منذ 16 عاماً، وبالتحديد مع حرب صيف سنة 1994 تعيش أسرة يمنية تحت الحصار الذاتي والانغلاق على نفسها داخل شقة في عمارة «وحدة وديع حداد السكنية» بمديرية المنصورة في مدينة عدن، رافضة التحدث أو فتح باب الشقة.
الأسرة المكونة من شابين ووالدتهما، الأول يدعى «أ.أ» 29 عاماً، والآخر يدعى «م.أ» 21 عاماً، ترفض الاختلاط بالناس، وجميعهم حبسوا أنفسهم فيها، رافضين الخروج منها وممارسة حياتهم الطبيعية أو حتى فتح الباب أو الظهور من الشرفات لتبادل التحية مع الجيران.
ويعزي أهالي الحي حالة الأسرة الغريبة إلى أن الشابين تعرضا لصدمة نفسية من جراء الحرب، وتعرضا لترهيب وتخويف بحكم سنهما في تلك الفترة.. وأن العزلة أفقدت الشابين قدرتهما على التخاطب.
وفيما يقول البعض إن الشابين عندما يشعران بنقص الغذاء ونفاده، يقومان ووالدتهما بإشعال الحرائق في شرفة الشقة كإشارة نجدة تدل على حاجتهم للطعام، إلا أن أحد جيران الأسرة ناصر عبدالله قال لـ «البيان»، إن الأسرة في إحدى المرات عمدت إلى إحراق دولاب الملابس بعد نفاذ الغاز لديهم، وأن الأخ الأصغر لا يجيد الحديث إطلاقاً، عدا تقليده أصوات الكلاب، بسبب عدم اختلاطه بالناس.
مشيراً إلى أن محاولات عدة جرت لفك الحصار الذاتي عن الأسرة من قبل السلطة المحلية والجيران، إلا أنها فشلت، وذكر أحمد حامد لملس. مدير عام مديرية المنصورة لصحيفة «الأمناء»، أن أفراد الأسرة يعانون من مرض نفسي.
مشيراً إلى أن إدارته حاولت التواصل مع الأسرة عبر بعض الشخصيات الاجتماعية والجيران، إلا أنها لم تتمكن من الوصول إليهم لرفضهم التفاهم مع الآخرين، وهم يواجهون صعوبة كبيرة في إيصال المواد الغذائية بين الحين والآخر للأسرة المذكورة.
ونقلت الصحيفة عن العقيد ركن الخضر دهيس، عاقل حارة وديع حداد السكنية بالمنصورة محافظة عدن، أن الأسرة لا تتعرض لأي مضايقة، وأن الحالة ظهرت عليهم عقب 94، ولم تعرف الأسباب والدوافع حول وضعهم.
مضيفاً: عندما علمنا بوضعهم، خصوصاً بعد أن تم اختياري عاقلاً للحارة عام 2002، تم إبلاغ شرطة القاهرة عن وضع الأسرة وتم نزول الشرطة إلا أن أفراد الشرطة لم يعملوا أي شيء، وأحضروا أمراً من النيابة لاقتحام الشقة لمعرفة وضعهم الصحي والإنساني لمساعدتهم، إلا أنهم لم يفلحوا في ذلك واعتبروا أن هذه المسألة جانب شخصي وحرية شخصية لعدم وجود أي شكوى ضدهم.
وأضاف: وفي عام 2005 كان هناك تحرك ثان من إمام المسجد (المهاجرين) المحروق، بعد أن أصر الأهالي على ضرورة مساعدتهم ومعرفة ما هي مشكلتهم، وقمنا نحن والإمام وعدد من الأهالي بالتنسيق مع ولي أمرهم (الأب) وأجمعنا على ضرورة أن يقوم الأب (أ.م.ص) بمساعدتنا، فأبدى استعداده للتعاون معنا، وقام إلى جانب أخيه وأقاربهم بفتح الباب ودخول الشقة، إلا أنهم عادوا ولم يعملوا أي شيء لرفضهم الخروج.
وعن الجانب المعيشي قال: إن وضعهم سيء للغاية إنسانياً ومعيشياً وصحياً، ولا ندري كيف حالتهم، لرفضهم السماح بدخول الآخرين إليهم لتفقد أحوالهم، إذ لا توجد لديهم أي ثقة بأي شخص للتعامل معهم، سوى والدهم الذي يقوم بتزويدهم بالمواد الغذائية وينصرف للتو، وحاول أن يخرجهم من الشقة لممارسة حياتهم الطبيعية وإجراء الفحوص اللازمة لهم، إلا أنهم يرفضون ذلك.
من جانبه قال معين العاقل، عضو المجلس المحلي عن الحي: إن الموضوع إنساني بحت ويقع في إطار الحرية الشخصية التي لا يمكن أن نقوم ونتجاوز الأعراف اليمنية فيها، وكذا القوانين لإدماجهم بالقوة، لأن الموضوع أولاً يقع على عاتق رب الأسرة والمقربين مستطرداً: ومن جانب إنساني قمنا بمحاولات للبحث عن طرق متعددة لمساعدتهم للاندماج في المجتمع كحالة قائمة تتطلب المساعدة، وتعثرت تلك المحاولات نتيجة الظروف المحيطة بهم، أي لم يكن هناك أي تجاوب منهم مع ذويهم الذين اكتفوا بإبقاء الوضع كما هو عليه الآن.
وينقل عن أهالي الحي، أنهم يسمعون أصواتاً تصدر من الشقة.. إلا أنه لم يصدر عن الأسرة أي مشكلات للآخرين، ولا أي شكاوى من الجيران، وأنهم لا يسببون أي إزعاج للجيران، وعندما يتعرضون للجوع يعبرون عن طلبهم للمساعدة بوساطة إشعال الحرائق في الشرفة، فيما يقول ناصر عبدالله إن هناك اعتقاداً شائعاً في الحي بأن الأسرة مسحورة، وهي تنحدر من منطقة الضالع ولا يعرف عنها الجيران الكثير.
صنعاء ـ عبدالكريم سلام
