منذ الفصول الأولى من هذا الكتاب.. يتضح لنا كقارئين مدى اهتمام المؤلف، «نيكولاس كوزلوف».. بشخصية زعيم فنزويلا.. «هوغو شافيز».. والحق أن شخصية شافيز تشكل قطبا جاذبا لمن يتصدى للكتابة عن قارة أميركا الجنوبية.. سواء من منظور الواقع أو المستقبل أو حتى مع الإحالة إلى ما سبق من مراحل التاريخ.

إن التاريخ القريب للقارة اللاتينية ظل يشهد أنظمة وزعامات سياسية كان بعضها يعّد نفسه جزء من سياسة الولايات المتحدة أو داعية لهذه السياسة.. وكأنه يترجم بذلك مبدأ مونرو الشهير الذي أعلن إطلاق يد واشنطن في نصف الكرة الغربي شماله وجنوبه على السواء. يضاف إلى ذلك أن فنزويلا دولة يُعتد بها أساسا ضمن مجموعة دول أميركا اللاتينية.. وخاصة بفضل كونها كما سبق وألمحنا دولة بترولية من ناحية وتتمتع بقرب جغرافي نسبي من الجارة الشمالية الكبرى -- أميركا -- من ناحية أخرى.***النفط والسياسة***أما العامل الثالث.. المستجد على هذه الساحة فهو هوغو شافيز نفسه والسياسات التي تبناها وأعلنها.. وتحدى بها خصومه السياسيين، ثم جاء على متنها إلى منصب الرجل الأول في العاصمة كاركاس..

وقوام هذه السياسات كما يؤكد مؤلف كتابنا هو تحدي هيمنة الولايات المتحدة على مقاليد القارة الأميركية اللاتينية مستخدما في ذلك، وهذا أمر بديهي -- قدرات وموارد بلاده النفطية، سواء لتعظيم إمكانات المساومة وتهيئة وضع تفاوضي أفضل لبلاده سواء على الساحة الإقليمية أو الدولية، أو استخدام -- وربما محاولة استخدام موارد النفط في محاولة من جانب النظام الفنزويلي الراهن لتحقيق قدر من الإنصاف لملايين المحرومين والفقراء، ولاسيما في مجتمعات فنزويلا المهمشة في ربوع الأرياف أو بين صفوف شعوب السكان الأصليين.كل هذا الاهتمام الذي عرضناه عمد المؤلف إلى التعبير عنه في كتاب سبق إلى إصداره منذ سنوات قليلة بعنوان له دلالته المباشرة وهو: هوغو شافيز: النفط والسياسة وتحدي الولايات المتحدة. وهو عمل بات نقاد الكتب يعدونه الأهم في ميدانه بالنسبة لقارئي اللغة الإنجليزية لأنه ؟ كما يذكر كاتب أميركي آخر هو جون بيركنز ـ إنجاز مهم لأنه يحض قارئه على أن يفكر ويحلل دون أن يتتبع منطق التسليم فيما يعرض عليه من سياسات أو توجهات.وقد نتصور من ناحيتنا أن مؤلف كتابنا اهتم بشخصيات أو زعامات لاتينية من طراز شافيز أو غيره - كما سوف نرى - لأن هذه الزعامات جاءت في الحقبة الزمنية الأخيرة لتشكل طرازا جديدا بحق من قادة أميركا اللاتينية. وقد نسوق في هذا أسبابا من واقع تحليلنا لطروحات هذا الكتاب ونوجزها فيما يلي:

أولاً أن هذه الزعامات لم تأت في أغلبها على متن دبابة الانقلابات العسكرية التي اعتادت شعوب أميركا اللاتينية أن تتابع قفزاتها إلى كراسي الحكم في هذا القطر أو ذاك، سواء من أقطار أميركا الوسطى المطلة على مياه البحر الكاريبي (بنما.. هندوراس.. السلفادور.. وغيرها) أو على مستوى تخوم القارة الجنوبية المحصورة بشكل أو بآخر بين مرتفعات جبال الانديز وسواحل المحيط الأطلسي..

هذه الزعامات جاءت بناء على إرادة جماهيرية حرة إلى حد لا يستهان به وعلى متن انتخابات شعبية أدلى فيها الناس من العامة والنخبة بأصواتهم بناء على أجندات سياسية مطروحة عليهم من جانب جموع المرشحين.

توجه يساري

ثانياً: أن معظم القيادات التي جاءت على متن هذا المد الديمقراطي طرحت على شعوبها نمطا جديدا من التوجه اليساري كما يسميه المؤلف ومن سواه من محللي الشأن الأميركي اللاتيني.. يمكن وصفه بأنه نمط اليسار الوطني.. وهو على خلاف ما درج أو دأب العالم على معايشته خلال القرن العشرين بالذات من يسار يرتبط عضويا بالدعوة والحركة الماركسية أو التنظيمات الشيوعية.

صحيح أن هذا التيار اليسار الوطني المستجد في أميركا اللاتينية ينظر بقدر من التقدير إلى تجربة زعيم مخضرم ماركسي الاتجاه هو «فيديل كاسترو» أو رفيقه الشهير أرنستو تشي جيفارا في كوبا.. لكن تجربة كاسترو نفسه زاد عمرها على 50 عاما.. فيما تغيرت أحوال العالم وتتعدل خارطة الواقع السياسي على صعيده، فضلاً عما تم من وعي الدروس البليغة المستفادة من سلبيات كوبا - كاسترو وخاصة في مجال التحول والممارسة الديمقراطية.

الجذور الاولى

ثالثاً: إن تجربة «اليسار الجديد» كما يسميه مؤلف كتابنا.. وهي تستمد جذورها الأولى من واقع ديمقراطية الاختيار، ثم تستمد جذورها الثانية من واقع المطالب الشعبية والثقافة الوطنية.. فهي أيضا تستمد جذورها الثالثة.. الوطيدة بدورها من واقع الأبعاد الروحية لهذه الثقافة الوطنية، ممثلة في المؤسسة الدينية ورموزها في طول أميركا اللاتينية وعرضها..

وفي مقدمة هذه الرموز رجال الدين الذين اختاروا أن يقرنوا الإيمان بالعمل من أجل إقرار العدل وخدمة جموع الشعوب التي طال عليها الفقر والاستبعاد والحرمان.. وقد أحسنت أدبيات السياسة في تلك الأصقاع من غرب عالمنا حين أجملت هذه التوجهات كلها في عبارة شهيرة هي «لاهوت التحرير».

تلك هي الأبعاد الديمقراطية .. وطنية أو القومية ..الإبداعية في طرح اتجاهات يسار مبتكر جديد الأبعاد الروحية المستمدة من إيمان الملايين بعقيدتهم.. وكلها.. في إطار التفاعل الدينامي فيما بينها.. إنما أوصلت إلى رسم واقع جديد تماما.. أتاح ظهور قيادات مستجدة أيضا أطلت على شعوبها وعلى مشاكل وهموم هذه الشعوب من منظور جديد.. تم ذلك بصورة أو بأخرى مع سنوات العقد الأخير من القرن الماضي وسنوات العقد الجديد من القرن الواحد والعشرين.

يقول مؤلف كتابنا: على مدار سنوات.. ظلت أميركا الجنوبية تشهد حالة من التمرد الاجتماعي.. وقد تجسدت تيارات هذا الرفض في انتخاب شافيز لرئاسة فنزويلا عام ,1998. وسرعان ما توافدت على السلطة زعامات أخرى تجمعها أواصر شتى مع توجهات وسياسات فنزويلا في عهدها الجديد.. ومن هذه الزعامات جاء لويس ايناسيو (لولا) دا سيلفا إلى رئاسة البرازيل. ينحدر «لولا» من أصول فقيرة مثل شافيز سواء بسواء.

وفي صباه كان يبيع حبات الفول السوداني ولا يتورع عن تلميع أحذية المارين.. لكنه مع فترات النضج التحق بصفوف حزب العمال البرازيلي. وكما شهدته شوارع ساو باولو، أكبر مدن البرازيل، على رأس إضرابات واحتجاجات كان يتولى تنظيمها ضد المصالح والشركات الأجنبية التي كانت تمارس استغلال الموارد الزراعية والمعدنية في بلاده.. وفي عقد التسعينات..

لاحت نذر أزمات اقتصادية بدأت في جنوب شرقي آسيا ثم امتدت ذيولها إلى البرازيل التي فوجئت بقيام تلك المصالح الاحتكارية الأجنبية وقد بادرت على الفور إلى سحب استثماراتها وإغلاق شركاتها وإنهاء أنشطتها في البرازيل التي عانت مع التسعينات - كما يضيف المؤلف - من تدفق مليارات الدولارات إلى خارج حدودها..

لم يكذب «لولا دا سيلفا» خبرا كما يقولون.. بادر إلى اغتنام هذه الفرصة وشن هجومه السياسي على الذين تسببوا في معاناة بلاده إلى أن جاء نوفمبر من عام 2002 ليتسلم زمام السلطة الأولى في برازيليا العاصمة وليشرع في مسيرة بالغة الصعوبة على طريق الإصلاح الاقتصادي.

الاختلاف عن شافيز

في نفس السياق.. لم يفُت مؤلفنا أن يلحظ الفرق بين «لولا» البرازيلي الذي يتميز بمزيد الهدوء عن رفيقه شافيز الفنزويلي الذي تميزه نزعة تنحو نحو الإثارة الدرامية السياسية.

لكن المؤلف يرصد أيضا الميزة التي أفاد منها الفنزويلي بعد انتخاب رئيس البرازيل.. يقول: رغم أن «لولا» لم يعد يماثل الآن ما كان عليه في الماضي.. حين كان زعيما راديكاليا يعمد إلى تنظيم صفوف العمال في ساو باولو إلا أن وجوده أتاح لشافيز فسحة لالتقاط الأنفاس..

وخاصة حين رفض «لولا» البرازيلي مخططا كان يرمي إلى أن تفرض على فنزويلا أسوار من العزلة الدبلوماسية. في نفس النقطة يواصل مؤلفنا تحليله قائلا: برغم ما أظهره كل من شافيز ولولا من تضامن علني أمام الناس، فمن الواضح أن الزعيمين يختلفان إلى حد ما في التوجه السياسي والاقتصادي لكل منهما..

لهذا ظل شافيز في حاجة دائمة إلى حليف حقيقي يستند إليه في مواقفه الدولية بالذات.. كانت مسألة صعبة.. ما لبث شافيز أن وجد لها حلاً في انتخاب «نستور كيرشنر» رئيسا للأرجنتين في عام 2003.

حالة الارجنتين

ورغم أن رجل الأرجنتين الجديد جاء من بيئة ميسورة نسبيا، إذ كان حاكما لمقاطعة «سانتا كروز» وكان منافسا لخصم أرجنتيني عنيد طالما حاز تأييد الجماهير الأرجنتينية وهو كارلوس منعم، إلا أن سنوات العسر الشديد والتضخم الجامح والكساد الراكد التي عانتها الأرجنتين، أفسحت الطريق للمرشح المستجد كيرشنر الذي وعد بتقليص نفوذ العسكر وتوسيع رقعة الديمقراطية وتهيئة الحد الأدنى من سبل الإنصاف لطبقات الفقراء وشعوب السكان الأصليين..

فضلاً عن فتح صفحة جديدة أقل قسوة وأقرب إلى الروح الإنساني في تاريخ الأرجنتين، التي طالما عانت - كما يقول تاريخها القريب - من ديكتاتورية الجنرالات، وخاصة في الفترة التي يحددها مؤلف كتابنا بين عامي 1976 و1983. وفيها - كما يوضح المؤلف كذلك - جرى اغتيال نحو 30 ألفا من المعارضين أو المنشقين على يد القوات العسكرية، وهي الحقبة التي حملت اسم «الحرب القذرة» في تاريخ الأرجنتين الحديث باعتبار أن معظم هؤلاء الضحايا..

تعرضوا للاختطاف بليل ولم يعودوا قط ولا عثر أحد على جثتهم هنا أو هناك. لهذا يصف المؤلف هذه النقلة في بوينس أيرس عاصمة الأرجنتين بأنها كانت أقرب إلى التحول التكتوني، مستخدما في ذلك الصفة الني نخلعها على تحولات الأزمنة الجيولوجية التي أدت إلى تغيير بنية كوكب الأرض.

التأثير على الجيران

لا عجب أن تنتقل هذه التحولات الجذرية بكل تأثيراتها الراديكالية العميقة إلى حيث الجيران من شعوب ودول وأنظمة أميركا اللاتينية: كان هناك بالذات شيلي البلد الواقع عند أقصى المخروط في جنوب القارة الأميركية اللاتينية.. وكم عانى، كما هو معروف، من عسف السلطة العسكرية الغاشمة المستبدة، وخاصة خلال حكم الجنرال بينوشيه في عقد السبعينات من القرن العشرين.

يقول مؤلف الكتاب في هذا الصدد: في يناير عام 2005، تم انتخاب ميشيل باشليه رئيسة لجمهورية شيلي التي أكدت بذلك نوعية التجدد السياسي الخاص بها.

وجاء هذا الاختيار ليؤكد مسعى شيلي في إصلاح ما أفسده الماضي العسكري الوحشي الذي ظلت أشباحه مخيمّة على ربوع البلاد لأكثر من ثلاثين عاما (وها هي شيلي وقد عادت إليها مؤخرا معاناة آثار الزلزال المدمّر الذي واجهته مع الأيام الأخيرة من شهر فبراير الماضي).

في هذا المضمار - يرى المؤلف أن رئيسة شيلي أقرب في اتجاهها السياسي إلى زميلها البرازيلي لولا دا سيلفا.. من زميلهما الفنزويلي إياه.. الرئيس شافيز وخاصة فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية.. ومع هذا كله يلاحظ المؤلف أيضاً أن شافيز لا يزال يعد شيلي عنصراً مهّماً يضاف إلى قائمة من يعدّهم من الحلفاء رفاق الطريق.

ثم يأتي الكتاب مع فصوله الأولى إلى ذكر الحليف المستجد والمهم أيضاً في هذا المضمار: اسمه «ايفو موراليس».. ينتمي إلى شعوب السكان الأصليين الذين يشكلون ثلثي سكان بلاده بوليفيا، حيث تعيش 37 من الجماعات العرقية.. ومنهم فئة الايامارا التي ينحدر منها رئيس بوليفيا الحالي موراليس.. الذي جاء من صفوف سكانها الأصليين.. ولا يزال - كما يرصد المؤلف - محتفظا بكل رموز هذا الانتماء: العادات.. الأعراف.. اللغة.. وما إلى ذلك بسبيل.

وفي عام 2006 افتتح الرئيس موراليس الجمعية الدستورية تحت شعار «إعادة تأسيس بوليفيا» على قواعد جديدة طامحا إلى بناء جسور طال انتظارها فيما بين جموع شعبها، وخاصة السكان الأصليين - هنود أميركا الجنوبية كما يُعرفون في بعض الأحيان.

هوغو شافيز رئيس فنزويلا بات يمثل ظاهرة فريدة في سياسات أميركا الجنوبية.. أولاً بحكم انتمائه الأصلي إلى الفئات الفقيرة في بلاده. وثانياً بحكم نجاحه في الوصول إلى السلطة الأولى في كاراكاس عبر القنوات الديمقراطية وليس من خلال أسلوب انقلابات العسكر التي طالما سيطرت على مقاليد الأمور في القارة اللاتينية، وخاصة في حقبة جنرالات الأرجنتين، أو حكم الجنرال الدموي بينوشيه في شيلي..

وقد اتسع نفوذ شافيز بحكم امتلاك بلاده لموارد البترول، مما زوده بقدرات تفاوضية على ساحة السياسة الإقليمية والدولية، فضلاً عما خطط له من اكتساب تأييد الملايين من فقراء الحضر والأرياف في بلاده ممن عمد إلى إصلاح أحوالهم بفضل عوائد البترول.

وفيما كان شافيز بحاجة إلى حلفاء من زعامات وقيادات سائر أقطار أميركا الجنوبية، وخاصة من فصائل ما أصبح يوصف بأنه «اليسار الجديد» فقد شهدت السنوات الأولى من القرن الحالي أن يتوالى الاختيار الديمقراطي لمثل هذه القيادات.. ما بين لويس «لولا» دا سيلفا في البرازيل، وميشيل باشليه في شيلي إلى كيشنر في الأرجنتين..

وكووريا في الإكوادور، فضلاً عن ايفو موراليس الذي جاء انتخابه رئيسا لبوليفيا حدثا غير مسبوق، باعتباره ينتمي إلى الشعوب الفقيرة من السكان الأصليين في أميركا الجنوبية، وقد جاءت هذه الظواهر السياسية لتشكل فيما بينها ملامح جديدة طرأت على ساحة أميركا اللاتينية وأحوال شعوبها.

المؤلف في سطور

نيكولاس كورولوف.. كاتب أميركي معروف باهتمامه المتعمق بأحوال قارة أميركا الجنوبية: تاريخها السياسي الحافل بالاضطرابات ومواريث الاستعمار التي عانت منها.. ودور الولايات المتحدة في مساراتها بين السلب والإيجاب.

والكاتب يعمل زميلاً باحثاً في مجلس شؤون نصف الكرة الغربي في واشنطن، وهو هيئة علمية معنية بأحوال الأميركتين. وقد عرف عنه متابعته الدقيقة لاثنتين من أهم قضايا أميركا اللاتينية، وهما البترول والإعلام، كما حاز كتابه عن «هوغو شافيز» رئيس فنزويلا اهتماماً واسع النطاق من جانب النقاد والقراء على السواء.

خاصة أنه قدم سيرة الزعيم الفنزويلي في إطار تحليل أشمل وأعمق للسياق الاجتماعي الذي تولدت بين طياته وملابساته ظاهرة شافيز، ومَن على شاكلته من جيل الزعماء الوطنيين الجدد في أميركا اللاتينية، الذين انحازوا للفقراء وحاولوا محاربة الفساد الاقتصادي والسياسي، وأكدوا فعالية دور الدولة بوجه قوى السوق في الداخل والاحتكارات الرأسمالية الأجنبية من الخارج.

ماذا يجري في أميركا الجنوبية؟

الحلقة: (2)

الكتاب: ماذا يجري في أميركا الجنوبية؟

تأليف: نيكولاس كوزلوف

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 248 صفحة

الناشر: بلغراف - ماكميلان، نيويورك 2010