التدابير المحكومة بمنظومة الاتفاقيتين النقدية والتجارية (بريتن وودس / الجات)، وكذا مؤسستي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتنمية توازتا مع رؤية مغايرة تبناه الاتحاد السوفييتي السابق ودول المنظومة الاشتراكية التي شكلت بمجملها تحدياً أساسياً لتعميم نظرات ومنطلقات الاقتصاد الرأسمالي، واستمر هذا الحال طوال سنوات الحرب الباردة، حيث تاقت دول التحالف الشرقي إلى سوق داخلية بينية متواشجة، ورؤية مغايرة لنظام إصدار العملة، وفلسفة اقتصادية داخلية اتّسمت بدرجه كبيرة من الجمود والمركزية، الأمر الذي جعل الآليات الرأسمالية للاقتصاد الحر أكثر حيوية وقدرة على حسم الأمور لصالحه.

لقد كانت السياسات الاقتصادية العقيمة لدول المنظومة الاشتراكية سبباً جوهرياً في انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، مما فتح الباب لتجدد فكرة اقتصاد السوق المفتوح، والتنافس، وكسر الاحتكار، والاعتداد بدور الدولة كضامن للمعيارية النقدية والمالية، وغيره من متكآت استند إليها دوماً نظام اقتصاد السوق الحر. هذه المرة كان لابد أن تشمل الفكرة كل العالم، وهذا ما جرى ويجري بانتظام صاعد.

لعل تجربة الصين هي الاستثناء الوحيد من القاعدة التي بلورت المحورين العالميين في التجارة الدولية، فقد سارت الصين على درب النظام الاشتراكي في المستوى السياسي، لكنها اختارت طريق الاقتصاد الرأسمالي بعد أن مهدت له طويلاً، ابتداءً من اتفاقياتها الخاصة مع كبريات الشركات العالمية العابرة للقارات في سبعينيات القرن المنصرم، ثم حرصها اللاحق على إدخال بيئات عمل وإنتاج أكثر حيوية، وتبنيها لمشروع المناطق الحرة في المدن الساحلية وخاصة «شنغهاي»، وأخيراً وليس آخراً اتساقها الكبير مع أنظمة المال والتجارة الدولية من خلال تعويم العملة والأسعار.

تستحق التجربة الصينية وقفة متأنية، لأنها جمعت بين أفضليات الرأسمالية والاشتراكية، ونسجت اقتصاداً هجيناً يسمح بتعايش الأنساق الثقافية والاقتصادية على قاعدة تغليب المصلحة العليا والتخلي عن الجمود الستاليني، والأخذ بديناميكية الاقتصاد الحر، وعدم اختلاق جدل عقيم بين الايديولوجيا والمصلحة الاقتصادية، واستناداً إلى كل ما سبق تحوّلت الصين إلى لاعب كبير في التجارة الدولية، وأصبحت تُنافس العالم في أسواق المواد الشعبية، وسجلت مؤشرات ايجابية في ميزانيات التبادل التجاري مع الغير بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية.

معالم عالم جديد

بنهاية الحرب الباردة بدأت معالم العالم لجديد تتبلور، وكانت المنطلقات من ذات الاتفاقيات والمؤسسات الدولية التي اشرنا إليها في بداية المقال، وتحركت الولايات المتحدة قدما باتجاه تفعيل الاتفاقيات النقدية والتجارية الدولية، وأسهمت بقدر وافر في تعميم روشتات الإصلاح المالي والإداري في بلدان المعسكر الاشتراكي السابق والبلدان النامية على وجه العموم، وأصبح تطبيق اتفاقية التجارة والتعرفة الجمركية (الجات) أصلاً في التبادلات التجارية الدولية.

تنص الاتفاقية على تحرير الاقتصاديات التجارية، ورفع الحواجز الجمركية، والأخذ بفكرة الأسواق والبحار والأجواء المفتوحة، واعتبار أن التنافس العالمي الحر هو الأساس في العلاقات التجارية الدولية.ومن المؤكد أن لهذه الاتفاقية، بالإضافة إلى منظومة المؤسسات الدولية الراعية للاقتصاد العالمي آثارا ايجابية وأخرى سلبية نذكر البعض منها:

تحرير التجارة الدولية لابد أن يكون لصالح البلدان الصناعية التي تتوفر على أفضليات إنتاجية وحيوية اقتصادية تساعدها عل اختراق أسواق البلدان ضعيفة النمو، كما تنطوي على معايير غير منصفة للصغار، فالمبارزة الحرة بين الصغار والكبار لابد أن يكون لصالح الاقتصاديات العملاقة بالمعاني التقنية والكمية.

دول المشروع الرأسمالي مهيأة تاريخيا وبيئيا لخوض هذا المعترك من خلال الشفافية السياسية والبنية المؤسسية واضحة المعالم ومرجعية الدولة، ووضوح القوانين، مما يعظّم من ميزاتها النسبية في سوق التبادل، فيما الدول النامية والفقيرة غير مهيأة لتلك المنافسة، لأنها تقع على النقيض تماما من حيث الضعف المؤسسي، وغياب الشفافية، وانتشار الفساد، وضبابية المرجعيات القانونية والنظامية، والمركزيات الشديدة في الحياة الإدارية والاقتصادية والسياسية.

ولهذا السبب بالذات تنقلب نصائح صندوق النقد الدولي وبالاً على تلك الدول لأن البيئة السياسية والاقتصادية ليست مؤهلة لاستيعاب آفاق الرؤية والممارسة المرتبطتين بالإصلاح على طريق الاقتصاد الحر، وهذا ما يفسر لنا الانكسارات المتوالية لاقتصاديات تلك الدول، والاحتقانات المجتمعية في كثرة كاثرة من البلدان العربية نورد منها مثالاً لا حصراً مصر واليمن والسودان.

إن الأخذ بتدابير الاقتصاد الحر يتطلب بيئة قانونية وإدارية مغايرة للسائد في أغلب البلدان العربية والنامية، تمهيدا للوصول إلى نوع من التمثّل العملي لمؤشرات السياسات النقدية والاستثمارية الجديدة، وبالمقابل فإن تطبيق نظرات ومنطلقات اتفاقية (الجات) تتطلب المزيد والمزيد من الإصلاحات الهيكلية في اقتصاديات تلك البلدان.

من التجارة إلى البنوك

إذا اعتبرنا العملة مستودعا للقيمة بحسب التعريفات الإجرائية، فإن البنوك هي مستودع المستودعات لتلك القيم المادية والروحية، لأنها الحاضن الأكبر للعملة، وهي مناطق التصريف الحيوي للعوامل التجارية والاستثمارية، كما أنها الملاعب الواسعة للعلاقات التجارية والاقتصادية والاستثمارية البينية والمتعددة.

وإذا كانت الاقتصاديات الداخلية للعديد من بلدان العالم المتباعدة عن المنظومة الرأسمالية الدولية تعاني الأمرين من ماراثون اللحاق بالكبار، فإن مصارف وبنوك تلك البلدان ستعاني كذلك وبالضرورة، فالأصل أن الإصلاح المالي والاقتصادي الشامل سينعكس على أداء تلك البنوك وقابلياتها للنماء ولعب أدوار كبيرة في الاقتصاديات الداخلية للبلدان الصغيرة والمتوسطة.

لقد ثبت بالتجربة ان استمرار بعض البلدان في تدوير الحياة العامة وفق منطلقات ومرجعيات الماضي، من شأنه أن يحيل الاتفاقيات الدولية للتجارة والتعرفة إلى سبب لمزيد من انحسار الطبقات الوسطى وتزايد الفقر والمظالم الاجتماعية، وصولاً إلى القلاقل الداخلية.

ومن المحزن حقاً أن العديد من دول العمق الديمغرافي العربي مازالت تراوح في مكانها من حيث الصلة بتلك الاتفاقيات. أي أنها لا تستوعب عمليا ضرورة توازي الأخذ بمنطلقات ومقاربات الروشتات الدولية بإجراء تغييرات هيكلية في آليات الأداء والتسيير باتجاه كبح الاحتكارات، وتشجيع الإنتاج، والتخلي المنهجي عن المركزيات والبيروقراطية، ذلك أن النظام الشمولي يكون ارحم بكثير من النظام الذي يأخذ بمنطلقات التجارة الدولية الجديدة فيما يظل مقيما في متاهة ماضيه المتحجر.

نموذج الإمارات

بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة كان المنطلق الأساس الذي اعتمد على صيغة الدولة الاتحادية اللامركزية مقدمة حقيقية للنماء والتطور، سواء لجهة الحيوية المستمرة في الاقتصاد المحلي، أو القدرة على المشاركة الدولية في عوامل النماء والتطور، ولهذا السبب كانت العملة الإماراتية ومازالت ثابتة القيمة، والتضخم غير وارد بالمرة فيما النمو الاقتصادي يستمر بذات الوتيرة الصاعدة.

إن مثل هذه المقدمات ساعدت على أن تتمثّل الإمارات جملة المعايير والاتفاقيات الدولية الخاصة بالتجارة والتعرفة الجمركية دونما قلق أو صعوبات، فالأصل أن اقتصاد الإمارات أصبح شريكا فعليا في الاقتصاديات الإقليمية والدولية محققا النجاحات المتواصلة، لأنه امتلك معايير ومقومات عديدة كانت في جملتها سببا حقيقيا في تميز الإمارات عن كامل الدول العربية، واستنادها إلى أسس متينة، والقدرة على التماهي الايجابي مع نظرات وروشتات الاقتصاد التجاري والاستثماري العالمي الذي يستمد منطلقاته من بريتن وودس والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي واتفاقية التجارية والتعرفة الجمركية العالمية.

اقتصاد الإمارات

حقق اقتصاد الإمارات نجاحات متواصلة بسبب اعتماده على المعايير التالية:

* اللامركزية الناجزة، ما يجعل بيئة التفاعل والتنافس لصالح النمو العام.

* سيادة المعيارية التفاعلية التي سمحت بالامتداد الأفقي والنماء الرأسي.

* توسع قاعدة الخدمات والبنى التحتية، مما حول الدولة إلى اكبر منطقة إعادة تصدير في الإقليم برمته.

* خلو الدولة من ظواهر المركزية الإدارية والمالية التي ناءت بكلكلها على اغلب البلدان العربية ودول الجوار الجغرافي، الأمر الذي سمح بأفضليات مطلقة لاقتصاديات الإمارات.

* ثقة العالم الخارجي بالبيئة المحلية الإماراتية، بوصفها بيئة جاذبة تقدم الكثير من الميزات الإدارية والاستثمارية المضمونة.

من بريتن وودز إلى الجات

الحرب العالمية الثانية كانت الفيصل في الرؤية الجديدة للتجارة الدولية، فقد تداعى الحلفاء الغربيون إلى قرية (بريتن وودز) بالولايات المتحدة لوضع ملامح العالم الجديد من خلال اتفاقية النقد الدولي المغايرة لمألوف العلاقات النقدية التي كانت قبل الحرب، فالاتفاقية الجديدة استبدلت الأدوار الحاسمة لبنوك الإصدار للعملات بدور الدولة المهيمن فعليا على تلك البنوك المركزية.

وبالتالي جاءت فكرة سلة العملات الصعبة كتعبير عن التحالف المتين بين دول المعسكر الغربي أو الرأسمالي، وكان لابد لهذا التحالف أن ينسجم مع المكانة المركزية للولايات المتحدة بوصفها أكبر الدول وأقوى الاقتصاديات، وكان لابد أيضاً أن يتربع الدولار في صدر العملات الصعبة الخاصة بالحلفاء الغربيين.

مهدت اتفاقية «بريتن وودز» للتجارة العالمية لما بعد الحرب العالمية الثانية، وسادت في بلدان أوروبا والولايات المتحدة وكندا واستراليا وكل الدول التي كانت تعوم في ذات الأفلاك المالية والتجارية، ولعبت تلك الاتفاقية دوراً كبيراً في تنشيط التبادل التجاري الدولي عطفاً على فلسفة العُملة الجديدة التي لم تكن معياريتها قائمة على ما تحتفظ به بنوك الإصدار من سبائك ذهبية، بل على ضمان ومكانة اقتصاد الدولة المصدرة للعملة.

تلك العملية سمحت بتدفق مالي واستثماري هائل، فالإصدارات الجديدة من العملات الوطنية لدول الاتفاقية لم تكن تنتظر إشارة خضراء من مستودعات السبائك الذهبية كما كان الحال قبل الحرب، بل كان يكفي ضمانة الدولة المعنوية، وبالتالي فإن الثقة المتبادلة بين سلة العملات الصعبة أسهمت في تدوير عجلة التجارة الدولية بصورة متزايدة، وأصبحت بورصة العملات هي ترمومتر التبادل المعياري، باعتبار أن العملة العالمية إنما هي وسيلة ائتمان ومخزن قيمة متحرك بحسب حركة البورصة العالمية.

لقد دشّنت اتفاقية «بريتن وودز» عهداً عالمياً جديداً للتجارة والتبادلات النقدية والاستثمارية، كما أسهمت في الحراك الاستثماري الهائل لمشاريع إعادة البناء والتطوير في أوروبا وخاصة مشروع مارشال الشهير.

وبالتوازي مع الاتفاقية تم إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتنمية بوصفهما المؤسستين الدوليتين الضامنتين لتطبيق الرؤية التجارية والمالية العالمية الجديدة، ثم جاءت اتفاقية التجارة والتعرفة الجمركية (الجات) كيما تضفي على منظومة المؤسسات المالية والاستثمارية الدولية بُعداً تجارياً وجمركياً ساده تحرير التجارات البينية، وتنمية فرص التبادل القائم على المزايا النسبية، وإيجاد منظومات من المُحفزات الأساسية لتسيير التجارة الدولية.

د. عمر عبد العزيز - رئيس قسم الدراسات والبحوث بدائرة الإعلام والثقافة بالشارقة