لم يمض على انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991 بضعة شهور حتى تحولت روسيا كلها إلى بازار مفتوح لكل أديان الأرض، السماوية منها والأرضية، كل طوائف وكنائس ومعابد العالم توجهت إلى روسيا تبحث لها عن معتنقين جدد لتعاليمها، أكثر من ألفي كنيسة من الشرق والغرب جاءت تروج لمعتقداتها، المعابد البوذية والهندوسية وغيرها أرسلت مبشريها يوزعون نشراتهم وصحائفهم المطبوعة باللغة الروسية في شوارع المدن الروسية، طوائف يهودية متعددة جاءت تتنافس على جذب اليهود الروس لها، وحتى بعض الطوائف والمذاهب الإسلامية جاءت بمبشريها تشتري أراضي وتؤسس مساجد ومدارس ومعاهد للمسلمين.
فوضى دينية... نظر البعض إلى انتشار نشاط الجمعيات والطوائف الدينية في روسيا على أنها صحوة دينية بعد الحرمان الشيوعي من الدين سبعين عاما، ولكن البعض الآخر اعتبرها فوضى، ويقول المحلل الاجتماعي الروسي بيوتر جونتشاروف «كيف يمكن أن نسميها صحوة دينية إذا كانت معظم هذه الجمعيات والطوائف الدينية جميعها جاءت من خارج روسيا لتطوف مدن وقرى روسيا تدعو كل الناس ولا تخاطب فئة محددة، إنها فوضى سمح بها النظام الروسي آنذاك بهدف تجميل شكل روسيا أمام العالم وكأنها دولة ديمقراطية تسمح بحرية المعتقدات، وكان من الممكن أن تؤدي هذه الفوضى إلى انهيار المجتمع الروسي وتفتته لولا تدخل الدولة بعد عام 2000 لتنظيم الأمور وتأسيس مجلس أعلى للديانات يضم ممثلين للديانات الأربع الرئيسية: المسيحية الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية، باعتبار أنها الديانات الأكثر انتشارا في العالم وفي روسيا قبل الثورة الشيوعية البلشفية عام 1917».
وقد رفض البرلمان الروسي مشروع قانون يطالب بالسماح بإنشاء أحزاب دينية في روسيا، وهذه هي المرة الثانية خلال خمسة أعوام التي يرفض فيها مثل هذا المشروع، وأيدت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قرار البرلمان بالرفض مؤيدة فصل الدين عن السياسة.
كما أيد مفتي المسلمين في روسيا طلعت تاج الدين قرار البرلمان وقال «نريد أن نرى رجال سياسة متدينين ولا نريد أن نرى رجال دين في السياسة»، ويعكس الإلحاح على المطالبة بأحزاب دينية في روسيا الصحوة الدينية الكبيرة التي تشهدها روسيا بعد الحرمان السوفييتي من الدين طيلة سبعة عقود من الشيوعية والإلحاد، هذه الصحوة التي بدأت بفوضى في التسعينات واستقرت الآن على أربع ديانات محددة هي حسب الترتيب: المسيحية الأرثوذكسية والإسلام واليهودية والبوذية.
تزايد عدد المسلمين
ومع التنظيم وتدخل الدولة بدأت تظهر معالم الصحوة الدينية في روسيا، حيث برزت الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية كديانة رئيسية للدولة باعتبارها الديانة الرسمية التي كانت سائدة في روسيا القيصرية قبل الثورة عام 1917، هذا على الرغم من أن الإسلام كان موجودا ومنتشرا في جنوب روسيا منذ القرن الثامن الميلادي.
وتقول الباحثة الاجتماعية الروسية ماريا بيلينكايا إنه «على الرغم من أن الإسلام دخل روسيا في النصف الثاني من القرن السابع الميلادي إلا أن روسيا القيصرية اعتنقت المسيحية الأرثوذكسية في أواخر القرن العاشر، وبالتحديد عام 988 م، والسبب في ذلك يرجع ربما إلى عدم توغل الإسلام داخل روسيا.
حيث أتى من الجنوب وانتشر في القسم الآسيوي من روسيا وبالتحديد في منطقة الفولجا واعتنقته قوميات مثل التتار والبشكير والشيشان والأنجوش والداغستان وغيرهم، ولكن هذا لم يمنع من تواجد أعداد كبيرة من المسلمين الروس في موسكو وفي الجزء الأوروبي من روسيا.
وبهذا أصبح الإسلام الديانة الثانية في روسيا بدون أية خلافات أو نزاعات نظرا لتفاهمه الكبير مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية التي كانت وما زالت على عداء كبير مع الكنيسة الكاثوليكية الغربية»، ويقدر الكثيرون عدد المسلمين في روسيا الآن بنحو 22 مليون مسلم، وإن كانت الباحثة بيلنكايا تقول «إن هذا التقدير قديم ويصعب التحديد الآن.
حيث لا يتم قيد الديانة في السجلات الحكومية ولا في أوراق ثبوت الشخصية، وأعتقد أن العدد أكبر بكثير الآن نظرا لزيادة الإنجاب في العائلات المسلمة مع النقص الحاد في الإنجاب لدى المسيحيين الذين لا يزيد الإنجاب عندهم في الغالب عن طفل واحد في الأسرة»، وتتوقع بيلنكايا أن يصل عدد المسلمين في روسيا عام 2030 لأكثر من خمسين مليونا ليقتربوا من نصف عدد سكان روسيا مع التناقص الحاد للمسيحيين، وتستدل بيلنكايا على ذلك بالعدد الهائل للمساجد في روسيا.
حيث كان يوجد قبل الثورة البلشفية عام 1917 في روسيا نحو 12 ألف مسجد، ولم يبق منها في العهد السوفييتي الشيوعي سوى 343 مسجدا، والآن مع الصحوة الدينية الكبيرة يوجد في روسيا نحو سبعة آلاف مسجد، منها ستة مساجد كبيرة في العاصمة موسكو التي يقدر عدد المسلمين فيها بنحو 6,1 مليون من أصل عدد سكانها الثمانية ملايين.
الانحياز للمسلمين
يقدر عدد اليهود في روسيا الآن بنحو مليون وثلاثمائة ألف، بينما يقدر عدد معتنقي الديانة البوذية بأكثر من عشرة ملايين يسكن معظمهم الشرق الأقصى من روسيا، وعلى الرغم من الحرية الدينية السائدة الآن في روسيا والموقف المحايد للنظام الحاكم في الكريملين من الأديان ورفض تدخل الدين في السياسة والعكس أيضا، إلا أن اليهود وأيضا المسحيين الكاثوليك الذين لا يزيد عددهم عن بضعة عشرات من الآلاف يتهمون الكريملين والحكومة الروسية.
وأيضا يتهمون الكنيسة الأرثوذكسية الرسمية في روسيا بالانحياز للمسلمين، على الرغم من أن اليهود والكاثوليك يتمتعون بكل الحقوق التي يتمتع بها الأرثوذكس والمسلمون، ولكن الاهتمام بالمسلمين من قبل الكنيسة الأرثوذكسية والجهات الرسمية الروسية واضح وله مبررات كثيرة، ويقول المحلل السياسي الروسي ميخائيل ديرباسوف «ان الحملة الأميركية على الإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر وما تبعها من هجوم على الإسلام والمسلمين دفع نظام الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين إلى الاهتمام بالمسلمين الروس خشية استغلال بعض الجهات لهم لإثارة القلاقل والاضطرابات داخل روسيا.
وخاصة الشيشان الذين أعطت بريطانيا والولايات المتحدة حق اللجوء السياسي لقادتهم الانفصاليين، ولهذا سعى الكريملين إلى التقرب من المسلمين الروس وأيضا التقرب من دول العالم الإسلامي للتأكيد على تناقض سياسة روسيا مع السياسة الأميركية تجاه الإسلام».
بوتين والإسلام
يقول رئيس وزراء روسيا فلاديمير بوتين «مسلمو روسيا ليسوا مهاجرين بل هم من سكان روسيا الأصليين وليس لديهم وطن آخر ينتمون إليه»، ويقول أيضا «المتطرفون والإرهابيون أتوا بتفسيرات مشوهة للقرآن العظيم وأساءوا للإسلام، وروسيا أخذت على عاتقها مسؤولية الدفاع عن الدين الإسلامي الحقيقي وعن المسلمين الحقيقيين في كل أنحاء الأرض، وأي تطرف إسلامي مرفوض في روسيا لأنه يهدف لتخريب ركيزة أساسية من ركائز الدولة الروسية ومن ركائز العالم الإسلامي أيضا».
وقد أصر بوتين على المشاركة كضيف في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في ماليزيا في أكتوبر عام 2003، وطالب بوتين بحق روسيا في الانضمام لعضوية المنظمة باعتبار أن عدد المسلمين فيها أكبر من عددهم في الكثير من الدول الإسلامية وكذلك عدد المساجد والمؤسسات الدينية الإسلامية.
وقال بوتين «من حق أكثر من عشرين مليون مسلم روسي أن يشعروا بانتمائهم للعالم الإسلامي الكبير»، وتكللت جهود الرئيس بوتين بإنجاز كبير غير مسبوق في تاريخ منظمة المؤتمر الإسلامي، حيث تقرر في مؤتمر وزراء خارجية الدول أعضاء المنظمة المنعقد في اليمن في يوليو عام 2005 قبول روسيا كعضو مراقب في المنظمة، وهو استثناء غير موجود في ميثاق المنظمة منح لروسيا دون غيرها.
وقال بوتين مهنئا المسلمين في روسيا «سنتصدى بكل جهودنا لأية محاولات لتشويه صورة الإسلام وجوهره أو لاستخدامه لأغراض عدوانية»، وأدان بوتين بشدة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد عليه الصلاة والسلام ووصفها بالقبيحة، كما أدان الصحف التي تداولت نشرها.
موقف الكنيسة
الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لها موقف إيجابي متميز من الإسلام والمسلمين ينعكس بوضوح في تصريحات ألكسي الثاني بطريرك عموم روسيا الراحل الذي قال «المسلمون الروس حلفاء أوفياء للكنيسة الأرثوذكسية الروسية على مر تاريخهم، ونحن حريصون على توطيد علاقاتنا بالمجتمع الإسلامي.
ونرفض التطرف والإرهاب الذي يتستر تحت عباءة الدين الإسلامي والإسلام منه بريء، هذا التطرف من صناعة أعداء الإسلام»، وأدان البطريرك بشدة تصريحات بابا الفاتيكان ضد الإسلام منددا بمواقف الكنيسة الكاثوليكية الخاضعة للأهواء والتوجهات السياسية السائدة ومتهما إياها بتأجيج العداء بين الأديان، وللكنيسة الروسية في عهد البطريرك الراحل أليكسي الثاني مواقف مشهودة في دعم قضايا العرب والمسلمين.
ويذكر له استقباله لوفد حركة المقاومة الفلسطينية حماس بقيادة خالد مشعل في مارس عام 2006 في وقت كانت الجميع يغلق الأبواب في وجه هذه المنظمة بما فيها معظم لدول العربية والإسلامية، وقد بقت الكنيسة الروسية على مواقفها تجاه الإسلام بعد رحيل أليكسي الثاني في ديسمبر عام 2008 .
وتولي خليفته البطريرك كريل الذي قام مؤخرا بزيارات لدول عربية مثل مصر والأراضي المقدسة في فلسطين، وبعد حادث تفجير مترو موسكو الأخير وقف البطريرك كريل في الكنيسة يدافع عن الإسلام والمسلمين ويبرئهم من تهمة الإرهاب ويتهم أعداء الإسلام والمسلمين بدعم الإرهابيين والمتطرفين في روسيا.
فعاليات إسلامية
الصحوة الدينية بشكل عام في روسيا وخاصة الصحوة الإسلامية لا تنعكس فقط في مواقف الحكومة ورجال السياسة والدين بل أيضا على أرض الواقع في العديد من المؤسسات والفعاليات المستمرة على مدى الأعوام الخمسة الماضية.
حيث تقرر تشكيل مجلس الأديان الروسي التابع للكريملين والذي يشارك في عضويته بالترتيب حسب الأهمية ممثلو الأديان الأربعة الأرثوذكسية المسيحية والإسلام واليهودية والبوذية.
كما انتشرت الآلاف من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في كل أنحاء روسيا ومن أبرزها، مجلس مفتين روسيا الذي يتبعه ألف وخمسمائة جماعة إسلامية، والإدارة الدينية المركزية لمسلمي روسيا والتي يتبعها خمسمائة جماعة، ومركز مسلمي شمال القوقاز ويتبعه ثمانمائة جماعة.
ويسود التفاهم والتنسيق بين هذه الجماعات إلى حد كبير، ويعتبر المذهب السني هو الغالب على كل مسلمي روسيا حيث يسود بينهم المذهبان الشافعي والحنفي، وتنعقد العديد من المؤتمرات والندوات الإسلامية في العاصمة موسكو وباقي المدن الروسية، ومنها مؤتمر بعنوان «وحدة الشعب الروسي والوفاق الوطني» نظمته إدارة الشؤون الإسلامية وحضره ممثلون لكافة مسلمي روسيا كما حضره ممثلون للحكومة والكنيسة الروسية.
كما سبق أن نظمت وزارة الخارجية الروسية مؤتمرا دوليا في مطلع العام الجاري تحت عنوان «قضايا الإسلام في آسيا» حضره ممثلون للعديد من الدول الإسلامية، وأقيم في موسكو مؤخرا مؤتمر كبير تحت عنوان «الإسلام يدعو إلى السلام» حضره ممثلو الكنيسة ووفود من الدول العربية والإسلامية، كما عقد في موسكو مؤتمر دولي بعنوان «روسيا والعالم الإسلامي ـ رؤية استراتيجية»، واختار اتحاد مسلمي أوروبا موسكو مقرا لمؤتمره السنوي.
الحجاج الروس
تأسس في روسيا مجلس شؤون الحج تابع للحكومة الروسية ينظم سفر الحجاج المسلمين للأراضي المقدسة كل عام والذين يزيد عددهم للضعف كل عام، وقد وصل عددهم في العام الماضي إلى 23 ألف حاج نصفهم من النساء حسب تصريحات مفوض المجلس أحمد بلالوف، وافتتح في مدينة بيلوجورد الروسية النصب التذكاري للمحاربين المسلمين الروس الذين استشهدوا في الحرب العالمية الثانية.
كما يجرى تأسيس جامعة إسلامية كبيرة في موسكو تحت إشراف وزارة التعليم الروسية وبدعم كامل من الحكومة الروسية، كما احتفلت مدينة نيجنوفجراد القريبة من موسكو مؤخرا بمرور مئة عام على انعقاد أول مؤتمر لمسلمي روسيا الذي انعقد في المدينة في 15 أغسطس عام 1905، ويقام في عاصمة جمهورية تتارستان الروسية مدينة قازان مهرجان دولي سينمائي إسلامي تشارك فيه العديد من الدول الإسلامية.
وهكذا يتمتع المسلمون في روسيا بمزايا الصحوة الدينية الكبيرة التي تعيشها روسيا الآن، وربما أكثر من غيرهم من الديانات الأخرى نظرا للعوامل السياسية السائدة على الساحة الدولية في إطار الحملة الغربية المعادية للإسلام والمسلمين والتي تستغلها روسيا استغلالا جيدا من أجل التقرب للعالم العربي والإسلامي.
د. إينا ميخائيلوفنا
* كاتبة وباحثة روسية

