يعرف كثير من المحللين والعسكريين الإسرائيليين السلاح النووي، الذي تملكه دولتهم، بأنه سلاح يوم الآخرة («القيامة»)، بالنظر إلى التداعيات الكارثية التي يمكن أن تنتج عن استخدام هكذا سلاح.

معلوم أن البرنامج النووي الإسرائيلي ابتدأ في خمسينات القرن الماضي، بمبادرة من رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه ديفيد بن غوريون، وبإشراف مباشر من شمعون بيريز (كان مديراً عاماً لوزارة الدفاع وقتها)، وبمساعدة أساسية من فرنسا. وثمة معلومات تفيد بأن إسرائيل أقامت عام 1958 مفاعلاً للبحوث النووية في منطقة ديمونه (يخضع لرقابة أميركية).

وبعد عامين، أقامت بمساعدة الحكومة الفرنسية قرية للأبحاث النووية في ديمونه، مدعية (في حينه) بأنه مجرد مصنع للنسيج؛ رافضة إخضاعه لرقابة دولية. وثمة في إسرائيل الآن أربع منشآت نووية مركزية ضمنها مفاعلان نوويان في ديمونه وناحل سوريك، وفي قاعدة سلاح الجو في سدوت ميخا أو «منشأة تيروش».

تسريب معلومات

وفي قاعدة «تل نوف». عدا عن كل ذلك فمن المعلوم أن إسرائيل تمتلك ترسانة من الصواريخ حاملة الرؤوس النووية. مع كل ذلك فقد تعمدت إسرائيل انتهاج سياسة «الغموض النووي»، التي مفادها عدم الإفصاح عن برامجها النووية.

وعدم التصريح بحيازتها أسلحة نووية، وهو ما ترجمته في عدم الاشتراك في المعاهدة الدولية للحد من التسلح النووي؛ وتم لها ذلك بالتوافق أساسا مع الولايات المتحدة الأميركية، مبررة ذلك باعتبارها دولة محاطة بسياج من الدول المعادية.

لكن إسرائيل، ومع انتهاجها سياسة الغموض هذه انتهجت سياسة أخرى، قوامها تسريب معلومات (بطريقة محدودة وانتقائية) عن حيازتها لأسلحة نووية، بغرض ردع الدول العربية، والظهور بمظهر الدولة المتفوقة عسكريا على جوارها، والقادرة على هزمها، في حال حاولت تهديدها أو مهاجمتها.

ولعل هذا يفسّر، بين أسباب أخرى، سعي إسرائيل للتحريض على إيران، وتشكيل نوع من الائتلاف الدولي ضدها، بهدف تحجيم طموحاتها النووية، حيث ان ولادة قوة نووية أخرى في الشرق الأوسط، تنهي احتكارها للسلاح النووي في هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم، وتقوض قدرتها على الردع، فضلا عن انها تحمل في مضامينها مخاطر وجودية بالنسبة لها.هكذا باتت إسرائيل.

نتنياهو يتهرب

في هذه المرحلة، في وضع صعب ومعقد، ذلك أن سعي إدارة اوباما لوضع حد للطموحات النووية (العسكرية) المفترضة لإيران، يضعها في قلب المشكلة. فمن غير المقبول على كثير من دول العالم، وعلى الدول الصديقة للولايات المتحدة (لاسيما في الشرق الأوسط)، الحديث عن نزع التسلح النووي، والانخراط في ائتلاف لتحجيم طموحات إيران النووية، في وضع تحتكر فيه إسرائيل هكذا تسلح في المنطقة، مرسّخة عبره احتلالها لأراض فلسطينية وعربية.

وكما شهدنا فقد تملّص نتنياهو من حضور المؤتمر المخصص للأمن الدولي النووي، والذي دعا إليه الرئيس الأميركي اوباما، وحضره عشرات رؤساء الدول، بدعوى تفويت الفرصة على عديد من قادة الدول فتح ملف إسرائيل النووي، وإلزامها بوقف سياسة الغموض في هذا المجال.

وأيضا التملص من الاحتكاك مع الرئيس اوباما، الذي ينتظر منه إجابات عن الأسئلة التي طرحها عليه، بشأن حث عملية التسوية مع الفلسطينيين، إبان زيارته الأخيرة لواشنطن؛ وخصوصا في ظل الاضطراب والتوتر الذي يشوب العلاقة بين الطرفين. وبالنتيجة فقد شاركت إسرائيل في المؤتمر المذكور بوفد ترأسه الوزير دان مريدور.

مخاوف تل ابيب

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد فثمة خبراء إسرائيليون يعتقدون بأن حكومة نتنياهو تدرك أنه بعد إقرار السياسة النووية الأميركية الجديدة، وتوقيع معاهدة تقليص الأسلحة النووية الثانية مع روسيا، سيأتي دور إسرائيل. وبحسب يوسي ميلمان (مراسل أمني لصحيفة «هآرتس» في واشنطن) فإن مخاوف إسرائيل لا تكمن في القمة النووية بذاتها.

وإنما في الخوف الإسرائيلي من السياسة النووية الأميركية الجديدة الرامية إلى تقليص الأسلحة النووية على الصعيد العالمي. وبرأيه «من الوهم التفكير بأن سياسة تقليص السلاح النووي في العالم، وصولاً إلى التفكيك التام (حتى لو كان ذلك مجرد نبوءة)، لن تصل في نهاية المطاف إلى إسرائيل أيضا».

وكتب أن دولاً عديدة، وليست فقط عربية، تتساءل عن مغزى سياسة الكيل بمكيالين وعن سبب الاهتمام بإيران وتجاهل إسرائيل. فوق ذلك فقد دعا ميلمان إسرائيل، وبناء على التغييرات الدولية، لإعادة النظر في سياسة الغموض النووي والاستعداد للتعامل مع مطلب أميركي بشأن القدرة النووية. («هآرتس»، 13/4) على أية حال فإن الرئيس اوباما لم يبدد مخاوف إسرائيل هذه وإنما أكدها بقوله:

«حين نتحدث عن إسرائيل أو أي دولة أخرى، نعتقد أن الانضمام إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة مهم. انه ليس موقفاً جديداً.. انه رأي الحكومة الأميركية حتى قبل إدارتي». بمعنى أن الملف النووي هو ملف آخر تجد إسرائيل نفسها فيه محشورة في مواجهة مع الإدارة الأميركية.

ماجد كيالي