يسعى رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض، لأن يغير بصمت قواعد الصراع العربي الإسرائيلي، من خلال مبدأ بسيط: فها هم الفلسطينيون قد تمكنوا من بناء دولتهم الآن، وليس في مقدورهم تحمل المراوغات الإسرائيلية للتهرب من اتفاقية سلام.

إنه يتحرك قدماً وفق خطة طموحة تستهدف إعداد الفلسطينيين لمرحلة الدولة بحلول أغسطس عام 2011 من خلال بناء مؤسساتها من أسفل إلى أعلى، أي عبر تعبيد الطرق وإعادة تشكيل الهيئة القضائية والتخطيط لإقامة مدن جديدة.

وقد أغدقت الولايات المتحدة وأوروبا على هذا الخبير الاقتصادي الذي تلقى تدريبه في الولايات المتحدة بالمديح والمساعدات المالية والدعم السياسي. ولم يقل المسؤولون في إسرائيل عنه الكثير، بالرغم من أن البعض في إسرائيل أعرب عن قلقه من أن يكون فياض يمثل رأس الرمح لاستراتيجية فلسطينية هدفها الالتفاف حول المفاوضات، وإعلان «دولة أمر واقع»، والسعي للحصول على الاعتراف من جانب المجتمع الدولي بها.

ويعتقد فياض أن النجاح يصنع زخمه وهو في حد ذاته يشجع على صناعة المزيد منه، وهو ما يعني حتمية الدولة الفلسطينية. ولكنه لم يقل مطلقاً إن الفلسطينيين سيلجأون إلى إعلان استقلال دولتهم من تلقاء أنفسهم.

وقد قال فياض في لقاء أجري معه مؤخراً داخل موكبه المتجول في الضفة الغربية، «إننا نعتقد أنه إن لم تتمكن العملية السياسية من إنهاء الاحتلال بحلول منتصف عام 2011، فإن حقيقة الدولة الفلسطينية ستفرض نفسها على العملية السياسية، بل على العالم». وركز فياض خلال الأشهر الأخيرة على إعادة إشعال جذوة الحماس في قلوب الفلسطينيين، الذين خيبت آمالهم خطوات السلام المتعثرة على مدار سنوات. إنه يتواصل معهم بصورة مباشرة متجاوزاً الهيكل السلطوي الخاص بحركة فتح التي يرأسها محمود عباس.

ويلقي فياض، الذي يتمتع بالاستقلال، خطبة أسبوعية عبر المذياع، ويلتقي بصورة دورية الصحافيين الفلسطينيين، كما عين مستشاراً لإدارة صفحتيه على «فيس بوك» و«تويتر». وهو بخلاف سياسيي «فتح» الذين يلتزمون مكاتبهم طوال الوقت، وينتظرون من المواطنين الذهاب لهم، ويتنقل بين شتى بقاع الضفة الغربية كل عدة أيام.

ولفت الحضور القوي لفياض الأنظار عن الرئيس الفلسطيني عباس، الذي لا يمتلك الكثير لاستعراضه كإنجازات كقائد للعملية السلمية مع الجانب الإسرائيلي بعد خمس سنوات من توليه المنصب أضاع معظمها في متابعة المهام الدبلوماسية خارج البلاد.

وقال عباس البالغ من العمر خمسة وسبعين عاماً إنه لن يسعى لإعادة الترشح لمنصب الرئاسة وقد عزز هذا من التكهنات التي تشير إلى أن فياض ربما يكون الساعي لاقتناص مقعد الرئيس. وقال فياض إنه يسعى لإقرار رؤية، ولا يتطلع لمنصب سياسي.

وحتى الآن، ما تزال الهوة بين الحقيقة والطموحات كبيرة. ولا يحظى فياض الذي عينه عباس عام 2007 إلا بالنزر اليسير من الصلاحيات على أربعين بالمئة من أراضي الضفة الغربية، أما البقية فهي خاضعة للسيطرة الإسرائيلية بالكامل.

ويخضع قطاع غزة الذي من المفترض أنه يمثل الدولة الفلسطينية جنباً إلى جنب الضفة الغربية لحكم حماس، وهي الحركة المتشددة التي طردت قوات عباس عام 2007. أما بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي، فقال إنه لن يتخلى مطلقاً عن القدس الشرقية التي يطمع الفلسطينيون في أن تكون عاصمة دولتهم المستقبلية.

وتعكس حياة فياض تلك التناقضات. ففياض يقطن القدس الشرقية التي ضمتها إسرائيل.

ولزوجته بشائر مقر إقامة دائم هناك بصفتها من السكان الأصليين للقدس. ولكن فياض، باعتباره مصرفياً غربياً، يقطن القدس بموجب رخصة زيارة تجددها إسرائيل كل عدة أشهر. ويلتقي فياض خلال أيام عمله في رام الله عدداً من الشخصيات الأجنبية رفيعة المستوى. وخلال طريقه لمنزله يعبر إحدى نقاط التفتيش الإسرائيلية.