هذه الحلقة.. تتقصى حكاية شركات النفط الأميركية العملاقة مع بترول فنزويلا وتطورات العلاقات بين الطرفين منذ عام 1925 الذي شهد اندلاع حرائق نفطية فوضعت قضية البترول في بؤرة الاهتمام الوطني هناك.
وتتابع سيرة أهم مساعدي ومستشاري رئيسها شافيز، خاصة في دعوتهم إلى تكريس قيم الكرامة الإنسانية وتفعيل مبادئ العدل الاجتماعي سواء في بلادهم أو على مستوى القارة الأميركية الجنوبية بأسرها. وتعرض لمقارنات موضوعية تعقدها بين دعوات الرؤساء كاسترو ولولا وشافيز في مجال النشاط الاقتصادي والتحيزات الاجتماعية مع التركيز على ما وصفه شافيز بأنه اشتراكية القرن الواحد والعشرين التي تنهج سبيلاً مغايراً لكل من الرأسمالية والشيوعية.. ولكنها تعادي القطاع الخاص، وقصاراها أن ترسم للنشاط الخاص نهجاً تحكمه الضوابط وتنظمه اللوائح التي تسهر الدولة - الحكومة المعنية -- على أعمالها وتنفيذ بنودها. وتلمح الحلقة إلى ما يدور حالياً تحت السطح في أميركا الجنوبية من خلافات واختلافات بين نهج «شافيز» الذي يحمل اسم «ألبا» كدعوة للتكامل بين كل أقطار القارة على أساس مسار بديل عن نهج النيو-لبرالية الرأسمالي الذي سبق وأن رسمته الولايات المتحدة وبين «نهج توافق تشيلي» الذي يتبناه «لولا» رئيس البرازيل، مطالباً بالتركيز على قضايا التعليم والبيئة والبحث العلمي وهو ما اجتذب أطرافاً أخرى في القارة على رأسهم تشيلي.
«لاروسا».. الوردة في الإسبانية.. قرية صغيرة وادعة تطل على شواطئ بحيرة ماراكايبو في فنزويلا.. شهدت صيفاً حاراً بلغ ذروته في شهر يونيو من عام ,1925. لاحظ الناس أن ثمة بئراً من نواحي القرية تنبعث منها أصوات أقرب إلى زمجرة الرعد من تحت سطح الأرض.. بعدها انفجرت من البئر سوائل سوداء سميكة القوام.. وكان أن غطت سطح البحيرة وكأنما اكتست صفحة المياه بغلالة من السواد الكثيف.. دامت هذه الظاهرة نحواً من 48 ساعة، بعدها أعلن الخبراء أنها تركت البحيرة المذكورة وقد أصبحت ملوثة.. ولكن بمادة البترول.. المادة التي كانت تحتكر استخراجها وتجهيزها وتسويقها شركات النفط المنتمية إلى الولايات المتحدة، الجار الأكبر والأقوى القابع في تخوم الشمال، وكان على رأسها شركتان هما: شركة غلف وشركة لاغو بتروليوم.
المشكلة أن ما حدث في البحيرة.. من تلوث ودمار وتعكير لحياة السكان المحليين.. لم يكن ليعكر صفو الحياة بالنسبة للشركات الأميركية التي تعاملت ببساطة مع انفجار بئر النفط، رغم ما أدى إليه من تلوث المياه، فضلاً عن اشتعال نيران حرائق تصاعد لهيبها إلى أكثر من 300 قدم، واتسعت ألسنة نيرانها عبر مسافات بلغت نحو 100 ميل، ما بث الرعب في نفوس السكان الذين لم يكن أمام معظمهم إلا الفرار والتشرد طلباً للنجاة. على أن المشكلة الأكبر تمثلت في تلك الروح من الغرور والاستعلاء اللامبالي التي تبدّت في سلوك شركات النفط الأميركية التي لم تكترث لما أصاب السكان المحليين من آلام.. وهو ما عبرت عنه صحافة ذلك الزمان بتوسع ملحوظ. هكذا يبدأ المؤلف صفحات واحد من أهم فصول الكتاب، وقد اختار له العنوان التالي: تأكيد سيادة الطاقة
وكان طبيعياً أن يدور محور هذا الفصل على موارد فنزويلا من طاقة النفط.. وفي هذا السياق يقول مؤلف الكتاب: تحتل فنزويلا اليوم المركز رقم 5 بين مُصدّري النفط الخام في العالم.. وهي تسعى جاهدة لتخليص أكبر قدر من السيطرة على صناعة البترول من أيدي الشركات الأجنبية، ومن ثم استخدام عوائد النفط وسيلة لتعزيز تنمية المجتمع..
وفيما ظلت شركات (احتكارات) البترول تنعم بدرجة ملموسة من الاستقلال في الماضي، إلا أن الدولة حالياً في فنزويلا تعمل على فرض وجودها وتفعيل سيطرتها على هذا الميدان يوماً بعد يوم.
هنا يشير المؤلف أيضاً إلى واحد من كبار مسؤولي البلاد.. وهو أيضاً في طليعة معاوني ومستشاري رئيسها هوغو شافيز.. اسمه برنارد مومير. يطلق عليه مؤلف الكتاب اللقب التالي:
«الرمز الذي يجسّد السيادة الوطنية»، ويحكي المؤلف كيف أن هذا المسؤول ينتمي إلى جيل الستينات، وكان من العناصر التي كانت ناشطة حركياً في التعاطي مع الشأن العام سواء في بلده أو في أقطار أخرى من أميركا اللاتينية، وقد عينوه نائباً لوزير الطاقة.. فيما يحرص الرجل على عدم الإفراط في الظهور على مسرح العلن، مردداً باستمرار: سنيور.. أنا خبير.. ولست سياسياً.
العجيب في سيرة هذا المسؤول أنه لم يولد على أرض القارة الجنوبية.. هو مولود في جنوب فرنسا عام 1943 وكان أبوه يسارياً تقدمياً ومعارضاً للعنصرية النازية في ألمانيا الهتلرية.. درس مومير الرياضيات وفي شبابه الباكر سار في تظاهرات الستينات المنددة بحرب فيتنام.. وبعدها توجّه إلى إنجلترا بحثاً عن طريق جديد، حيث عمل خبيراً في معهد أكسفورد للطاقة..
وفي أكسفورد أتيح له أن يلتقي مع ضابط فنزويلي شاب كان يكافح من جانبه للوصول إلى منصب الرئاسة في كاراكس، وكان اسم الضابط: هوغو شافيز. بعدها بدأ التواصل إلى حد التعاون بين الرجلين.
عند هذا المنعطف من طروحات الكتاب يبدي المؤلف ملاحظة لها قيمتها، حين يقول إن أهمية شخصيات مثل شافيز في فنزويلا.. لا تنبع فقط من سلوكه السياسي داخل بلاده.. ولكن من أنه أصبح بمثابة قدوة يُنسج على منوالها بالنسبة للكثير من الزعامات التي استجدت على مواقع الرئاسة الأولى والقيادة السياسية في كثير من أقطار أميركا اللاتينية.
كاسترو ـ شافيز
على أن مثل هذه الأحكام لا تكتمل سوى بالإشارة إلى أن هذا الخط من تأكيد الجمع بين الاستقلال الوطني ونهج العدل الاجتماعي، حتى مع تعدد المسارات وتباين الاجتهادات، لايزال يدين بالريادة إلى زعيم آخر اسمه فيديل كاسترو، رغم أنه يعاني مرض الشيخوخة حالياً في كوبا.
يضيف مؤلف الكتاب في هذا الصدد قائلاً: بالنسبة لفيديل كاسترو، كان ظهور شافيز على المسرح العالمي بمثابة عطيّة سياسية من السماء.. لماذا؟ لأن كوبا كانت قد فقدت مع زوال الاتحاد السوفييتي في عام 1991 أكبر شريك تجاري لها، ومن ثم بدأ اقتصاد الجزيرة الكاريبية يكابد صنوف المعاناة، لاسيما في قطاع النفط وإمدادات الطاقة..
ورغم أن كاسترو كان قد عمد وقتها إلى إعادة هيكلة الاقتصاد الكوبي، إلا أن مستوى معيشة مواطنيه بدأ في الهبوط دون المستوى الذي كان قد بلغه إبان الحرب الباردة، لدرجة أن أصبحت قطاعات لا يستهان بها من الكوبيين تعيش حالة أقرب إلى الفقر المدقع.
لكن على الجانب الآخر من هذه المعادلة (المصلحية كما قد نسميها) لا يمكن أن نتجاهل أن التحالف الذي قام بين كوبا ـ كاسترو، وفنزويلا ـ شافيز استند كذلك إلى التقارب العقائدي، بل وربما الصداقة الشخصية بين الرجلين، فضلاً عن العوامل الجيوبوليتيكية الأخرى.
ربما تثير الاهتمام مسألة هذا التحالف بين اثنين من نظم الحكم المتمردة.. أو المشاغبة أو الراديكالية أو اليسارية.. سمّها ما شئت.. ولكن القضية المحورية ظلت تتلخص في هدف أعلى وأهم وربما أكثر حيوية وهو: التكامل بين مختلف الأطراف في قارة أميركا الجنوبية وعلى نحو أدق من التحديد: التكامل من أجل البقاء. هذا هو العنوان الذي يحمله واحد من فصول الكتاب.
وتلك هي خلاصة التجربة التي عاشها مؤلف الكتاب في ربوع أميركا اللاتينية في إطار محاولاته رصد مسارات الحياة ونوعيات المشكلات واهتمامات وهموم الناس بين ظهرانيها، يستوي في ذلك عناصر النخبة المثقفة أو جماهير الشعب العادية في الحواضر والأرياف.
في هذا الإطار يرصد المؤلف بالذات دعوة شافيز إلى تغيير الطروحات العقائدية والتوجهات السياسية والمسارات الاقتصادية.. ليس في بلده وحسب، بل على مستوى أميركا اللاتينية بشكل عام.
يقول المؤلف (ص 45): رغم أن شافيز لم يتراجع عن نهج الرأسمالية إلا أنه فعل الكثير من أجل معارضة لنموذج الأكثر تطرفاً في اتباع التنمية طبقاً لهذا المسار الرأسمالي.. وقد كان يحمل في بلاده وخارجها عنوان «الطريق النيولبرالي».
يضيف المؤلف قائلاً في نفس الموضوع: لقد تكلم الزعيم الفنزويلي عن نمط لم يحدده بوضوح يتمثل في «اشتراكية من أجل القرن الحادي والعشرين» وبمعنى اشتراكية لا هي شيوعية ولا هي رأسمالية ولكنها مزيج من الاثنين. (وفي هذا الإطار) يسعى مسؤولو الحكومة إلى فرض المزيد من النظم والضوابط على رأس المال الخاص، رغم أنهم يشدّدون على القول بأنهم ليسوا ضد رأس المال الخاص ما دام يحرص على «تكريم الحالة الإنسانية».
بعدها يمضي الكتاب ليوضح التعريفات التي ترادف هذا الحرص المطلوب على كرامة الإنسان.. بوصفه السعي لإيجاد فرص العمل وكسب العيش الكريم لجموع المواطنين.
وإذا كان هذا التكريس لكرامة المواطن أمراً مطلوباً على المستوى الداخلي ـ القطري أو المحلي.. فإن التكامل الاقتصادي والسياسي أيضاً أمر مطلوب بنفس القدر على المستوى الإقليمي أو القاري ـ اللاتيني كما قد نقول.
مفهوم الـ «ميركسور»
لهذا يولي زعماء القارة الجنوبية اهتمامهم إلى «الميركسور» - الاتحاد الاقتصادي (أو التكتل التجاري) لدول المخروط الجنوبي في أميركا اللاتينية.. الذي يتطلع الفرقاء إلى تعزيزه وتطويره كي يكون حجر الأساس في كيان أقوى وأوسع وأشمل وأشد فاعلية.. كيان يكاد يوازي الاتحاد الأوروبي ولكن على مستوى أميركا اللاتينية. وفيما يضم «الميركسور» دولاً عدة من القارة، إلا أن ثمة نجمين يسطع ضياؤهما في أطباق سماواته.. وهما فنزويلا والبرازيل..
الأولى بحكم كونها بلداً نفطياً ثرياً ورقماً مهماً في معادلة منظمة مصدري النفط في العالم (أوبيك)، والثانية بحكم اتساع مساحتها وتعدد مواردها الزراعية بالذات، واحتوائها ـ كما هو معروف ـ على غابات الأمازون المطيرة التي تشكل جزءاً حيوياً بالضرورة من الجهاز التنفسي لكوكب الأرض.. هذا فضلاً عما حققته البرازيل من نجاحات في السنوات القليلة الأخيرة لدرجة دعت لأن يطلق عليها إعلام الاقتصاد والتنمية ؟
البروفيسور جيوفري ساكس بالذات ـ مصطلح الاقتصادات الناهضة أو الصاعدة، ومن ثم يجمع البرازيل مع كل من الصين والهند في قائمة هذه الاقتصادات العفيّة التي صاغ لها مصطلحاً بات شائعاً في أدبيات الاقتصاد العالمي وهو «بريكس». تدعو كل من قيادة فنزويلا والبرازيل إلى توطيد دعائم التحالف الاقتصادي في أميركا اللاتينية.. لكن المؤلف يلمح إلى أن تحت السطح تيارات مغايرة يعبر عنها على النحو التالي (ص67):
وراء واجهة الوحدة ضمن إطار «الميركسور»، لاتزال هناك احتكاكات سياسية بين فنزويلا والبرازيل.. صحيح أن هناك علاقات صداقة تربط في العلن بين شافيز ولولا. ومع ذلك، ورغم أن شافيز يواصل جولاته حول ربوع أميركا الجنوبية كي يعقد الصفقات النفطية ويهاجم الرأسمالية على الطريقة الأميركية ويعلن ما يصفه بأنه رأسمالية القرن الحادي والعشرين، إلا أن الرئيس البرازيلي «لولا» يحرص من الناحية الأخرى على علاقات وثيقة تربط بينه وبين أميركا.. ويسعى إلى الترويج لوقود الإيثانول الحيوي الذي اصطنعته البرازيل مشتقاً من قصب السكر، ليكون بديلاً يحل محل البترول كوقود للسيارات والمحركات.
بين ألبا والتوافق
في هذا السياق يعلق راردان روويت، وهو أستاذ في جامعة جون هوبكنز، قائلاً: نحن أمام موقف مشهود حقاً.. يجسّد نمطاً من الدبلوماسية المندفعة، وفي نهاية المطاف سيؤول الأمر إلى مَن سيكون له النفوذ الأعمق والتأثير الأقوى في المنطقة (أميركا الجنوبية)، ومن يجذب إلى صفه الأقطار الأصغر على صعيدها. في ضوء هذه الظواهر التي ينضح بها الواقع السياسي هناك.. يواصل المؤلف تحليله للأوضاع، موضحاً أن ثمة مفارقة ـ هل نقول صراعاً سياسياً محتدماً، ولو تحت سطح الأحداث، بين نهجين يختص بكل نهج منهما.. رئيس فنزويلا ورئيس البرازيل:
«شافيز» يدعو إلى «ألبا»
«ألبا» هي منظمة التكامل أو التوحد الاقتصادي التي تريد فنزويلا قيامها على أرض أميركا اللاتينية وتجسدها اختصاراً الحروف الأولى التي تشير إلى البديل البوليفاري لأميركا اللاتينية.. وهذه الصفة ترجع إلى اسم «سيمون بوليفار» (1783ـ 1830) الذي دخل التاريخ بوصفه محرر قارة أميركا اللاتينية، حيث انطلق من بلده، فنزويلا وخاض معارك مظفرة من النضال ضد الاستعمار الإسباني أفضت إلى تحرير كل من كولومبيا وفنزويلا والإكوادور وبنما وبوليفيا..
هنا كانت جهود شافيز في تكريس هذا الدور النضالي للمحارب التاريخي القديم، فكان أن أضفى اسمه حتى على اسم الدولة ذاتها كي تصبح «جمهورية فنزويلا البوليفارية».
أما «توافق سنتياغو» فيعده مراقبو الشأن اللاتيني نسخة منقحة ومزيدة، كما قد نقول من توجهات مضت وحملت في السابق عنوان «توافق واشنطن»، مؤداها اتباع النهج الرأسمالي ـ النيولبرالي كما وصفوه، ولكن مع إضافة أبعاد اشتراكية وتوجهات وأهداف اجتماعية.
ويزيدنا المؤلف استنارة بالموضوع حين يضيف قائلاً: في إطار خطة الرئيس البرازيلي «لولا» فإن دعوة ـ أو خطة التكامل الإقليمي في أميركا اللاتينية لا يمكن أن تقتصر على جانب زيادة النمو المرتبط بالاقتصاد أو التمويل.. ولكن الأمر يستوجب إيلاء اهتمام مماثل بقضايا من قبيل التعليم والبيئة وجهود البحث العلمي والتطوير والابتكار والأخذ بكفاءة النظم الضريبية.
فضلاً عن إيلاء الأهمية للهياكل والبنى الأساسية. يصف المؤلف هذه الخطة بأنها تجسد نموذجاً أكثر اعتدالًا للتنمية (من نموذج شافيز الأبعد تطرفاً والأشد راديكالية).. وهذا النموذج البرازيلي يمكن أن يروق أكثر للسيدة باشليه رئيسة الجمهورية في تشيلي. وأياً كان الخيار، وأياً كان اختلاف الاجتهادات وتباين الرؤى، فإن ثمة عنصراً مشتركاً بين جميع الفرقاء في قارة أميركا الجنوبية.. هو العنصر الذي يطلق عليه المؤلف الوصف التالي: الماضي المتوحش.
عرض ومناقشة: محمد الخولي



