هذا الكتاب يحمد فيه النقاد لكاتبه أنه يغمس قلمه في مداد يجمع بين التعاطف مع أحوال قارة أميركا الجنوبية وبين النقد الموضوعي البنّاء لما يراه سلبياً في مسيرتها السياسية ونظمها الاقتصادية.

المؤلف الأميركي، بحكم خبرته الميدانية المباشرة بالقارة اللاتينية، عرض أوضاع السياسة هناك والعلاقة بين النظم والحكومات والعقائد الفكرية في أميركا الجنوبية وبين الولايات المتحدة إلى الشمال، مع التركيز بشكل خاص على جوانب أو بالأدق معارك النفط والإعلام وصعود عامل مستجد في سياسة القارة وهو صوت شعوب السكان الأصليين. ويقول الناقد «جيف كوهن» إن المؤلف يتابع سير زعماء أميركا اللاتينية، يعرض لما أحرزوه من شعبية دون أن يغفل ما ارتكبوه من أخطاء.يضم الكتاب 9 فصول تسبقها مقدمة مسهبة تكاد تبسط للقارئ كل طروحات الكتاب، ثم ينتهي بخاتمة تدعو دول وشعوب أميركا اللاتينية إلى ما يصفه المؤلف بأنه التحرك قدماً إلى الأمام.

أميركا الجنوبية تفتح الآن صفحة جديدة.. لكنها في المقام الأول صفحة نقدية، بمعنى أنها ليست مجرد صفحة ميسورة تتوصل إلى الحل السعيد للمشكلات.. ولكنها صفحة حافلة بالتفكير العميق والمراجعة الأمينة مع النفس والتحليل النقدي، بمعنى الانتقادي لكل ما تطورت إليه مسيرة الشعوب والزعامات والنخبة الطليعية في طول القارة اللاتينية وعرضها.

من هذا المنطلق تبدأ صفحات هذا الكتاب الذي يأخذنا فيه المؤلف عبر 248 صفحة في سياحة فكرية.. وجولة تحليلية للحياة والسياسة والفكر والتوجهات العامة في قارة أميركا الجنوبية.

وعندنا أن القارة المذكورة ينبغي أن تحتل مساحة أكبر وحيزاً أعمق من اهتمام العالم العربي: سواء بحكم التقارب إلى حد التماثل في بعض الأحيان بين أحوال الناس في الشرق الأوسط وفي وطن الأمة العربية وبين أحوال نظرائهم في قارة أميركا الجنوبية.. أو سواء من حيث أحوال اليسر والحرمان..

أو من حيث سوء توزيع الدخل والموارد في بقاع شتى من المنطقتين أو من حيث الميراث الاستعماري الذي مازالت له آثار وندوب في بنية مجتمعات المنطقتين العربية واللاتينية.. سواء كان ميراثاً بريطانياً أو فرنسياً أو إيطالياً عند العرب، أو كان ميراثاً أيبيريا ؟ إسبانيّاً بالدرجة الأولى في حالة أميركا اللاتينية.

لكن ربما تتميز «الحالة» اللاتينية بمدى التأثير العميق.. إلى حد التداخل والتشابك أحياناً الذي تمارسه الولايات المتحدة الأميركية ؟ الجار القوي إلى الشمال - في أصقاع وسياسات أميركا الجنوبية إلى درجة أن تطلق عليها أدبيات السياسة في واشنطن الوصف المأثور التالي:

هذه هي ردهتنا الجنوبية.. أو هذا هو الفناء الخلفي للولايات المتحدة.

ومنذ السطور الأولى من استهلال كتابنا يبادرنا المؤلف، الكاتب الباحث «نيكولاس كوزلوف» قائلاً بشكل مباشر:

منذ الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) ظلت الولايات المتحدة تحظى بقدر هائل من النفوذ السياسي والاقتصادي العسكري في أميركا الجنوبية..

والحاصل - يضيف المؤلف - فإن واشنطن أولت مساندتها لأفراد النخب أو أعضاء الصفوة في الجنوب - طبعاً إذا كانوا متوافقين مع سياساتها.. كما ظلت تؤازر العسكر هناك، ومن ثم أصبحت الولايات المتحدة قادرة على ضمان الحصول على الموارد الطبيعية الخام، فضلًا عن تأمين مصالحها الحيوية في تلك المنطقة.

بعدها يمضي المؤلف إلى التطرق إلى مشروعه الفكري الذي يزمع عرضه ومناقشته في فصول هذا الكتاب.

ويضيف موضحاً أنه رغم استمرار تمتع أميركا (الشمالية) بقدر من النفوذ العميق في طول القارة الجنوبية وعرضها، إلا أن كثيراً من دول القارة المذكورة - ردهتنا الخلفية كما ألمحنا ؟ شرعت الآن في تأكيد تحركها على مسار أكثر استقلالاً وتحرراً من سيطرة واشنطن.

نبادر من جانبنا، وكأنما نذّكر المؤلف بما اصطلحت عليه السياسة الأميركية تحت العنوان التالي:

مبدأ «مونرو»

هو المبدأ - المذهب، الذي تم إعلانه بالنسبة للسياسة الخارجية للولايات المتحدة بتاريخ 2 ديسمبر عام 1823 في رسالة شهيرة بعث بها إلى الكونغرس الرئيس الأميركي وقتها «جيمس مونرو» (1758 - 1831) وفيه أعلنت الرئاسة في واشنطن أن قارتي أميركا الشمالية والجنوبية لم تعودا مفتوحتين لأي سيطرة استعمارية (تأتي من الخارج عبر المحيط الأطلسي) ومن جانب القوى الأوروبية بالذات. وعليه فلن تكون واشنطن راضية عن أي تدخل يتّم في هذا المضمار.

ورغم أن مبدأ مونرو المذكور أعلاه لم يلق أي اعتراف في متون القانون الدولي، فقد أدت ممارسة الأمر الواقع إلى اعتباره إعلاناً بإطلاق يد الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي من العالم.. بوصفها القوة الأولى المهيمنة، وهو ما ظلت شعوب ودول أميركا الجنوبية تتعامل معه بقدر من التوجس والحذر الملحوظ.

طبعاً يكاد ينقضي على مبدأ - مذهب مونرو نحو 200 عام إلا قليلاً، ومن ثم تغيرت الأحوال، خاصة في القارة الجنوبية، ولدرجة حقّ معها لمؤلف هذا الكتاب أن يطرح السؤال التالي:

ترى ما هي حدود أو نطاق هذا الزلزال السياسي الذي انتشرت هزاته في كل أنحاء نصف الكرة الغربي..- وما هي أوسع وأهم الآثار المترتبة عليه؟

في نفس السياق يبادر المؤلف على سبيل الإضافة ليقول:

هذه هي التساؤلات والقضايا التي أسعى إلى تناولها والإجابة عنها في سطور هذا الكتاب.

من ناحيتنا أيضاً، تشير قراءتنا التحليلية لموضوع الكتاب إلى أنه يتناول قارة طالما شهدت ومازالت تشهد أوضاعاً سياسية شديدة التذبذب والتقلب.

يقول المؤلف: حتى الآونة الأخيرة، كانت أميركا الجنوبية تتصف دوماً بوجود ديمقراطيات غير مستقرة لا تلبث أن تطيح بها الانقلابات العسكرية.. وبعد الحرب العالمية الثانية، عمدت واشنطن إلى الدخول في تحالفات مع القوات المسلحة هناك، في إطار جهود تهدف إلى مؤازرة الحكومات اليمينية (ربما كان ذلك في إطار مكافحة المد اليساري الذي كان يسانده بدوره الغريم السوفييتي ؟ الشيوعي في موسكو).

جمهوريات الموز

في هذا الإطار.. سادت مقولات وانتشرت أوصاف كانت تصدق بصورة أو بأخرى على تلك الدول والنظم المعرّضة دوماً، سواء لديمقراطيات هشة وأحياناً شكلية، أو لانقلابات تقوم بها الطغمة العسكرية الطامعة في الحكم. والوصف البليغ هو:

جمهوريات الموز.

لكن ها هو مؤلفنا يؤكد بحكم تخصصه العميق في أحوال وتطورات أميركا اللاتينية ؟ أن هذه الصورة النمطية ؟ هذه القولبة الجامدة.. أصبحت حديثاً من التاريخ وصفحة انطوت من الماضي.

لكنه يضيف على سبيل الاحتراز في التحليل السياسي - موضحاً أن العسكر في أميركا الجنوبية مازالوا يتمتعون بقدر من النفوذ في مجتمعاتهم، إلا أن الديمقراطيات المدنية في تلك الأصقاع لم تعد تواجه سوى خطر ضئيل بأن يطاح بها من مواقع الحكم.

أكثر من هذا.. يتحول بنا المؤلف من دنيا السياسة إلى مجال الاقتصاد. يقول إن أميركا اللاتينية - في مرحلتها المستجدة الراهنة - أصبح بإمكانها أن تشكّل نموذجاً يمكن احتذاؤه من جانب دول العالم النامي - الثالث. لماذا

لأن كثيراً من نظم أميركا اللاتينية أعلنت تحديها لممارسات الاقتصاد الرأسمالي.. صحيح أنها لم تستطع إلغاء الرأسمالية ولكنها أثبتت قدرتها على رفض ومقاومة الخصائص المتطرفة للرأسمالية (التي أدت كما هو معروف لحدوث الأزمات الاقتصادية الخانقة) ونجح الكثير من نظم القارة الأميركية الجنوبية في ابتكار ترتيبات وتفعيل ممارسات اقتصادية خارج نطاق قوانين السوق المتعارف عليها في فلسفة الاقتصاد الرأسمالي.

ويضيف المؤلف لمزيد من التوضيح في هذا السياق قائلًا:

على مدار سنوات، ظلت الولايات المتحدة تسعى لإجبار دول أميركا اللاتينية على الرضوخ للسياسات التي تطلق العنان لقوانين السوق.. وظلت واشنطن سادرة في مساندة ما يسمى في ردهتها الجنوبية باسم «النيولبرالية» وهي السياسة التي تؤكد تعظيم الإفادة القصوى من موارد القارة، بما في ذلك العمال والخامات والأسواق.

وفي هذا الإطار طبقوا سياسة صندوق النقد الدولي التي ساندتها واشنطن بدورها وأطلقوا عليها الوصف الشهير الذائع من عقدي الثمانينات والتسعينات وهو: سياسة التكيف الهيكلي.

كان الهدف الأساسي هو إزالة كل العقبات بوجه دخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى أميركا اللاتينية، بما في ذلك حمْل دول القارة على توجيه معظم مواردها وبيع معظم منتوجاتها لمصلحة وحساب الاحتكارات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات والمؤسسات غير الوطنية.

الحكومات تميل يساراً

مع ذلك - وكما ألمحنا ؟ فقد تجلت مقاومة دول أميركا اللاتينية ؟ على نحو ما يؤكد كتابنا ؟ ضد هذه السياسات التي طالما دعت بإلحاح شديد إلى استبعاد أي دور تنظيمي للدولة وترك المجال مفتوحاً ؟ على البَحَري كما يقولون - لنشاط ومبادرات وفعاليات القطاع الخاص.

لقد عاودت حكومات المنطقة في السنوات القليلة الأخيرة الاضطلاع بدور ناشط ومسؤوليات فعالة في إدارة الشأن الاقتصادي لمصلحة جماهير شعوبها.

جاء ذلك في إطار ظاهرة تجلت مؤخراً بدورها، وتجسدت في اختيار حكومات تميل إلى اليسار من الناحية الفكرية أو العقائدية.. حكومات يقول عنها مؤلف الكتاب إنها بادرت إلى مساءلة كبرى شركات النفط الأميركية في بلادها وممارسة قدر من الانضباط والسيطرة على نشاطات تلك الشركات.

زد على ذلك - كما يوضح المؤلف أيضاً ؟ أنه بات مطلوباً من الشركات والمصالح الأجنبية أن تسلّم جانباً من أرباحها إلى يد الدولة اللاتينية، وفي مجالات أخرى أن تنشئ مشروعات مشتركة بينها وبين الدول التي تعمل على أراضيها.

والمهم أنه نشأ جيل جديد من مسؤولي أميركا الجنوبية أصبح بحق مَعْقداً للآمال.. ويصفه المؤلف في العبارات التالية:

ـ هو جيل من المسؤولين الوطنيين ممن يَجْمعون بين الحزم والمثالية في آن واحد، لكنهم يُجمعون في نفس الوقت على أن يضمنوا إبرام اتفاقات عادلة ونزيهة مع الشركات الأجنبية الناشطة في بلادهم كي يحصلوا على إيرادات منصفة وعوائد طائلة، ما يستلزمه التصدي لأحوال الفقر المدقع الطاحن وحالات اللامساواة التي مازال يرسف في أغلالها عشرات الملايين من مواطنيهم.

أما سر هذه القدرة المستجدة على حكومات ومسؤولي أميركا اللاتينية، فيكمن في عبارة واحدة هي: المجتمع المدني.. ذلك المزيج الجامع بين المؤسسات والروابط والجمعيات التي تنشط بين صفوف الناس العاديين، وتعبّئ هذه الصفوف بعد عقود طويلة من القهر السياسي على يد نظم وحكومات سبقت..

وخاصة حكم الديكتاتوريات العسكرية وفي مقدمتها نظام الجنرال أوغستو بينوشيه في تشيلي الذي فرض حكماً سلطوياً غاشماً باستخدام القهر المسلح على قطاعات المجتمع التشيلي..

وفي إطاره لم يتورع ذلك النظام الذي كان حاكماً في سانتياغو عن اغتيال وخطف وسجن وتعذيب وإخفاء المعارضين.. كيف لا.. وقد جاء إلى سدة الحكم في البلاد بعد اغتيال رئيسها الشرعي المنتخب ديمقراطياً وهو الزعيم اليساري المثقف سلفادور ألليندي، الذي لقي مصرعه على سلالم القصر الجمهوري في عاصمة البلاد.

ضربة 1998

على أن هذا الجدار الصلد من ديكتاتورية الحديد والدم والنار - تلقى ضربة على غير انتظار في عام ,1998. ولم تكن مصادفة أن تنشأ الضربة في فنزويلا وهي واحدة من أغنى أقطار أميركا اللاتينية بحكم كونها دولة بترولية وعضواً أصيلاً ونافذاً في منظمة الأقطار المصدرة للبترول - الأوبيك - فضلاً عن قربها النسبي من الجارة الشمالية الأكبر الولايات المتحدة التي تعتمد على بترول فنزويلا لتلبية نسبة لا يستهان بها من احتياجات الطاقة الأساسية في أميركا.

الضربة التي وقف عندها المؤلف تمثلت في فوز «هوغو شافيز» بمنصب رئيس الدولة في فنزويلا. ولقد دخل هذا الزعيم الجديد إلى قصر الرئاسة في كاراكاس تسبقه سيرة حياة جعلته أقرب ما يكون إلى أوسع قطاعات الجماهير في بلاده.

في سطور موجزة يروي مؤلف الكتاب كيف شق شافيز طريقه عبر مسيرة عرف فيها الفاقة والحرمان منذ نشأته في أسرة مدرس بسيط، وفي قرية نائية غربي فنزويلا، إلى أن دخل المعترك السياسي، بعد أن قام بتشكيل حزبه السياسي تحت عنوان: «حركة الجمهورية الخامسة»، وناضل ضد نظام الحزبين الفاسد في بلاده إلى أن فاز في انتخابات الرئاسة وقتها بنسبة 56% من أصوات الناخبين.

كانت شعاراته - وكانت وعوده تدور بالذات على محور أساسي هو: زيادة الإنفاق الاجتماعي.

بمعنى إيلاء المزيد من الاهتمام لجماهير الفقراء والمعوزين والمحرومين.

وكان من حسن طوالعه أن جاءت مسيرته الرئاسية لتواكبها عودة أسعار البترول إلى الارتفاع بعد طول انخفاض.. ومع زيادة شعبيته.. ازدادت تحدياته للولايات المتحدة وسياساتها.

الكتاب: ماذا يجري في أميركا الجنوبية؟

تأليف: نيكولاس كوزلوف

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 248 صفحة

الناشر: بلغراف - ماكميلان، نيويورك 2010