في ظل المخاوف المتصاعدة والسيناريوهات المتزايدة بشأن إمكانيات اندلاع نزاعات وحروب مختلفة على المياه، فإن السؤال الذي يطرح نفسه يدور حول مستقبل الأوضاع بين دول حوض نهر النيل في أعقاب فشل الاجتماعات الوزارية لدول الحوض في شرم الشيخ التي عقدت منتصف أبريل الجاري لبحث سبل تنظم العلاقات بين دول المجموعة فيما يتعلق بالحقوق المائية؟

وعلى خلفية فشل الاجتماعات الوزارية التي مثلت مؤشرا واضحا بشأن مدى التوتر الذي يسيطر على علاقات دول الحوض، تتزايد المخاوف من أن يصبح نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه لكل من مصر والسودان مجالا لنزاع مستقبلي ويعزز ذلك عدد من التقارير الدولية .

ومنها تقرير للإيسيسكو أشار إلى أن إدارة الأحواض المائية المشتركة تعد من أكبر التحديات التي تواجه العالم الإسلامي، بل وتشكل إحدى بؤر الصراع الدولي آنيا ومستقبلا بسبب زيادة الطلب على المياه باعتبار القرن 21 قرن «المياه الجيوسياسية».

فهل تنجح لغة محاولة السيطرة على الخلافات القائمة بين دول الحوض وإبقائها في الغرف المغلقة الأمر الذي تسيد محاولات حل مشكلة حصص المياه بين دول الحوض على مدى العقود الماضية؟

تصعيد جديد

يمكن اعتبار اجتماعات شرم الشيخ بمثابة انتهاء للنهج التفاوضي من بقية دول الحوض وبداية لطريق جديد في التعاطي مع قضية توزيع حصص نهر النيل.

فرغم أن الاجتماع يعقد في شرم الشيخ المصرية ـ وهو ما كان يفترض أن ينعكس ضمنا في لهجة مخففة تجاه الدولة المضيفة ـ إلا أن دول منابع النيل لم تجد أي حرج في إصدار بيان ختامي دون الرجوع لمصر والسودان تعلن فيه نيتها تبنى إنشاء مفوضية خاصة دون القاهرة والخرطوم يتم الإعلان عنها خلال عام ويكون دورها الاستفادة من الموارد المائية للنهر.

من ناحية أخرى وفي تأكيد على موقفها التصعيدي راحت المجموعة تؤكد أن اجتماعات شرم الشيخ تعد آخر سلسلة من المفاوضات حول الاتفاقية الإطارية للتعاون منذ بدء إطلاق المفاوضات عام 1995، وأنه لن تكون هناك مفاوضات أخرى في أديس أبابا يوليو المقبل.

وفي محاولة لتقديم إطلالة عامة على جوهر مشكلة الدولتين ـ مصر والسودان ـ مع دول المصب تتمثل في أن استغلال مياه نهر النيل يتم وفق معاهدات تاريخية أبرمت في المرحلة الاستعمارية أهمها اتفاقية .

1929والتي تضمنت النص على ألا تقوم دول المنبع بمشروعات تضر بمصالح مصر في مياه النيل الأمر الذي ترفض بقية دول الحوض الاعتراف به وتدعو إلى تغييره، وتعتبره إجحافا وقع عليها في ظل الاستعمار البريطاني، وذلك في ضوء ضغط الزيادة السكانية لدى دول الحوض وسعى بعضها لإنجاز بعض طموحات وأماني التنمية الزراعية لسد الفجوة الغذائية.

حقوق مصر التاريخية

وفي المقابل، تتمسك مصر بما تعتبره حقوقا تاريخية وحصتها الثابتة وهى 5,55 مليار متر مكعب من المياه سنويا فيما تقدر حصة السودان بنحو 18 مليار متر مكعب سنويا بمقتضى اتفاق بين الدولتين عام 1959.

ومن هنا تسعى دول الحوض إلى توقيع اتفاقية إطارية للتعاون بدون الالتفات إلى مطالب مصر والسودان، فيما تصر الدولتان على عدم توقيع الاتفاقية إلا بعد التوصل لصيغة توافقية حول بند الأمن المائي.

ويصل هذا الخلاف، والذي بلغ ذروته في شرم الشيخ، بأزمة حصص مياه دول الحوض إلى مفترق طرق، ما يفرض العمل على التوصل إلى حل يمثل اختراقا يحول دون لجوء أطراف المجموعة إلى حلول فردية قد تتصاعد إلى حد المواجهة.

ويجب أن يتجاوز هذا الحل صيغة الحلول غير الحاسمة التي جرى طرحها على مدى العقود الماضية والتي كان آخرها مبادرة حوض النيل التي جاءت بمساعدة البنك الدولي عام 1999 كمحاولة لصياغة عمل جماعي يحقق الاستفادة القصوى من مياه النيل.

غير أن متابعة تطورات القضية على مدى السنوات العشر الماضية تكشف عن أن المبادرة لم تقدم إطارا فعالا لاحتواء الوضع بين دول الحوض وأن طبيعة التفاعلات بين أطراف المبادرة اتسمت بالاستمرارية سواء لجهة التوتر أو الرغبة المشتركة في احتواء الخلاف بطرق تبعد عن الصدام.

على صعيد ما يمكن اعتباره تفاعلات صراعية يمكن رصد العديد منها بدرت من قبل دول الحوض وعلى رأسها مجموعة الدول التي تشكل ما يمكن اعتباره محورا رافضا للخصوصية المصرية أو الاعتراف باتفاقية 1929، وهى بالأساس أثيوبيا وكينيا وتنزانيا إلى جانب أوغندا.

وقد وصل الموقف الأثيوبي في هذا الخصوص إلى مرحلة الأزمة الأمر الذي عكسته تصريحات ميليس زيناوي في فبراير 2005، والتي أعرب خلالها عن غضبه مما وصفه باستمرار تحفظ السلطات المصرية على طلب دول حوض النيل استخدام مياهه في مشاريع الري الرئيسية.

ووجه سلسلة من الانتقادات اللاذعة لمصر معتبرا أن توزيع مياه النهر الحالي بين الدول المتشاطئة حول حوضه هو أي شيء غير العدل، قائلا أنه «بينما تأخذ مصر مياه النيل لتحويل الصحراء إلى رقعة خضراء فإننا في إثيوبيا المصدر لنحو 85% من هذه المياه ليس لنا الحق في استخدامها لإطعام أنفسنا ونضطر إلى التوسل كل عام».

مطالب بالتفاوض

وقد تكرر نفس الموقف من كينيا وإن بشكل آخر مختلف وفي ظل اتفاق دول الحوض على العمل بروح المبادرة وتطويرها حيث أعلنت كينيا في 11 ديسمبر 2003 نيتها في الانسحاب من معاهدة حوض النيل المبرمة عام 1929 ومرر البرلمان الكيني بيانا يطلب من الحكومة إعادة التفاوض على معاهدة حوض النيل.

ووصل الأمر إلى حد انسحاب وزيرة المياه الكينية مارثا كاروا من مؤتمر كان يعقد في اديس أبابا في نفس الفترة عائدة بشكل مفاجئ إلى بلادها رغم أنه كان من المقرر أن تصادق مع نظرائها على الوضع الراهن للمعاهدة.

وفي نفس اتجاه التصعيد والذي لم تخل منه ما يمكن اعتباره أو تسميته بسنوات المبادرة راح الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني يطالب بإنهاء احتكار مصر لمياه النيل في مؤتمر صحفي مع الرئيسين النيجيري أولوسيغون أوباسنجو والسنغالي عبد الله واد وكان من أقواله ذات الدلالة على موقف بلاده في هذا الشأن معاهدة 29 وقعتها مصر مع بريطانيا ونحن لسنا بريطانيا ومن ثم علينا الجلوس معا ووضع اتفاق جديد بشأن هذه المياه.

وفي الإطار الصراعي كذلك جاء مشروع تنزانيا لتعظيم استفادتها من مياه بحيرة فيكتوريا والذي بدأته دون التنسيق مع مصر رغم أنه كان يمكن أن يؤثر على نحو ثانوي على الكمية التي تحصل عليها مصر من مياه النيل.

وأما على صعيد التفاعلات التعاونية فإنه انطلاقا من مبادرة دول حوض النيل عقد صندوق المياه الأفريقي اجتماعا في القاهرة يونيو 2006 بحضور وزراء المياه الأفارقة .

حيث استعرضوا المشروعات المقدمة من الدول الإفريقية الأعضاء في الصندوق وعددها 45 مشروعا وتم خلال الاجتماع بحث 28 مشروعا تتمثل في الإدارة المتكاملة للموارد المائية والبنية الأساسية والمشروعات الصغيرة وتنمية الأنهار المشتركة.

كما تم البدء في دراسات وبحوث لمشروعات مشتركة بين السودان ومصر وأثيوبيا لإنشاء خزانات لتوليد الطاقة الكهربائية ومكافحة أثار الفيضانات وتنمية الأحواض المغذية لروافد نهر النيل ومشروع محطة كهرباء للدول الثلاث.

كما أنه خلال اجتماع وزاري عقد في أديس أبابا اتفقت دول الحوض على عقد اجتماعات وطنية بكل دولة من دول الحوض للتعريف بأهمية مبادرة آلية نهر النيل الجديدة، ومدى تقدم المشروعات الجاري العمل بها لصالح شعوبها لدرء أي محاولات للوقيعة بين شعوب وحكومات دول الحوض.

صيغة الوضع الراهن

وعلى هذا، وفي ضوء تصاعد حدة الموقف خلال اجتماعات شرم الشيخ، يبدو السؤال مشروعا حول المحددات التي تضبط إيقاع علاقات دول الحوض على وتيرة محددة سواء كانت صراعية أم تعاونية؟

الفرضية التي يمكن طرحها هنا تتمثل في أن دول حوض النيل تميل بشكل أو بآخر إلى الإبقاء على صيغة الوضع الراهن رغم ما قد يبدو في بعض الأحيان من أن الأمور تسير على غير هذا النحو، ورغم أن الظروف القائمة تتطلب تغيير هذا الواقع.

وعلى ذلك يمكن تفسير موجات التوتر التي تنتاب علاقات دول الحوض وهى محدودة وتتمثل بالأساس بين مصر والسودان من جانب وبقية دول الحوض من جانب آخر ـ مع ملاحظة أن السودان انضم إلى التحالف مع إثيوبيا في مواجهة مصر خلال مرحلة من المراحل ـ بأنها تعكس عوارض داخلية على مستوى دول الحوض على شاكلة مشروع لطرف قد يبدو استفزازيا لطرف آخر ما يستدعي إثارة الخلافات وهى خلافات ذات سقف محدد لا تتجاوزه في كل الأحوال.

أما السبب الثاني لموجات الخلافات بين دول الحوض فهو سبب خارجي يدفع بدول الحوض إلى إثارة المطالب المثيرة للجدل والتي تكون في غالب الأحوال وسيلة للضغط على مصر بشكل خاص.

وتبرز هنا بشكل خاص، على مستوى الخبرة التاريخية، الأدوار التي لعبتها الولايات المتحدة مع أثيوبيا خلال فترة الخمسينات والستينات وهى الفترة التي اتسمت فيها سياسات الرئيس عبد الناصر بالتحررية واتجاهه إلى إنشاء السد العالي. أما في العقدين الأخيرين فتتمثل في الأدوار التي تلعبها إسرائيل مع دول الحوض بشكل عام وأثيوبيا بشكل خاص.

وتشكل هذه التدخلات الخارجية ما يمكن اعتباره عوامل استقواء تدفع بدول الحوض إلى تجديد مطالبها القديمة بتغيير الوضع الراهن القائم على حق مصر والسودان في الاعتراض على أي مشروع تقيمه أي دولة من دول الحوض حال تأثيرها على حجم المتدفق إليها من مياه النهر، بل ووصل الأمر إلى حد إثارة طروحات أخرى تتجاوز تلك المطالب تتعلق ببيع مياه النيل.

وفي إطار توضيح الرؤية التي نذهب إليها نشير إلى طبيعة وحدود التدخل الأميركي في هذه القضية على سبيل المثال نذكر التصريح الذي تطوع مسئول أميركي هو آرون ساليزبرغ مسئول إدارة قضايا المياه في الخارجية الأميركية بتقديمه.

ويتمثل في اقتراح بتخزين مياه النيل في أثيوبيا بدلا من بحيرة ناصر معتبرا أن جهود مصر في تخزين مياه النيل بالبحيرة يؤدي إلى ضياع 25% من مياه النيل بسبب التبخر وأنه سيكون من الأفضل والأكثر فعالية تخزين المياه في المرتفعات الأثيوبية الأكثر برودة لتوفير مياه أكثر للجميع وأن مصر هي المستهلك الأساسي لمياه النيل على الرغم من أن منشأ هذه المياه أماكن أخرى هي المرتفعات الأثيوبية والأوغندية.

ويكشف الاقتراح عن نوايا أميركية لصالح أثيوبيا مكافأة لها على الدور الذي تلعبه في القرن الأفريقي، وتنبع حساسيته من أنه كان يأتي قبل أيام من اجتماع لدول حوض النيل الشرقي ـ مصر وأثيوبيا ومصر.

الدور الإسرائيلي

ورغم تحفظنا على مبالغة البعض في تناول بعض أبعاد هذه القضية إلا أن التحفظ يجب ألا يجعلنا نغفل عن حقيقة دور القوى الخارجية دون التهويل بشأنه.

وهنا ومع التأكيد على إمكانية بل ونجاح مصر فعليا في التعاطي مع قضية مياه النيل حتى اللحظة، إلا أنه لا يجب أن ننسى مساعي إسرائيل للحصول على كمية من مياه النهر، وهو تفكير لا ينبع من إيغال في نظرية المؤامرة كما قد يصور البعض وإنما تشير إليه عدة حقائق.

وفي ذلك يشار إلى الضغوط الإسرائيلية بغرض الحصول على مياه النيل لري النقب الشمالي مما يسمح بالتوسع في أعمال الاستيطان وتزعم إسرائيل أن كميات ضئيلة من المياه (5.% إلى 1%) من الاستهلاك لا تشكل عنصرا مهما في الميزان المائي المصري مدعية أنه ما دامت مصر تعمل بالفعل على نقل المياه إلى سيناء فإن نقل المياه لإسرائيل هو مجرد توسعة لشبكة المياه المصرية في سيناء.

وأن فوائد المشروع ليست موجهة للإسرائيليين فقط بل يمكن استفادة الفلسطينيين منها ومن الناحية المادية فإن نقل مياه النيل إلى النقب أقل كلفة من تزويده بمياه بحيرة طبرية التي يمكن أن تحول مياهها إلى الضفة الغربية.

تحركات مطلوبة

لا يعني ذلك أن مصر والسودان ودول الحوض يجب أن تترك مستقبل القضية رهناً بإرادة قوى خارجية سواء أكانت دولية أم إقليمية، وهو ما يؤكد أنه ينبغي على دول الحوض إدراك أن السبيل الوحيد لتجاوز أزمة ندرة المياه في المستقبل الذي قد يكون قريبا هو التعاون.

الأمر الذي تكرس السياسة المصرية جانبا كبيرا من نشاطها لتحقيقه، ومتابعة تفصيلية لهذا الأمر تكشف عن حزمة مصرية كبيرة لمشروعات التعاون مع دول حوض النيل من أجل الاستغلال الأمثل لمياهه في ضوء الرؤية المصرية القائمة على أن تأمين موارد المياه يعد أحد التحديات المباشرة للأمن القومي المصري وهو ما يفرض على صانع القرار المصري الاحتفاظ بعلاقات وطيدة واتصالات مباشرة مع كافة دول الحوض.

وهنا فإن جوهر التصور المصري لمواجهة الأزمة يقوم على مستويين أحدهما داخلي يتمثل في تقليل فواقد استخدام المياه في مصر والثاني التطوير المشترك للموارد المائية لنهر النيل بين دول الحوض وتقليل الفواقد في أعاليه.

في ضوء القناعة المصرية بوجود ضرورة وإمكانات لتحقيق نوع من التعاون والتنسيق الوظيفي بين دول حوض نهر النيل فمن خلال انجاز بعض المشاريع المشتركة تستطيع مصر أن تحصل على كميات إضافية من المياه بينما يحصل بعض دول حوض النيل على كميات إضافية من الطاقة النظيفة والرخيصة.

ولكي يثمر مثل هذا التعاون لا بد من أن يستند إلى عدد من الأسس والمبادئ التي تحكمه والى الأجهزة والمؤسسات التي تتولى تنفيذه وإدارته ومن أهم أسس التعاون خلق منافع متبادلة لمختلف دول حوض النهر من أي مشروعات مشتركة للتعاون والتنسيق وأن يأتي التعاون الإقليمي في شأن مثل هذه المشروعات في إطار استراتيجيات أكبر للتعاون والتنسيق بين هذه الدول في المجالات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية والثقافية والسياسية وما يرتبط بذلك من مشروعات للبنية الأساسية.

بمعنى آخر يجب النظر لموضوع مياه نهر النيل من منظار أشمل بحيث يكون المحور الذي تتمركز حوله أنشطة مختلفة في جميع المجالات التنموية كالنقل والمواصلات وتوليد الكهرباء واستصلاح الأراضي والتوسع الصناعي وإن كانت تبقى رغم ذلك مشكلة التمويل .

حيث أن تنفيذ مشاريع مشتركة للتعاون الإقليمي يتطلب أموالا هائلة ونظرا إلى ضعف الإمكانات المادية لدول الحوض فإن البديل الوحيد المتاح أمامها هو الحصول على موارد خارجية وهذا الأمر ليس بالسهل إذ يحتاج مفاوضات طويلة مع أجهزة ومؤسسات التمويل الدولية لإقناعها بالمساهمة في تمويل مشروعات مشتركة .

ويعد عدم الاستقرار السياسي في المنطقة عاملا معرقلا للحصول على مساعدات خارجية لذلك فإن التعاون الإقليمي بين دول الحوض بحاجة إلى قوة دفع كبيرة تحول من تعاون على الورق إلى تعاون حقيقي على أرض الواقع فضلا عن إيجاد بعض المؤسسات المشتركة التي تنظم هذا التعاون وتديره.

اشتباك التقاسم العادل مع التعاون اللازمد

بين الحين والآخر تتفجر أزمة حصص المياه بين دول حوض النيل على النحو الذي تلوح معه نذر الخطر، وإن كانت النظرة المتأنية تكشف عما يمكن اعتباره منحنى متعرج للتعاطي مع الأزمة، ما يجعلنا نؤكد أن الخلافات التي تأخذ المنحى الصراعي إنما تمثل عرضا وليس جوهر العلاقات بين دول حوض النيل، الأمر الذي يعززه العديد من المظاهر منها:

ا ـ ميزان القوى بين دول الحوض ومصر، فهناك إدراك لدى هذه الدول بأن هذا الميزان خاصة على الصعيد العسكري لا يميل لصالحها بأي حال من الأحوال، وهو ما تعمل معه على تجنب نوع من المواجهة العسكرية قد تكون هي الخاسرة فيها.

فضلا عن المشاكل العديدة التي تواجهها هذه الدول على صعيد الوضع الداخلي حيث إن من سمات اقتصاد دول الحوض وجود عجز مزمن وهيكلي في موازين مدفوعات هذا الدول وارتفاع حجم المديونية الخارجية لهذه الدول إلى الناتج الإجمالي لها، مع انخفاض معدلات التنمية الاقتصادية كنتيجة حتمية لظروف الاقتتال والنزاعات الإثنية على مستوى الدول وعلى المستوى الداخلي.

فضلا عن أنه على الصعيد المصري هناك رغبة في تجنب المواجهة باعتبار جبهة دول حوض النيل ليست هي الجبهة الرئيسية للصراع، وإن لم يمنع ذلك قيادات مصرية مختلفة من التلويح بخيار الحرب على شاكلة تلك المواقف التي عبر عنها الرئيس الراحل أنور السادات والمشير طنطاوي وزير الدفاع.

وينعكس هذا الإدراك المشترك في الرغبة في تجنب تصاعد أي مواجهة إلى مستوى التلاسن الذي يصحبه احتمالات باندلاع مواجهة عسكرية، وهو الأمر الذي يصب في التحليل الأخير في القبول بالوضع الراهن.

ب ـ من ناحية ثانية فإن دول حوض النيل تدرك أن المشكلة ليست في استغلال مصر والسودان للجزء الرئيسي والأكبر من مياه النيل، وإنما تكمن في سوء استغلال مياه النيل من قبل هذه الدول ذاتها، اذا وضعنا في الاعتبار أن حجم المياه المتساقطة سنويا على منابع النيل يبلغ 1600 مليار متر مكعب سنويا، فيما لا يتم استخدام سوى نحو 4% من مياه النيل وهناك 96% من هذه المياه لا يتم استخدامها.

وفي ذلك يشار إلى أن هناك فقدا في مياه نهر الكونغو يقدر بنحو 100 مليار متر مكعب سنويا يذهب إلى المحيط وهو ما يتجاوز الحصة التي تحصل عليها مصر والسودان مشتركتين.

وعلى ذلك فإن المشكلة إنما تتلخص في أن دول الحوض لا يتوافر لها الإمكانية للقيام بالاستثمارات المطلوبة لتمويل مشروعات استغلال مياه النيل، وهو ما يعني أن الحديث عن احتكار مصر والسودان لمياه النيل إنما يعكس منطقا مغلوطا رغم ما قد يبدو عليه من صحة في الظاهر.

وهنا يشار إلى أن الاستثمارات المطلوبة لمشروعات المياه على مستوى العالم تقدر بنحو 280 مليار دولار في حين أن المتاح فعليا هو 80 مليار وهو ما يكشف عن التباين الكبير بين الإمكانيات المالية المطلوبة للاستغلال الأمثل للمياه والمتاح بالفعل.

وعلى ذلك فإن الأولوية بشأن مياه نهر النيل يجب أن توجه إلى بحث كيفية التعاون للاستفادة من موارد النهر المهدرة وليس إلى إعادة النظر في تقسيم الحصص المائية.

وحسب تصريحات لوزير الري المصري السابق فإن التقاسم العادل يعني التعاون فيما بين دول الحوض لتنفيذ مشروعات تخدم أهدافها المشتركة وتضمن توزيعا عادلا ومنصفا لموارد المياه.

مصطفى عبد الرازق