يحاول الرئيس الأميلركي باراك أوباما تطبيق مجموعة من الاستراتيجيات، فيما يتعلق بالشرق الأوسط، والتي لا تهدف لحل الصراع العربي الإسرائيلي فحسب، وإنما لبناء نظام أمني إقليمي، يتصدى للتهديدات التي تواجه المصالح الأميركية.
لا شك في أن تلك أنها جهود تستحق الثناء والاستحسان، غير أن التاريخ يخبرنا أن هناك قلة قليلة من الرؤساء الأميركيين فقط هم الذين استطاعوا أن يحققوا أكثر من تغير جوهري واحد في السياسة الخارجية والداخلية الأميركية، خلال فترة رئاسية واحدة، فتغييرات بمثل هذا الحجم، الذي يسعى إليه أوباما، تحتاج لكثير من الوقت والمصادر المالية والدعم السياسي لتحقيقها، ومن الحكمة التفكير فيما إذا إن كانت الظروف المتوفرة حالياً على الأرض قادرة على مثل هذا الاستثمار أم لا، فإن لم تكن، فقد يفكر أوباما في وضع أسس لهذه الأهداف، على أمل أن تتحقق في المستقبل البعيد.
ويمكننا الاستفادة من دروس فترة حكم الرئيس الأميركي رونالد ريغان، حيث طلب مني، ومن مجموعة من عناصر إدارته، تحليل أهم التحديات الخارجية التي تواجه الولايات المتحدة، ووضع استراتيجية بعيدة المدى للتعامل مع تلك التحديات، بينما أطلق تزامناً مع هذا حملة للحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية في العالم كله.
وطلب منا تحديداً أن نضع الأولويات، والامتناع عن استغلال القوة الأميركية بشكل مفرط وطائش، وأن نقوم بحل جزء من كل مشكلة على حدة، فيما لو لم يلح حل قريب في الأفق، لنقوم بعدها بالبناء والتطوير لما تحقق من نجاحات أولية. وبالفعل فقد تلقت تلك السياسات الدعم الدبلوماسي والمادي، ونجح تقدمها في أن يوفر لها زخماً عبر الزمن، ما قاد إلى نتائج ملموسة لاحقاً.
ركز الرئيس ريغان، خلال السنوات الأربع الأولى من حكمه على إعادة بناء الجيش الأميركي، غير أنه مع انتهاء فترة حكمه، نجح في التعجيل بنهاية الحرب الباردة وحقق، لأول مرة في التاريخ، تقليصاً في عدد الأسلحة النووية. العبرة من هذا هو أن لا يتسرع أي رئيس في حل مشكلة ما، قبل إن يضع الأسس لذلك، ويقلل من المخاطر المحتملة.
فيما يخص الرئيس باراك أوباما، فقد وضع أجندة للتغيير في منطقة الشرق الأوسط مع تحديد فترة سبع سنوات لتحقيقها، ولكي ينجح في هذا فإن عليه أن يدرس العقبات التي يمكن أن تواجه خطته دراسة متأنية ورزينة.
فعلى سبيل المثال، تصر حماس، وهي القوة المسيطرة في غزة، على تدمير إسرائيل كبديل وحيد ولا مجال هناك لأية مفاوضات. هذا التوجه من جانب حماس يعتبر من العقبات الكأداء، فكيف سيؤثر هذا على رؤية الرئيس للمنطقة؟
ينبغي على أوباما أن يركز على بناء اللبنات الأولى في السور، التي ستكون كفيلة بتحقيق استقرار دائم، وهذا يعني منع حماس من السيطرة على الضفة الغربية، وبالفعل قامت الإدارة الأميركية بدعم جهاز الأمن الفلسطيني في تلك المنطقة.
كما أن إسرائيل نجحت، بالتعاون مع قوى الأمن الفلسطيني، في إضعاف العناصر التي تهدد أمن إسرائيل والسلطة الفلسطينية كذلك. هذا التعاون يشكل بارقة أمل للمستقبل، من المنظور الأميركي.
كما أن الدعم الأميركي المستمر للفلسطينيين يمكن أن يطور البنية التحتية في المناطق الفلسطينية، ولكي تنجح الإدارة الفلسطينية في تسيير شؤون البلاد لوحدها، عليها أن تفعّل حكم القانون وتقاوم الفساد. ويمكننا أن نستقي الأمثلة من اقتصادات ناهضة، مثل كوريا الجنوبية، حيث إن عملية التغيير هناك استغرقت أكثر من عشر سنوات.
هناك خطوة أخرى مهمة ينبغي على أوباما أن يسعى لها، وهي حث الطرفين على حضور أي جولة أولى من المفاوضات المقبلة، وأن يكونا على قدر المسؤولية، فعلى امتداد أكثر من عام، لم يبد أي قائد فلسطيني، بمن في ذلك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، أي رغبة في الجلوس مع الإسرائيليين على طاولة واحدة للتفاوض، فكيف يمكن تحقيق أي تقدم إن لم يكن هناك من يحضر المفاوضات نيابة عن الجانب الفلسطيني؟
بقلم ـ روبرت ماكفرلين
