استبعاد غزة
يستشهد نعوم تشومسكي بمقتطفات من كتابات سارا روي، الأكاديمية المتخصصة في شؤون غزة، جاء فيه:
«تعتبر غزة من الأمثلة الحية على مجتمع تم تحويله مع سبق الإصرار والترصد إلى مجتمع يضج بالعوز والفاقة، وتحويل شعبه الذي كان يوماً ما شعباً منتجاً إلى شعب عالة يستجدي المعونات.
إن استعباد غزة ليس جديداً، بل هو أقدم بكثير من الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل عليها في ديسمبر 2008، لقد دمر الاحتلال الإسرائيلي الاقتصاد الغزي، خاصة منذ عام 2006، حيث تم تدمير معيشة الناس وبنيتهم التحتية وبيوتهم لدرجة اعترف فيها الجيش الإسرائيلي بأنها لا يمكن تبريرها أو التسامح معها».
«في غزة اليوم، لا يوجد قطاع خاص أو صناعة يمكن الحديث عنها، وقد تم تدمير 80% من المحاصيل الزراعية هناك، كما أن القوات الإسرائيلية تتصيد المزارعين الذين يحاولون زراعة الحقول المحاذية للحدود، وقد نجحت الآلة العسكرية الإسرائيلية في تعطيل أي نشاط إنتاجي، ويعتمد اليوم 96% من الغزيين، الذين يبلغ تعدادهم 4 ,1 مليون نسمة، في معيشتهم على المعونات الإنسانية، وبحسب برنامج الغذاء العالمي، فإن غزة بحاجة إلى 400 شاحنة من الطعام يومياً لتلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.
لكن على الرغم من قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي (في مارس 2009) برفع الحظر عن المواد الغذائية الداخلة إلى غزة، فلم تنجح سوى 653 شاحنة محملة بالمواد الغذائية في الدخول إلى القطاع، خلال الأسبوع الأول من شهر مايو 2009، ملبية بذلك 23% فقط من احتياجات السكان الأساسية من الغذاء، وتسمح إسرائيل حالياً ل30 إلى 40 منتجاً فقط للدخول إلى غزة مقارنة بـ 4000 منتج كان يتم الموافقة عليها قبل يونيو 2006».
بقلم: نعوم تشومسكي


