في ذكرى النكبة .. لنتذكر حقوق اللاجئين الفلسطينيين

الموقف الشعبي العربي وآليات تفعيله تجاه حق العودة

امتد اللجوء الفلسطيني في الزمان وتكثف في المكان ونشأت على ضفافه قضايا فرعية اجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية وأخلاقية كثيرة.. وهي قضايا وانعكاسات لم تكن الشعوب العربية مهيأة بما فيه الكفاية للتعامل معها بالشكل الملائم.

بصيغة أخرى، باغتت قضية اللاجئين المحيط العربي ـ الشعبي والرسمي ـ وهو في حالة من الضعف والهشاشة وعدم الأهلية والاستعداد لمواجهة تحدٍ من هذا القبيل. فاللاجئون لم يكونوا بحاجة فقط لمن يعطف على صيانة حقوقهم في العودة وتقرير المصير وتطبيق فروض الشرعية الدولية الخاصة بمستقبلهم..

وإنما كانوا قبل ذلك، ومع ذلك أيضاً، بحاجة للوفاء بحقوقهم الأساسية أثناء حالة اللجوء ذاتها.. ومن ذلك حقوق المأوى والتعليم والعمل والتنقل والملكية، وهي مقتضيات تتطلب قدراً عالياً من التنظيم والموارد، لاسيما على صعيد القوي المدنية بمختلف أنماطها. ولا يمكن الزعم بأن المشهد الشعبي العربي كان يستحوذ على مثل هذه المقتضيات التي من شأنها إسباغ الحماية على اللاجئين في الحدود التي تسمح بالحفاظ على آدميتهم وكينونتهم.

معاملة اللاجئين

على سبيل الاستطراد المفيد، لنا أن نلاحظ بصفة عامة أنه ليس من المحتمل أن يعامل اللاجئون ـ أي لاجئين في أي مكان ـ بقدر من المثالية إلى الدرجة التي تمسي فيها حالة اللجوء مسألة لا تحط من قدر أصحابها..

فاللجوء ينطوي ضمنياً وظاهرياً على زعزعة في قواعد الحياة الاعتيادية وإهدار واضح لحقوق إنسانية أساسية. لكن الحالة الفلسطينية كان يؤمل لها أن تكسر هذه القاعدة.. كون اللاجئين هنا جزء لا يتجزأ من المحيط العربي الذي استقبلهم فضلاً عن انخراط هذا المحيط الشعبي في السياق الصراعي الذي أدى إلى لجوئهم ونكبتهم الوطنية.

وبلغة مبسطة، كان اللاجئون الفلسطينيون ومازالوا عرباً بين عرب، بما يفترض معه أن يلاقوا معاملة تيسر عليهم سبل الحياة، في ترجمة عملية للتعاطف القومي والمشاركة في تحمل عبء الصراع بما هو أوقع من مجرد التأييد اللفظي والشعاراتي لفكرة الأرومة القومية الواحدة والمصير المشترك، بل والمقاومة المشتركة للمشروع الصهيوني العدواني.

لكن هذه المعاملة الاستثنائية لم تحدث بالحيثية المأمولة على الصعيد الشعبي (كما على الصعيد الرسمي). فليس صحيحاً أن اللاجئين الفلسطينيين حظوا بنظرة تفضيلية بالمطلق أو مثالية قياساً باللاجئين في أي نموذج آخر، وهذه حقيقة ربما خلّفت لديهم آلاماً اختزنتها خبرتهم الجماعية.

الفتور الشعبي

لا نريد بالتقدير المذكور إنكار الدور الشعبي في مؤازرة اللاجئين الفلسطينيين.. ولكن المقصود هو بيان المسافة أو الفجوة بين المأمول والواقع؛ بين النظرية والتطبيق. وللإنصاف، فإن ضعف أو لعله فتور الموقف الشعبي تجاه توفير الحماية اللازمة لحقوق اللاجئين أثناء حالة اللجوء ذاتها (أي في بلاد الضيافة العربية)، يعود إلى أسباب بعينها، ليس من بينها العزوف عن نصرة فلسطين وقضيتها، ولا اعتبار هؤلاء اللاجئين أغراباً لا ينبغي المغالاة في كرم الضيافة معهم..

ففي المناسبات التي اختبرت فيها الشعوب العربية ومدى إيمانها بحق العودة الفلسطيني، أثبتت صلابة في هذا الإطار إلى أبعد الحدود. أما في ما يتعلق بالفتور عن الدأب على تحسين أحوال اللاجئين فيمكن تحري أسبابه في سياق محددات بعينها، منها كما نتصور بلا حصر أو ترتيب:

1. تخلف الأطر التنظيمية الشعبية وضمورها العددي والنوعي. وهي ظاهرة عامة كانت تجلياتها بارزة تماماً في المراحل الأولى من النكبة الفلسطينية. ولا أدل على ذلك من أن المنظمة العربية لحقوق الإنسان وبقية التنظيمات والمؤسسات المدنية المشابهة لم تظهر على الساحة العربية إلا بعد أكثر من ثلاثين عاماً من جولة الصراع الأولى عام 1948\1949. وقس على ذلك بالنسبة للمؤسسات المدنية الأخرى، الموصولة بشؤون المجتمع العربي وشرائحه.

وقد تعزز هذا الوهن بتفاوت انتشار هذه المؤسسات وعملية التأطير والمأسسة ذاتها بين الدول العربية، وتشتتها وضعف مستوي التنسيق والتشبيك في ما بينها.

2. عُجف ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان في الرحاب الشعبية، بما فيها النخبوية نسبياً، على المستوى العربي العام. الأمر الذي انعكس في انخفاض الوعي بما للاجئين الفلسطينيين من حقوق وما عليهم من واجبات، يتعين أداؤها بحكم القانون وبمعزل عن الأحانين والعواطف المتغيرة بحسب المراحل والأمزجة ونوعية النظم والحكومات.

وقد وجد هذا المحدد صداه في القول الشائع بأن اللاجئ الفلسطيني ما كان له أن يمارس حقوقاً أو يتحصل على حريات لا تتوافر أصلاً لمواطني الدول المضيفة ذاتها. وأن التطور الديمقراطي والحقوقي في العالم العربي كفيل بارتقاء ضمانات حقوق اللاجئين بشكل تلقائي على المستويين النظري والتطبيقي.

بروتوكول خاص

3. التقاء المحددين السابقين، أي الضعف الثقافي والديمقراطي والمؤسسي، أنشأ محدداً ثالثاً؛ جوهرة طغيان البعد السياسي على المنظور الشعبي لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وتراجع، وربما غياب، الاهتمام بتحسين أحوال اللاجئين بين يدي حالة اللجوء ذاتها في المجتمعات العربية المضيفة وغير المضيفة. فلقد ظلت الفكرة السائدة هي إسناد حق عودة اللاجئين إلى ديارهم، بوصفها ذروة التعبير عن التضامن مع هؤلاء اللاجئين. ولم تتبوأ مسألة الكيفية التي ينبغي بها معاملتهم في ملاجئهم العربية (المخيمات مثلاً) مقعدها من الاهتمام والأولوية بالقدر اللازم.

فلم تلحظ المجتمعات المضيفة مثلاً أن الحكومات العربية تأخرت في إبرام بروتوكول خاص بمعاملة اللاجئين إلى عام 1965، أي إلى ما بعد مرور زهاء عقدين على النكبة الفلسطينية. كما لم تلحظ هذه المجتمعات أن حكوماتها كثيراً ما لا تعبأ بالضمانات التي أقرها هذا البروتوكول (الوثيقة) ولا تحرص على تطبيقها والوفاء بحقوق الإقامة والعمل والتعليم والتنقل للاجئين التي اشتمل عليها.

4. الصورة المشوهة الزائفة التي ارتبطت بقضية اللجوء واللاجئين الفلسطينيين لفترة ليست بالقصيرة. وفحواها أن اللاجئين هم الذين فرطوا في بلادهم وقصّروا في جنب أراضيهم وممتلكاتهم (وعند البعض هم الذين باعوا أرضهم لليهود!).. تلك الصورة التي اجتهد الإعلام السياسي الدعائي الصهيوني والغربي عموماً في تعزيزها والترويج لها..

ويدعو للأسى أن شطراً من النخب العربية التي سعت للتهرب من مسؤوليتها في وقوع النكبة الفلسطينية قد انصاعت لهذه الصورة السافلة وحملتها جهرة وخفية لأوساط الرأي العام العربي.

وكان من توابع هذه الظاهرة إثارة التساؤلات لدى قطاعات شعبية عربية عن جدوى الترحيب باللاجئين وجدارتهم بالمعاملة الطيبة.. لقد جعلت هذه الصورة وتوابعها اللاجئين في حالة أقرب إلى المتهمين عوضاً عن كونهم ضحايا.

وعلى الرغم من اتضاح حقيقة ما جرى في فلسطين بفعل اندياح الأبعاد العدوانية للمشروع الصهيوني على المحيط العربي وتبلور الحركة الوطنية الفلسطينية ذاتها، إلا أن إشعاع هذه الصورة الدعائية المضللة يطل في بعض المناسبات بشكل يثير الخجل من مستوى الوعي الشعبي بالصراع الصهيوني العربي وجذور القضية الفلسطينية وأسباب اللجوء الفلسطيني الممتد.

التخلي عن العودة

5. الإذعان لفكرة أن تحسين أحوال اللاجئين، حيث هم سيدفعهم إلى التخلي عن حق العودة ومحاولة تثبيت الأمر الواقع وتوطينهم في مناطق اللجوء. هناك قطاعات شعبية ابتلعت هذه المقولة التبريرية، وذلك على الرغم من مجافاتها للسيرة الذاتية للاجئين الفلسطينيين أنفسهم وتعارضها مع المنطق السليم للتعامل مع قضايا اللجوء عموماً.

فهذه المقولة تبدو معاكسة لسيرة الحركة الكفاحية الفلسطينية، التي تبنّت إعادة بنائها وبلورتها غداة النكبة نخب تكنوقراطية وثقافية ذات أوضاع حسنة قياساً بالسواد الأعظم من اللاجئين البؤساء في المخيمات. بمعنى أن تحسين الأوضاع في إطار حالة اللجوء ذاتها لا يدمر الروح الوطنية الوثّابة المتحرقة لحق العودة.

ومن ناحية أخرى، يجمع فقه اللجوء واللاجئين على الصعيد العالمي بأن العودة إلى الوطن الأم هي أنجع الحلول وأكثرها قابلية للديمومة وضمان الأمن والسلم في القضايا ذات العلاقة، وأنه لا غنى عن إعمال حق العودة لمن أراد تسوية تاريخية مستقرة لأوضاع الذين تجبرهم ظروف قسرية على مغادرة أوطانهم.

صراعات دولة الملجأ

ثمة إمكانية للاعتقاد بأن تأبيد أحوال اللاجئين البائسة وانتهاك حقوقهم الأولية، ربما أدى إلى عزوفهم عن حق العودة والبحث عن أية مخارج وحلول أخرى تنجيهم من عذابات اللجوء وما تنطوي عليه أوضاعهم من قيود وضنك وإذلال.

وعليه، لا يصح التذرع بأن الحفاظ على سياسات الأمر الواقع المزرية بحق اللاجئين، إنما تمثل أحد ضمانات تعلقهم بحق العودة. لأن عكس هذه النتيجة أمر جائز أيضاً.

وقوع اللاجئين في بعض المجتمعات المضيفة في مرمى الجدل والتناظر الاجتماعي والسياسي الداخلي، بما يثير مخاوف بعض القطاعات الشعبية في هذه المجتمعات، ويؤدي إلى العزوف عن إظهار الحمية أو الحماسة لتخليصهم من حالة البؤس الحقوقي التي يعشونها.

شيء من هذا القبيل حدث ومازال يتفاعل بشكل أو بآخر في كنف الضيافة اللبنانية للاجئين. فأوضاع اللاجئين هناك تمثل نقطة مهمة على جدول التناظر بين يدي القوى والأرومات الدينية والطائفية.. بحيث نعثر على من يؤيدون تطوير هذه الأوضاع وتحسينها وبين من يتخوفون من ذلك.

وفي خلفية هذا التقاطع تتلصص بقوة مظاهر التعصب الطائفي وأراجيف التوطين وعدم التوطين خشية التأثير في المعادلة السكانية الطائفية، وما يتصل بها من أحاديث في ترجيح موازين القوى أو الإخلال بها بين الطوائف.

د. محمد خالد الأزعر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات