مغادرة استراتيجية «الدفاع المحدد ».. والعين على تايوان

تمدّد بحري صيني يتحدّى احتكار الأسطول الأميركي للباسفيك

القوة الاقتصادية الصاعدة، علامة الصين الفارقة؛ منذ سنوات. صعود كاسح، فرض انتسابها لنادي أصحاب الوزن الثقيل على المسرح الدولي. بل الأكثر ثقلاً. اسم هذا البلد اقترن بالأرقام غير المسبوقة وربما الفلكية، في النمو والفوائض المالية وامتلاك سندات حكومية أميركية.

لا تتقدم عليها دولة في هذه المجالات. اخيراً احتلت المرتبة الأولى في الصادرات، متقدمة ولأول مرة على ألمانيا. ووفق تقديرات خبراء اقتصاديين، هي في طريقها إلى احتلال رأس الهرم الاقتصادي الدولي؛ ربما قبل بداية العقد الثالث من هذا القرن. منذ اعتمادها لنظام ما أطلقت عليه قياداتها يومذاك تسمية «اشتراكية السوق» في الثمانينات؛ أعطت الأولوية التامة للتنمية.

اختارت الموقع السياسي الدولي، الذي يخدم مصالحها الاقتصادية؛ أولاً وأساساً. نأت عن ساحة الصراعات والمحاور، السياسية الدولية. قرّرت غزو هذه الساحة بسلاح اقتصاد مكين ومتوسع. اليوم، بعدما تحقق لها ذلك، إلى حدّ بعيد، بدأت تتطلع إلى ترجمة قدراتها الاقتصادية وتسييلها إلى نفوذ. الأولوية، لقوتها البحرية.

يفرض ذلك، على ما يبدو، شبه الاحتكار الذي تنعم به البحرية الأميركية في الباسفيك ومن ضمنها بحر الصين. ثم المظلة الواقية التي توفرها القطع البحرية الأميركية لجزيرة تايوان؛ التي تتطلع بكين وتتحين الفرص لاستعادتها إلى الوطن الأم.

لأول مرة تجهر الصين بعزمها على بناء ما تسميه قوة «دفاع بحري بعيد». تزعم أنها قرّرت اعتماد هذا التوسع، لتأمين «حماية خطوطها التجارية الملاحية في المحيط الهادئ؛ كما خطوط إمداداتها النفطية من الشرق الأوسط». مغادرة صارخة لاستراتيجية الدفاع المحدود، الذي طالما التزمت به قواتها البحرية؛ منذ قيام الجمهورية، قبل ستين سنة.

«تطور دراماتيكي جداً»، على حدّ تعبير قائد القوات البحرية الأميركية في المحيط الهادئ. وتفيد تقارير عسكرية أميركية، أن البحرية الصينية، أجرت اخيراً تجارب على صواريخ طويلة المدى، مضادة لحاملات الطائرات. كما أنها تزمع وضع حاملة طائرات صينية مع بوارجها المساندة، في الخدمة؛ خلال سنوات قليلة.

ولاستكمال العدة لهذه القوة، بحيث تصبح فعالة وقادرة على إثبات وجودها في أعماق البحار؛ تقوم الصين ببناء «أسطول كبير من الغواصات، يكون قادرا على منع أي قطع بحرية أجنبية من دخول مياهها الاستراتيجية، في حال نشوب نزاع مسلّح في المنطقة»؛ حسب إفادة القائد البحري الأميركي أمام إحدى لجان الكونغرس.

الإشارة واضحة، من خلال استخدام عبارة «مياهها الاستراتيجية» وليس الإقليمية؛ إلى تايوان التي تبعد أكثر من مئة كلم عن شواطئ الصين. الأمر الذي يتسبب بقلق غير مسبوق للقوات الأميركية، التي تجوب بحر الصين منذ الحرب العالمية الثانية، من دون أي عائق أو منافس.

لاسيما وأن مسؤولين صينيين أبلغوا، قبل أسابيع قليلة، زملاءهم الأميركيين بأن بلادهم «لن تسمح بعد اليوم بأي تدخل في منطقة جنوب بحر الصين»، التي تعتبرها بكين «جزءا من قلب المصلحة السيادية الصينية». أيضاً الإشارة واضحة إلى تايوان ووجوب ابتعاد البحرية الأميركية عن محيطها. والمعروف أنها المرة الأولى التي تستخدم فيها الصين عبارة من هذا النوع، في مخاطبتها لواشنطن.

التمدد البحري الصيني، بحدوده هذه؛ لا يشكل تهديداً للهيمنة البحرية الأميركية. حسب تقديرات البنتاغون، تملك البحرية الصينية 260 بارجة وفرقاطة وسفن دعم. منها 75 من العيار القادر على الدخول في مواجهات عسكرية. تساندها 60 غواصة.

في حين لدى الولايات المتحدة 286 قطعة، منها 13حاملة طائرات في الخدمة وعلى متنها حوالي 3700 طائرة عسكرية. بالإضافة إلى أسطول من الغواصات النووية، التي حوّلت اخيراً، القسم الأكبر منه إلى المحيط الهادئ. بالكمية والنوعية، متفوقة. مع ذلك فإن التمدّد الصيني، يشكل إرباكاً، إن لم يكن قضماً، للاحتكار الأميركي في الباسفيك.

إذا كان التفوق العسكري، في البحر وغيره، ما زال لواشنطن؛ فإن الزمن العام صيني بامتياز. تمدّد بكين البحري لا يواكب صعودها الاقتصادي فحسب؛ بل يتزامن مع انكفاء أميركي أيضاً. أو على الأقل مع انكفاء اضطراري. مشاكل واشنطن كثيرة وعاتية، في الداخل والخارج. وضعها في شرق آسيا، ليس في أفضل حالاته. حتى قاعدتها الأكبر في أوكيناوا، باتت غير مرغوب فيها. الصين تدرك كل هذه المتاعب. ربما توسعها البحري هو بداية العد العكسي لحسم وضع تايوان.

فكتور شلهوب

طباعة Email
تعليقات

تعليقات