لم تكن الولايات المتحدة أو بريطانيا هما البادئتان بالحرب في أفغانستان، ففي التسعينات من القرن الماضي عمدت حكومة طالبان إلى إيواء «القاعدة» ودعمها، وبالمقابل زود أسامة بن لادن طالبان بالمقاتلين والسلاح، وأصبحت أفغانستان الحاضنة لهجمات 11 سبتمبر، وبالتالي كان لابد من تدخل دولي في أفغانستان، وهذا ما حدث.
ولاقى هذا التدخل دعماً ومؤازرة دوليين، غير أننا لم نبعث بجنودنا إلى أفغانستان ليبقوا هناك، والآن بعد ثماني سنوات، ومع انتشار «القاعدة» في باكستان، لم يعد كافياً أن نبرر للناس كيفية نشوب تلك الحرب، بل صار لزاماً علينا أن نوضح كيفية إنهائها، وبالأحرى كيف نحافظ على ما تم تحقيقه لغاية الآن، ونحمي جنوب آسيا من ذلك الوباء المنتشر، والذي قد يطالنا جميعاً.
يرتكز طريق التقدم والنجاح في أفغانستان على إدراك مركزية السياسة، فيما يتعلق بقضايا الحرب والسلام. صحيح أن الحرب الأفغانية ابتدأت بالعنف والقتل، الذي لا يميز كبيراً من صغير، لكن السياسة هي التي ستنهيها.
وأية تسوية سياسية في أفغانستان يجب أن تحتوي على بعدين محددين هما: أولاً، إدارة سياسية داخلية يشارك فيها أكبر قدر من الأفغان، ويكون فيها للحكومة المركزية ما يكفي من القوة والشرعية لحماية البلاد من التهديدات الداخلية والخارجية.
والبعد الثاني، الذي يعتمد عليه البعد الأول، تسوية خارجية لإلزام جيران أفغانستان باحترام سيادتها، وأن يكون لهذه التسوية من القوة والدعم ما تستطيع من خلاله إلزام الأطراف المختلفة بالاتفاقيات المبرمة.
وقد خاضت بريطانيا في أفغانستان غمار ثلاث حروب بين عامي 1893 و1919، دفاعاً عن مصالحها الاقتصادية في الهند البريطانية، وفي كل مرة كانت تعاني الأمرين في إطار محاولاتها فرض النظام هناك.
غير أنه في كل مناسبة، كانت بريطانيا تتعلم الدروس القاسية، ولهذا نجح السياسيون والخبراء الاستراتيجيون البريطانيون عندما صقلوا أهدافهم وجعلوها أكثر منطقية، حيث صارت تتلخص في دعم أفغانستان بشكل كبير وتأمينه بحكومة مستقلة وحكم مستقل، وأن تتمتع قبائله بالتوازن، بحيث لا تشكل أي منها تهديداً للوجود البريطاني.
ومن اللافت للنظر، أن الخبراء السوفييت توصلوا إلى النتيجة والقناعة ذاتيهما، فانسحبوا من أفغانستان عام 1989، تاركين وراءهم حكومة بقيادة السياسي الشيوعي محمد نجيب الله، التي دامت لثلاث سنوات فقط. وككل الحكومات في تاريخ أفغانستان الحديث، فإن حكومة نجيب الله ما كان بمقدورها الاستمرار بدون وجود دعم خارجي، وهذا ما حدث، فعندما أوقفت روسيا، بقيادة بوريس يلتسين، الدعم عنها، انهارت من جديد.
لقد أثبتت التجربة والخبرة البريطانية في القرن التاسع عشر والخبرة الروسية في القرن العشرين أن أفضل طريقة، وربما الطريقة الوحيدة، لاستقرار أفغانستان، في المدى البعيد، تكمن في تمكين الأفغان أنفسهم من مقاليد الحكم في بلادهم، بحيث يحكمون قراهم ووديانهم بأنفسهم.
ومن أجل تحقيق هذا الوضع، فإن الأفغان بحاجة إلى الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الكامل من الخارج، وليسوا بحاجة لوجود قوات عسكرية على ترابهم، إلا بالقدر الذي يكفل لهم الأمن، ويضعهم على أول الطريق لتنظيم حياتهم بأنفسهم.
وتوصلت دراسة حديثة، حول الانسحاب البريطاني الدموي من كابول عام 1842، إلى أن الأسباب الحقيقية للكارثة التي حاقت بالقوات البريطانية هناك تكمن في أن صغار الضباط في الجيش البريطاني كانوا يبدون تردداً كبيراً في أن يذكروا حقيقة الموقف المخيف لقادتهم، ولكي نصحح الوضع في أفغانستان علينا أن نكون صريحين وواقعيين، وفيما يلي الحقائق هناك كما أراها:
* لقد تعب الأفغان من الحروب في بلادهم، التي دامت لأكثر من ثلاثين عاماً، وعانوا كثيراً من القتال والحرمان من الحقوق الأساسية، وأغلبيتهم ترفض حكم طالبان الوحشي، لكنهم أحياناً ينظرون إلى طالبان على أنهم طريقة الحماية الوحيدة لهم من سماسرة وقادة حرب آخرين لا يقلون دموية عن طالبان.
* تعاني الحكومة الأفغانية بقيادة حامد قرضاي من ثقل المطالب الشعبية، ومن المصالح التجارية والإجرامية، ومن ضغط المجتمع الدولي، لكنها تفتقر إلى القدرة على الحكم، كما أن الشكوك حول مصداقيتها تزايدت، منذ فترة الانتخابات،التي أجريت في الخريف الماضي، والتي اتسمت بانتشار الفساد والتزوير، لتطال قلب النظام السياسي في البلاد.
* تنتشر المقاومة الأفغانية، على نطاقات واسعة، غير أن تحالفاتها ضعيفة، وعلاقاتها غير ثابتة، تحكمها الجغرافيا والتكتيكات المختلفة، فطالبان تحكمها مجموعة من أعضاء من نظام الملا عمر السابق، الذي كان يقيم في المنطقة المحاذية للحدود الباكستانية.
كما أن هناك فصائل أخرى تنشط في أفغانستان، ومنها شبكة جلال الدين حقاني، المسماة «الحزب الإسلامي»، بالإضافة إلى مجموعات أخرى صغيرة. كل تلك الأحزاب والمجموعات تتاجر بأفغانستان، مستغلة تزعزع الناس وضعف الدولة.
*صحيح أن طالبان تعاني الآن من كثير من الرفض الشعبي والكراهية، حيث كشف استطلاع، أجري أخيراً، أن 6% فقط من المواطنين الأفغان يؤيدون حكم طالبان. رغم هذا فقد نجحت طالبان في تنظيم كوادر لها تتمتع ببعض الدعم في الجنوب والشرق والشمال، ما مكنها من تنفيذ عمليات لها في كابول، وفي أمكنة أخرى من أفغانستان.
* استطاعت قيادة «القاعدة» الهرب من أفغانستان واختبأت في المناطق الحدودية الباكستانية، وتم قتل أو اعتقال العديد من زعمائها، ورغم الروابط التاريخية التي تربط طالبان بالقاعدة، إلا أن العلاقة بين الطرفين، في أغلبها، تكتيكية ومحلية. رغم كل هذا نجحت «القاعدة» من خلال عملائها في دول أخرى مثل اليمن في تنفيذ هجمات مدمرة في أنحاء متفرقة من العالم.
؟ جرى تغيير جوهري في الباكستان في الشهور الثمانية عشرة الأخيرة، في ظل حكومة آصف علي زرداري الديمقراطية، حيث تكونت أهداف أخرى لدى القيادة العسكرية والسياسية وجمهور الناخبين في باكستان، بسبب انتشار الإرهاب الداخلي، وبالتالي أضحى من الواقعي الآن الحديث عن زيادة الضغط على المقاومة على كلا الجانبين من الحدود.
هناك الآن إجماع واتفاق دولي على ضرورة المضي قدماً في تنفيذ برنامج لإعادة تأهيل ودمج مقاتلي طالبان في مجتمعهم المحلي، وهو الأمر الذي تصفه الأمم المتحدة ب«إعطاء مقاتلي طالبان الصفة المدنية، وتمكينهم من الوظيفة المدنية والدخل الكريم».
وتكمن الحكمة من وراء هذا البرنامج في كسب ود من يقفون الآن حول محيط دائرة المقاومة، ويفكرون في الدخول إليها، في حثهم على تغيير انتماءاتهم، وبالتالي يزداد الضغط على المقاومة، التي ستبدأ في الشعور بأن النجاح بعيد المنال، وأن الضغوط تزداد عليها، وقد شعرنا بهذا في السنوات الأخيرة.
ومن أجل إعادة تغيير الانتماءات، ينبغي عدم الاكتفاء بتوفير فرص العمل لمقاتلي طالبان، بل من المهم حمايتهم أيضاً من أي انتقام قد يحيق بهم، ومن هنا تكمن أهمية المجلس الوطني للسلام والمصالحة وإعادة التأهيل، الذي اقترحه الرئيس قرضاي، والذي دعمه المجتمع الدولي ب150 مليون دولار.
غير أنني أود التأكيد هنا على أن برنامج إعادة تأهيل ودمج المقاتلين، لن يؤتي أُكُله بالطريقة المطلوبة، ما لم تكن هناك جهود جادة في محاولة حل مشكلات مقاتلي طالبان وعناصر المقاومة الأخرى، حتى يصلوا إلى الاقتناع الحقيقي بأن مصلحتهم تكمن في العمل مع الحكومة، لا ضدها.
صحيح أن بعض المقاومين ملتزمون، بشدة، بأجندة «القاعدة» المتطرفة، ولا حل ينفع معهم إلا بدحرهم، إلا أن الغالبية العظمى منهم ليست كذلك، فالمقاومة تؤمن ببعض المبادئ الإسلامية المحافظة، ولها نظرتها الخاصة لمفهوم العدالة الاجتماعية، وعناصرها يحلمون بطرد القوات الدولية من أرضهم، لكنهم في الوقت نفسه، غير راضين بتاتاً عن الحكومة والسياسة الأفغانيتين، ويرون أن حكومة كابول فاسدة وضعيفة.
ينبغي تمكين الأفغان من تسلم مقاليد الأمور في بلادهم، وهذه العملية ستكون بطيئة وتدريجية، كما أن المقاومة ستطالب بوجود دعم دولي لها، وربما بوجود للأمم المتحدة على أرضها.
وبالتالي يجب أن يكون هناك وضوح فيما يتعلق بالشروط المسبقة لأية اتفاقية، فمن يسعون لمستقبل سياسي لبلادهم، ينبغي عليهم فك أي ارتباط مع «القاعدة»، وأن يتوقفوا عن المقاومة المسلحة، ويتقبلوا حكم الدستور الأفغاني. وبفعلهم هذا سيحققون مصالحهم، وسيكون لهم صوت سياسي، ضمن إطار الدستور والقانون الوطني ومراعاة مصالح الآخرين.
بقلم: ديفيد ميليباند وزير خارجية بريطانيا - ترجمة: يوسف جباعته
