على الرغم من أن العراق نجح في تحقيق تقدم سياسي، خلال السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يزال متأخراً في قدرته السياسية على استيعاب الانقسامات الطائفية والعرقية، ولا يزال عاجزاً عن تحقيق تمثيل ملائم لكل المجموعات الدينية والعرقية، وعن توفير ظروف تمهد لحوكمة فعالة.

وعلى الرغم من نجاح الانتخابات الوطنية في مارس من العام الجاري، عندما تحدى ثلثا الشعب العراقي تهديدات العنف وانطلقوا بقوة للتصويت، وبالأخص من جانب السنة والأكراد، فإنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بمقدور العراق تشكيل حكومة تحالف وطني تتمتع بالاستقرار. وحتى لو كان العراق ناجحاً، فإنه لا يزال بحاجة لسنوات لكي يتمكن مسؤولوه المنتخبون من تطوير آليات فعّالة لحكم رشيد.

وعلى الرغم من اللغط الذي يدور هنا وهناك حول أن الانتخابات الأخيرة تغلبت على الطائفية في العراق، إلا أن البرلمان الجديد يحمل بصمة الانقسام، كما كان في الماضي وأكثر، وقلما تختفي في جنباته الخلافات الطائفية، وهذا يبدو جلياً، بشكل خاص، في استبعاد أكثر من 500 مرشح من الانتخابات الوطنية معظمهم من السنة أو العلمانيين الأعضاء في الكتلة العراقية بقيادة إياد علاوي.

أضف إلى هذا أنه وعلى الرغم من أن الحزبين الرئيسين في الانتخابات كانا أكثر علمانية من الأحزاب الرئيسة في عام 2005، إلا أن الكثير من العراقيين صوتوا لصالح توجهات عرقية وطائفية. لقد أثرت تلك الضبابية السياسية المتعلقة بتكوين التحالفات على الوضع الأمني في العراق، وفتحت المجال أمام ما يعرف باسم «دولة العراق» و«تنظيم القاعدة» للقيام بهجمات كبيرة ضد الوزارات الحكومية وضد التجمعات المدنية، فيما يشبه الهجمات التي أعقبت انتخابات 2005.

وانشغل المسؤولون بتأمين حمايتهم الشخصية، بدلاً من تأمين الحماية للشعب العراقي. ولا توجد حتى الآن إشارة واضحة إلا أن تلك الهجمات ستولد جولة جديدة من العنف الطائفي، لكن إن عجزت الحكومة العراقية عن حماية المدنيين، فربما سيعمد الناس إلى تشكيل ميليشيات لحماية أنفسهم.

يركز الغرب على الانتخابات، باعتبارها مصدراً للشرعية والاستقرار، لكن الحقيقة قد تكون مختلفة، فالعراق الآن يعاني من آلية حكم ضعيفة، وربما سيكون بحاجة إلى عشر سنوات لينجح في تحقيق معايير رصينة للحكم. لكن حتى ذلك الحين فلا نعلم ما هو مستوى الحكم الذي قد يوافق العراقيون على تحمله خلال السنوات المقبلة، خاصة إن عُرفت الحكومة بالفساد، وعجزت عن تحقيق الاحتياجات الأساسية، أو فضلت منطقة على أخرى، لأهداف طائفية معينة، أو عجزت عن تمويل نفسها من عائدات النفط أو العائدات الأخرى.

بالتالي فإن نتيجة الانتخابات الحالية أقل أهمية من السنوات التي ستليها، حين ستثبت الحكومة إن كانت قادرة على تحييد الاتجاهات الطائفية ووضعها جانباً أم لا، وذلك من أجل تطوير الحكم وتحقيق احتياجات الشعب. وقد حدد الخبراء الأميركيون مجموعة من المخاطر ستتزامن مع فترة تشكيل الحكومة التي تلي الانتخابات، ومع الانسحاب الأميركي من العراق، ومع الفترة التي ستشهد زيادة كبيرة في عائدات النفط، التي ستغطي تكاليف إعادة الإعمار وزيادة. وهذه المخاطر تشتمل على الآتي:

* يفضل جيران العراق وجود حكومة عراقية ضعيفة من أجل استمرار التدخل في شؤونها وزعزعتها.

* النقاشات الدائرة حول قانون الانتخابات، واجتثاث البعث قد تؤديان إلى تشويه سمعة الانتخابات في أوساط العراقيين.

* محاولات تسجيل المواقف والخطابات، سواء قبل أو بعد الانتخابات، قد يكون لها تأثيرها على تدمير العلاقات بين المجموعات المختلفة، وتؤدي إلى حدوث اضطرابات واسعة.

* فقدان مجلس النواب للثقة في اللجنة العليا للانتخابات.

* التأخير في تشكيل الحكومة، الذي قد يؤدي إلى نشوء مجموعات تحاول الطعن في النتائج والتشكيك باللجنة العليا للانتخابات، وقد يؤدي ذلك إلى عجز السنة عن الحصول على حصة معقولة من الحكومة الجديدة ويعلنون انسحابهم.

* عجز التحالف الفائز في الحكومة الجديدة عن اتخاذ القرارات وتنفيذها بسبب تفرق كلمته.

* محاولة الحكومة الجديدة كسر مركزية السلطات في المناطق المختلفة، متجاهلة التوازن الذي نصت عليه الاتفاقات الوطنية.

* عجز المجلس النيابي عن طرح إصلاحات اقتصادية وقانونية، مثل العجز عن استقطاب الاستثمارات المختلفة، ما قد يؤدي إلى تزايد البطالة، وسهولة استقطاب أعضاء المليشيات السابقة، الذين تم إطلاق سراحهم، من جانب جهات مختلفة.

* ارتفاع وتيرة العنف، ما قد يؤدي إلى فقدان المدنيين الثقة بالأجهزة الأمنية.

* انسحاب التحالف الكردستاني من المفاوضات المتعلقة بتوزيع مصادر النفط.

صحيح أن العراق قد ينجح في التعامل مع كل التحديات السابقة بمرور الوقت، غير أنه لا يوجد أفق واحتمالية كبيرة لأن تحقق انتخابات 2010 الاستقرار والأمن بطرفة عين، بل إن الأمر على الأرجح سيحتاج لسنوات من الكد والحظ. نجاح الانتخابات مهم جداً، لكنها ليست إلا وسيلة للحوكمة الفعالة والسياسة التي تستوعب جميع الأطراف.

الانتخابات ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة للوصول إلى حكومة فعالة قادرة على الحكم المتزن. وحتى لو نجح رئيس الوزراء نوري المالكي، أو أي من القادة الآخرين في تشكيل تحالف يسلمون من خلاله الوزراء والمسؤولين المناصب المختلفة في السلطة، فإن العديد من المناصب في الحكومة العراقية ستتغير، وسيحتاج المسؤولون الجدد إلى الانتظار لأشهر حتى يصير بمقدورهم تقلد مناصبهم، أما المسؤولين القدامى فسيحتاجون أيضاً لفترة من الزمن حتى يتعرفوا على مستوى سلطتهم وتأثيرهم في الحكومة الجديدة.

وفي أحسن الأحوال، فسيحتاج المسؤولون المنتخبون لفترة شهر إلى شهرين حتى يستطيعوا تشكيل ائتلاف حاكم، وشهور عديدة أخرى، حتى يستطيعوا تعيين المسؤولين الرفيعين في مناصبهم بشكل رسمي، وتسيير عربة الحكومة. إذن يمكن القول إن المسؤولين والوزراء الجدد بحاجة ل6 أشهر إلى 12 شهراً حتى يطوروا المهارات والعلاقات اللازمة للعمل معاً وتحمل مسؤولياتهم.

وفي أسوأ الظروف، فإن الحكومة العراقية الجديدة لن تتشكل إلا بعد مضي شهور عديدة أكثر من المتوقع، وبالتالي فإنها لن تكون قادرة على الحكم بالشكل الرصين المأمول منها، أو أن تنجح في كسب دعم الأطياف العراقية المختلفة.

باحث بارز

ولد أنتوني كوردسمان في شيكاغو عام 1939، وحصل على البكالوريوس من جامعة شيكاغو. ثم حصل على درجة الماجستير من كلية فيتشر للقانون والدبلوماسية، ودرجة الدكتوراة في بريطانيا من جامعة لندن وجامعة هول. ويشغل كوردسمان حالياً مرتبة أستاذ كرسي أرليغ بورك في الشؤون الاستراتيجية بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى جانب عمله محللاً عسكريًّا لشبكة أخبار «إيه بي سي». وقد برزت تحليلاته إبان حرب الخليج 1990، وعمليات «ثعلب الصحراء»، والصراع في البوسنة، والصومال، وكوسوفو، والحرب في أفغانستان، والحرب الأخيرة في العراق.

بقلم ـ أنطوني كوردسمان ترجمة : يوسف جباعته