كوكب الأرض بما عليه من حياة إنسانية بات يواجه الخطر بل الأخطار التي لا إصلاح لها إذا وقعت ـ لا قدر الله ـ إذا لم يستطع العالم حل المعادلة الصعبة التي تفرض نفسها الآن على العلماء والساسة في عالمنا بين ضرورة استمرار زيادة معدلات التنمية العالمية وبين ضرورة زيادة وضع ضوابط الأمان الكافية لحماية البيئة الكونية.
فالتغير المناخي وزيادة انبعاث حرارة الأرض بسبب زيادة انبعاثات الكربون الناتجة عن زيادة الأدخنة المنبعثة من أبراج الاحتراق في مصانع الدول الصناعية الكبرى سعيا لزيادة معدلات التنمية الاقتصادية بات يهدد كوكب الأرض والبشرية كلها بزيادة أخطار الآثار السلبية المدمرة للحياة.
ورغم ما شهده العالم خلال التاريخ الإنساني كله من صراعات وانقسامات وحروب بين الشمال والشمال، وبين الشرق والغرب، وبين الشمال والجنوب، فلم يجد العالم كله بشماله وجنوبه وبشرقه وغربه نفسه يواجه المصير ذاته في ذات الخندق مجبرا على التعاون والتكامل والتوحد في مواجهة الخطر بل الأخطار التي تهدد كل سكان الأرض ولن تستثني أحدا يملك القوة النووية أو المال الوفير..
ذلك الخطر العابر للقارات والأجناس والألوان، وغير المفرق بين أتباع الأديان والمذاهب والأيديولوجيات، يؤكد وحدة العالم رغم اختلافاته وصراعاته، ووحدة المصير الإنساني، وأخوة الجنس البشري الذي يركب نفس السفينة في مواجهة كل العواصف العاتية، ويقاوم محاولات الأقوياء خرق السفينة بسياساتهم الخرقاء وأطماعهم الرعناء، المعادية لسلامة الإنسانية والمجافية للأخلاق.
ارتفاع الحرارة
فقد شهدت السنوات العشر الأخير زيادة مضطردة في انبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون التي تزيد من ارتفاع درجة حرارة الأرض في الدول العشر الصناعية الأكبر في العالم وحدها بما يزيد على نصف ما يصدر من المائة واثنتين وثلاثين دولة أخرى في العالم، وتأتي في مقدمة الدول المسؤولة عما يواجهه كوكب الأرض من أخطار الولايات المتحدة الأميركية تليها الصين والهند والاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي..
التغير المناخي وقع خلال عدة قرون، وعواقبه ستبقى طويلا، والتكهنات بمدى القدرة على الحد منه مازال محدودا. ورغم اتفاقية كيوتو لضبط المناخ العالمي الموقعة دوليا عام 1997 والتي رفضت الولايات المتحدة التوقيع عليها تهربا من الالتزام بها.
وانبعاثات الكربون في تزايد مستمر، وتراجع الجليد الذي يغطي القطب الشمالي مستمر بشدة خلال عامي 2008 و2007 بسبب الذوبان بما يرفع من منسوب مياه البحار والمحيطات،وكان العقد الماضي هو الأكثر ارتفاعا للحرارة خلال القرن ونصف الماضيين.
وكانت معظم الجهات العلمية والبيئية والإعلامية العالمية قد حذرت قبل انعقاد قمة المناخ العالمية في كوبنهاجن التي فشلت في التوصل إلى معاهدة جديدة وبديلة لاتفاقية كيوتو، من تسارع وتيرة التغير المناخي خلال العقود المقبلة إذا لم يتم الحد من التغير المناخي بما سيؤدي إلى جفاف الأرض الزراعية ارتفاع أسعار الغذاء وتدهور الأوضاع الصحية وتزايد الفيضانات العواصف المدارية وارتفاع مستوى البحار.
كما سبق وحذرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي والتابعة للأمم المتحدة في بيان لها عام 2007 المجتمع الدولي من مواجهة مزيد من الفيضانات وانحسار الحياة البرية وارتفاع مستوى البحار وموجات الجفاف وتزايد أعداد اللاجئين.
وبعد خيبة الأمل في نتائج قمة العالم لمواجهة أخطار التغير المناخي في كوبنهاجن باسم المائة واثنتين وتسعين دولة الأعضاء في الأمم المتحدة، تصاعد ت بشكل أكبر أصوات أجراس الإنذار التحذيرية من الأوساط العلمية والبيئية والإعلامية والإنسانية العالمية لساسة العالم، لفشل المؤتمر الأخطر أثراً على مستقبل كوكب الأرض .
وعلى البشرية كلها في التوصل إلى اتفاقية فاعلة وعادلة بين الدول الصناعية الغنية ذات المسئولية الأكبر عن ما أصاب المناخ العالمي بالاضطراب والدول النامية والفقيرة الأكثر عرضة لدفع الفاتورة الباهظة لعدم ضبط حرارة كوكب الأرض.
إعلامنا وإعلامهم
وما يثير الاستغراب أحيانا هو غياب اهتمام الإعلام العربي بالمسائل الحيوية المصيرية كالمياه والمناخ والأرض وهي من أخطر المسائل العالمية .
والتي يتأثر بها حتما الوطن العربي بقدر ما يؤثر فيها، بينما تنشغل بعض الوسائل الإعلامية العربية بتحويل اهتمامات الجماهير عن قضاياها ومشاكلها الحقيقية التي تحتاج إلى متابعة شئون تنمية الحياة وأبحاث العلماء ورؤى المفكرين الاستراتيجيين وخطط العلماء والساسة لحل هذه القضايا، إلى قضايا فرعية أو جزئية وتعبئتها وشحنها حول مسائل هامشية وتافهة !!
بينما اهتمت وسائل الإعلام الغربية قبل وأثناء وبعد القمة إلى حد كبير بمثل تلك القضايا الحيوية ومن أهمها مسألة ارتفاع درجة حرارة الأرض، وعلى سبيل المثال حذرت صحيفة الجارديان البريطانية في صبيحة انعقاد مؤتمر المناخ بأنه إذا لم يتم اتخاذ إجراء حاسم فإن التغير المناخي سيدمر كوكبنا ومعه الازدهار والأمن، مشيرة إلى أن الأخطار باتت جلية .
حيث إن إحدى عشر سنة ضمن ال14 سنة الماضية شهدت أرقاما قياسية في ارتفاع درجة الحرارة وذوبان الجليد وارتفاع أسعار الغذاء والنفط..
ودعت العالم إلى اتخاذ خطوات من شأنها أن تحد من ارتفاع درجة الحرارة بنسبة درجتين مئويتين، وهذا يتطلب البدء في خفض الانبعاثات الغازية خلال خمس إلى عشر سنوات.وحذرت من أن ارتفاع الحرارة بين ثلاث وأربع درجات من شأنه أن يدمر القارات ويحول المزارع إلى صحارى، وينقرض بسببه نصف السلالات ويشرد الملايين ويغرق دولا في البحر.
هذه القضية يجب أن يشارك الغني والفقير والشرق والغرب في حلها لاسيما أن تداعياتها لا تستثني أحدا. وعلى السياسيين أن يتفقوا على عناصر ضرورية لاتفاقية فاعلة وعادلة وكذلك موعد زمني لتحويل الاتفاقية إلى معاهدة.
وأهم ما يجب أن تتضمنه مثل هذه الاتفاقية هو التوصل إلى تسوية بين أغنياء العالم وفقرائه حول تقسيم أعباء مكافحة التغير المناخي، آخذين في عين الاعتبار أن الأغنياء مسئولون عن الجزء الأكبر من الانبعاثات الغازية، وأن الفقراء بدؤوا يساهمون في ذلك بشكل مضطرد.
لذلك فإن العدالة الاجتماعية تتطلب من الدول الصناعية أن توفر المال لمساعدة الفقراء على التكيف مع التغير المناخي، وتزودهم بالتكنولوجيا النظيفة لمساعدتهم على التنمية الاقتصادية دون زيادة في الانبعاثات. كما تتطلب من المواطنين العاديين في كل مكان في العالم المساهمة في حل هذه المسألة الحيوية من خلال تغيير نمط الحياة بحيث «نأكل ونسافر ونتسوق» بطريقة ذكية.
وخلصت الصحيفة البريطانية إلى أن السياسيين في كوبنهاغن كانوا يملكون السلطة لصياغة حكم التاريخ على هذا الجيل، «فإما يصفه بأنه كان على مستوى التحدي الذي واجهه، أو أنه كان غبيا عندما رأى الكارثة ولم يحرك ساكنا حياله».
خطوة أولى
وفيما حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بعد المؤتمر من التقليل من نتائج قمة المناخ التي اعتبرتها خطوة على طريق النظام العالمي الجديد لحماية المناخ، اعتبرها عدد من الساسة وخبراء البيئة الألمان مخيبة للآمال ولم تأت بأشياء ملموسة.
فعلى صعيد الساسة حذرت المستشارة الألمانية،، من التقليل من شأن نتائج قمة الأمم المتحدة لحماية المناخ أو وصفها بالفاشلة. وقالت ميركل لصحيفة «بيلد آم زونتاج» إن قمة كوبنهاجن هي «خطوة أولى نحو نظام عالمي جديد لحماية المناخ..
ليس أكثر ولا أقل»، مشيرة في الوقت نفسه إلى مسئولية ألمانيا في دعم حماية المناخ خلال مؤتمر مدينة بون المزمع عقده منتصف العام ,2010. بينما وصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الاتفاق «بأنه لا يمثل كل ما نأمل فيه، لكن القرار الصادر عن المؤتمر يشكل مرحلة أساسية» بعد أسبوعين من المفاوضات وقمة جمعت 130 رئيس دولة وحكومة وليلة من المناقشات الحامية.
وصف وزير البيئة الألماني، نوربرت روتجين، نتائج قمة كوبنهاجن الدولية للمناخ بالانتكاسة وقال معلقا على نتائج القمة «أردنا المزيد ولكن هذا ما استطعنا التوصل إليه».
وأضاف روتجين، العضو بحزب المستشارة الألمانية المسيحي الديمقراطي أن «ما حدث كان انتكاسة لمثل هذه الفرصة التاريخية وللحظة التي كان علينا فيها أن نترجم أقوالنا إلى أفعال». كما اتهم الوزير الألماني الصين بتبني موقف مضاد لإنجاح القمة.
فيما أكد رئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي المعارض ووزير البيئة الألماني السابق زيجمار جابريل أن قمة كوبنهاجن فشلت وقال على هامش مؤتمر محلي لحزبه في مدينة ماجدبورج أمس السبت «أرى أنها فضيحة أن يخاطر رؤساء الدول والحكومات بمستقبل أولادهم وأحفادهم».
ورأى جابريل أن الدول الصناعية الكبرى والولايات المتحدة لم تفعل ما هو ضروري لحماية المناخ وقال «على الصعيد الدولي فإن ما أنجزه رؤساء دول وحكومات العالم يعد كارثة على المدى المتوسط.. علينا ألاّ نستسلم، لابد من مؤتمر آخر».
الطاقة الخضراء هي الحل
يبدو واضحا أن الحل الحقيقي لقضايا البيئة والتغير المناخي والمياه والغذاء والطاقة، إنما يكمن بشكل عام في استخدامات الطاقة المتجددة، وبهذا فإن الإنجاز الحقيقي هو التوجه العالمي بصورة جدية نحو الاستثمار العلمي والمادي في تطوير مصادر واستخدامات الطاقة المتجددة بل والاستفادة من ارتفاع حرارة الأرض وتحويلها إلى طاقة.
والاستفادة من ذوبان الجليد لتحلية مياه البحر بالطاقة الشمسية لتوفير المياه العذبة للزراعة والنقية للشرب، وكمصدر إضافي أو بديل للطاقة التقليدية الأحفورية القابلة للتناقص أو للنضوب يوما ما والتي لها تأثيراتها السلبية على البيئة، أو للطاقة النووية بكلفتها العالية وبمحاذير استخداماتها رغم كونها طاقة أساسية في المستقبل.
وباحتكار بعض دول الشمال لتقنياتها ومنشآتها وتجهيزاتها ومنع دول الجنوب من امتلاك حتى حق المعرفة العلمية أو التقنية العملية فضلا عن دورة التخصيب للحصول على الوقود النووي اللازم لتشغيل المفاعلات للاستخدامات السلمية، ولو تحت الرقابة الدولية بحجج مختلفة لا تهدف إلا إلى تكريس احتكار الدول المالكة للطاقة النووية السلمية البناءة وللسلاح العسكري النووي المدمر للحياة البشرية.
إن الطاقة المتجددة النابعة من الشمس والرياح والمياه والحرارة الأرضية التي يطلق عليها «الطاقة الخضراء» هي طاقة المستقبل النظيفة والرخيصة والأهم أنها الطاقة التي لا تنضب، ونحن في هذا الشرق الأولى بالاهتمام بها والأجدر بمقرها وبأبحاثها من الغرب لأننا بلاد الشمس.
وبالرغم من هذا فإن الاهتمام بالطاقة المتجددة وفي مقدمتها طاقة الشمس سبقتنا إليه بلاد الشمال مع كونها بلاد بلا شمس بالرغم من أن وطننا العربي يزخر بالعديد من العلماء الكبار الذين بحت أصواتهم منذ عقود دعوة إلى اعتماد الطاقة المتجددة إلى تتوفر مصادرها العديدة في ثروة الساعات الحرارية الهائلة في بلادنا العربية التي هي بلاد الشمس المشرقة أكثر من غيرها، وذلك لتحلية مياه البحر مثلا وإضافة موارد جديدة من المياه مصدر الحياة.
ولهذا تقدمت دولة الإمارات العربية المتحدة خطوات هامة على هذا الطريق الجديد نحو المستقبل عن طريق الاهتمام الجدي بتكثيف الاستثمارات والأبحاث والمشروعات لتعويض ما فات.
وقدمت للعالم العربي والغربي نموذجا يحتذى في ذلك بمشروع مدينة «مصدر» وهي المدينة الخضراء النموذج التي تعتمد الطاقة المتجددة النظيفة في كل شيء كمقدمة لتحويل كل المدن الإماراتية والعربية إلى مدن خضراء، وهذا ما أقنع العالم بجدارتها في استضافة مقر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة «إيرينا» على أرضها وبالتحديد في مدينة مصدر الخضراء.
خصوصا وأن المياه أصبحت هي السلعة الإستراتيجية في الحاضر والمستقبل مع ما يتردد الآن من توقعات عن مواجهة العالم في المستقبل لشح المصادر وللفقر المائي بسبب التغيرات المناخية المضطربة.
وارتفاع حرارة الأرض، وما يمكن أن ينشأ بسبب ذلك إلى ما يمكن تسميته ب«حرب المياه» بسبب تزايد الحاجات وثبات مصادرها في العالم مصادر المياه، وقلة هذه المصادر في الأنهار والآبار من المياه الجوفية عن الوفاء بحاجات العالم للمياه اللازمة للزراعة ولمواجهة ما يسمي بأزمة الغذاء.
ممدوح طه - كاتب صحافي مصري
