خلال مسيرته الطويلة، واجه المشروع الاتحادي الأوروبي تحديات واستحقاقات كثيرة. بعضها كان من العيار الثقيل. مثل العملة الموحدة. تغلّب على معظمها. وما استعصى منها، قام بحركة التفاف حولها وتجاوزها.
مثل دستور الاتحاد، الذي استعاض عن رفضه في أكثر من استفتاء؛ باتفاقية برشلونه. لكن مع انفجار أزمة ديون اليونان، تكشفت شقوق في جداره ورخاوة في ركائزه. بدت على تماسكه أعراض ضعف.
خلفها، بانت بقايا رواسب استعلائية وانعزالية قوية، لا تزال كامنة وفاعلة؛ في الجسم الأوروبي. كان الاعتقاد بأنها في طريقها إلى التلاشي.
أو في أقله، أنها تقزّمت؛ مع ترسّخ الصرح الاتحادي وشموخ بنيانه. بيد أن الوضع لم يكن كذلك تماماً. التعاطي مع الأزمة، استحضرها وبصورة تهدّد بزعزعة البناء. في أحسن الأحوال، تركت علامات استفهام حول تماسكه. كما أثارت تساؤلات حول قدرته على احتواء أزمات أخرى، من هذا النوع والحجم. وربما أكبر منه. خاصة وأن مثلها يطل اليوم برأسه، في القارة؛ وقد يتحول إلى يونان أخرى أو ما يشبه. من البرتغال إلى اسبانيا وربما إيطاليا.
صحيح أن قطار المشروع الأوروبي، ما زال على سكّته. تراكماته وصمامات أمانه، فضلاً عن معطياته المتجذرة إلى حدّ بعيد؛ لم تفقد قدرتها على استيعاب الصدمات.
لكن الصحيح أيضاً، أن مسيرته التكاملية تخلخلت. هي مسربلة بالكثير من الكوابح . والأزمة زادت من انكشاف المعوقات في طريقها والتي قد تهدّد استكمالها لباقي محطاتها.
منذ أن انفتح ملف مديونية اليونان، في سبتمبر الماضي؛ والردود الأوروبية تتراوح بين الغموض ونفض اليد. الخلافات، كانت السمة البارزة. خاصة وأن الأرقام فلكية، نسبياً. العجز في الموازنة للعام الفائت، بلغ أربعة أضعاف الحد المسموح به في منطقة اليورو. وهو 3% من إجمالي الدخل الوطني.
مجموع الدين العام،300 مليار يورو. ما يمثل بين 113 و 125% من مجمل الناتج المحلي الإجمالي. في حين لا ينبغي أن يتجاوز 60%، كحد أقصى، من هذا الناتج. ومنذ ذلك الحين والقضية تجرجر وتتفاعل، مع كل ما رافقها من هبوط واضطراب في الأسواق. فضلاً عن البلبلة التي أثارها، في عملية البحث عن الحلول. المديونية غير اعتيادية.
والعبء كبير على اليونان. والأخطر، ترك هذا الأخير يواجه الانكسار. الخوف كان من مفاعيل دومينو يوناني؛ في منطقة اليورو. لكن التوافق تعذر، الانقسام كان سيد الساحة في بلدان اليورو. والملفت أن الأغنى مثل المانيا، تزعم الفريق الثاني. إصرار هذه الأخيرة على وجوب استعانة اليونان بصندوق النقد الدولي، لتوفير القرض اللازمة لإنقاذه؛ كشف عن وجود أزمة في مدار اليورو. فوراء الموقف الألماني، لاحت الاعتبارات الوطنية الصرفة؛ واحتلالها الأولوية التامة على كل ما عداها.
ألمانيا أولاً. ثم تأتي بعدها منظومة العملة الأوروبية الموحدة ومصالحها. خطاب ماركيل،لا يخطئ؛ في هذا الخصوص. وهي التي تدرك أن إحالة الأمر إلى الصندوق، له انعكاسات سلبية على مكانة اليورو ووزنه.
ناهيك بالانعكاسات المماثلة،على وضع الاتحاد الأوروبي ككل. مع ذلك لم تتزحزح إلى أبعد من حل وسط؛ قضى بإدخال الصندوق على الخط. ولو بنصف ما قدمته دول اليورو من ضمانات لقروض، بمبلغ 40 مليار دولار، لليونان.
الحل الأوروبي، المطعّم بصندوق النقد؛ لم يتم التوصل إليه إلاّ بشقّ الأنفس. كان أقصى ما يمكن التوافق حوله؛ في ضوء تضارب المواقف. خاصة بين الثنائي الأغنى، فرنسا وألمانيا.
كلاهما أولويته في اتجاه مضاد للآخر. الخلاف الحاد، كشف عن كوامن دفينة. الرئيس ساركوزي، في عزّ الجدل حول هذا الملف؛ يقول «الألمان لم يتغيروا». أحد الباحثين الألمان، يرد بأن «هناك مع الفرنسيين ما يفرقنا أكثر مما يجمعنا».اتهام المانيا بالتعالي، تطاير من أكثر من صوب؛ خلال الأزمة.
ما بدا من تباين وتراشق وغياب للإجماع؛ في أول اختبار حقيقي تتعرض له منطقة اليورو؛ يعيد التصويب إلى خلل مزدوج: عدم وجود سياسة أوروبية اقتصادية واحدة. أو على الأقل متقاطعة. ثم عدم وجود قرار سياسي أوروبي موحد، حتى الآن.
وطالما بقي الدستور الأوروبي مفقود، فلن يكون بمقدور الجسم الأوروبي الخروج من دائرة التعايش الصعب، بل الخطير؛ بين الحصانة التي اكتسبها والأعطاب الكامنة فيه.
فكتور شلهوب
