صادق البرلمان الأوكراني صباح أمس على اتفاق مثير للجدل يسمح ببقاء الأسطول الروسي في شبه جزيرة القرم لنحو 30 سنة أخرى، فانفلت زمام الجلسة وتحولت قاعته إلى ساحة للفوضى: مصارعة وملاكمة ورمي بيض وإطلاق قنابل دخانية، في حين تظاهر الآلاف خارجه احتجاجاً وتأييداً لكن دون عنف.. وانتقدت المعارضة تمرير القرار واعتبرته «استيلاءً عسكرياً»، ملمحة إلى أنه قد يكون بذرة حرب أهلية.

وفي أجواء صاخبة تخللها إطلاق قنابل دخان في داخل البرلمان، وافق البرلمان الأوكراني بأكثرية 236 نائباً (من أصل 450) على الاتفاق الروسي الأوكراني الذي ينص على تمديد فترة تأجير شبه جزيرة القرم (جنوب أوكرانيا)، التي تستخدم قاعدة للأسطول الروسي في البحر الأسود، حتى العام 2042.في ذات الوقت الذي كان مجلس النواب الروسي (الدوما) يصوت فيه، وبهدوء، على الاتفاق بالإجماع إذ صوت 410 نواب لصالح الاتفاق ولم يصوت أي نائب ضده. ومن المفترض ان ينظر مجلس الاتحاد بالاتفاق اعتباراً من اليوم الأربعاء.وعاش البرلمان الأوكراني حالة فوضى غير مسبوقة، فمن صدامات بالأيدي بين النواب إلى إطلاق قنابل دخان.. بينما جلس رئيس البرلمان الأوكراني فلاديمير ليتفين أسفل مظلة تحميه من لفائف الورق والبيض وأشياء أخرى تشمل قنبلة دخان. وقال بعد التصويت: «لقد اتخذ القرار».واستخدم البرلمانيون المؤيدون للمعاهدة ستراتهم لكي يتمكنوا من التنفس من خلالها بعد أن امتلأت القاعة بالدخان ومنع رجال الإطفاء من دخولها.

****هتافات وشتائم ويافطات****وفي محيط البرلمان تجمع آلاف المعارضين الموالين للغرب في أجواء متوترة، وهتفوا: «العار!» و«الموت للخونة!»، و«القرم لنا!»، و«فليخرج الأسطول الروسي!».وحصل تدافع حين حاول المتظاهرون اختراق الطوق الذي فرضته قوات الشرطة للاقتراب من البرلمان.. في مقابل تجمع لمئات من مناصري الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش، حيث تبادلوا السباب مع معارضي المعاهدة. وكتب على لافتات مؤيدة للمعاهدة إن «روسيا وأوكرانيا شريكان استراتيجيان» و«إننا نؤيد الرئيس يانوكوفيتش»، لكن بخلاف ما حدث داخل البرلمان لم ترد أنباء عن اندلاع أعمال عنف حيث كان وجود الشرطة مكثفاً.وكان يانوكوفيتش وقع مع نظيره الروسي ديمتري مدفيديف الأربعاء الماضي اتفاقاً حول تمديد بقاء الأسطول الروسي للبحر الأسود في القرم 25 سنة، حيث كانت مهلة بقائه تنتهي في 2017. ومقابل هذا الاتفاق حصلت أوكرانيا، التي تعاني من مشكلات اقتصادية كبرى، على أسعار تفضيلية لوارداتها من الغاز الروسي مع حسم بنسبة 30 في المئة.****المعارضة: الهدف حرب أهلية****ويرى المحللون أن هذا الاتفاق يفترض أن يشكل متنفساً لأوكرانيا التي تشهد أزمة اقتصادية كبرى. لكن هذا الأمر لم يرض المعارضة الأوكرانية الموالية للغرب التي اتهمت الرئيس يانوكوفيتش بالخيانة عبر التفريط بسيادة أوكرانيا. وفي هذا السياق، يقول النائب في كتلة «بيوت» التي تتزعمها رئيسة الوزراء السابقة يوليا تيموشينكو اندريه شكيل إن الأصوات الـ 236 هي أصوات أتباع الكرملين، معتبراً أن «هدف يانوكوفيتش هو التسبب بحرب أهلية».

أما الرئيس السابق فيكتور يوتشينكو، عدو موسكو اللدود، فقال في بيان نشر على موقعه على شبكة الانترنت إن «ما حصل في البرلمان الأوكراني يشكل استنزافاً عسكرياً»، وشدد على أن الأمر لن يمر مرور الكرام قائلاً: «إنني أكيد أن الأمر لم ينته».

من جانبها، وصفت تيموشينكو المصادقة البرلمانية على اتفاقية تمديد مرابطة أسطول البحر الأسود الروسي في أوكرانيا بـ «صفحة سوداء في تاريخ أوكرانيا». واعتبرت أنه في 27 أبريل «بدأت عملية التفريط بأراضي أوكرانيا وخسارة استقلال الدولة الأوكرانية».

وأطلقت زعيمة المعارضة في مؤتمر صحافي عقدته في البرلمان نداءً إلى المجتمع الأوكراني، للوقوف صفاً واحداً ضد سياسة الرئيس يانوكوفيتش، والنضال من أجل إجراء انتخابات برلمانية.

ترحيب روسي

بالمقابل، رحب المسؤولون الروس بمصادقة برلماني البلدين على الاتفاق، فاعتبر رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الذي قام بزيارة إلى العاصمة الأوكرانية كييف ليل الاثنين الثلاثاء أن الاتفاق حول الأسطول له كلفة «باهظة» على روسيا ويحرمها من مليارات الدولارات من عائدات الموازنة..

كما كشف عن مشروع تعاون واسع النطاق في مجال الطاقة النووية المدنية واقترح إنشاء مجموعة قابضة مشتركة للبلدين.. في وقت قال رئيس الدوما بوريس غريزلوف ان هذا الاتفاق «يشكل مرحلة جديدة في العلاقات بين بلدينا (روسيا وأوكرانيا)».

مواجهات في الشارع.. والانتشار الأمني الكثيف منع تفاقمها .

إصرار

روسيا: الاتفاق سارٍ حتى إذا تغيرت السلطة

أعلنت روسيا أن الاتفاق الذي وقعته مع أوكرانيا لتمديد استخدام القاعدة البحرية في شبه جزيرة القرم سيبقى ساري المفعول حتى في حال تغير السلطة الأوكرانية لاحقاً.

ولفت النائب الأول لوزير الخارجية الروسي أندريه دينيسوف إلى أن الاتفاقات الجديدة التي أبرمتها الدولتان تحول دون حدوث أي خلاف بشأن إمدادات الغاز الروسي. وقال إن «الاتفاقية الدولية لا تنص على حق الخروج منها، فوفقاً لاتفاقية فيينا لا يجوز إنهاؤها إلا في حال تغيير الظروف بشكل جذري»، موضحاً أن المقصود بذلك هو الحرب أو الأسباب القاهرة الأخرى. وأضاف انه يمكن لأية دولة أن تفسخ أية اتفاقية، ولكنها تخالف بذلك القانون الدولي وتصبح في عداد الدول التي يرفض المجتمع الدولي التعامل معها.

إلى ذلك، أشار المسؤول الروسي إلى أن ما عقدته موسكو وكييف من اتفاقات جديدة يقف حائلاً دون حدوث أي خلاف حول إمداد الأخيرة بالغاز الطبيعي الروسي.