يكتسب موضوع المياه أهمية خاصة في الوطن العربي بالنظر لمحدودية المتاح منها لمياه الشرب وطبقاً للمؤشر الذي يعتبر أن أي بلد يقل فيه متوسط نصيب الفرد من المياه سنوياً عن 1000- 2000 متر مكعب يعتبر بلداً يعاني من ندرة مائية، وبناءً على ذلك فان 13 بلداً عربياً تقع ضمن فئة البلدان ذات الندرة المائية.
وهذه الندرة في المياه تتفاقم باستمرار بسبب زيادة معدلات النمو السكاني العالية. ويوضح تقرير البنك الدولي لسنة 2002 ان متوسط نصيب الفرد السنوي من الموارد المائية المتجددة والقابلة للتجدد في الوطن العربي (مع استبعاد مخزون المياه الكامنة في باطن الأرض) سيصل إلى 667 مترا مكعبا في سنة 2025 بعدما كان 3430 مترا مكعبا في سنة 1960، أي بانخفاض بنسبة 80%.
درجة الأزمة
أما معدل موارد المياه المتجددة سنوياً في المنطقة العربية فيبلغ حوالي 350 مليار متر مكعب، وتغطي نسبة 35% منها عن طريق تدفقات الأنهار القادمة من خارج المنطقة، إذ يأتي عن طريق نهر النيل 56 مليار متر مكعب.
وعن طريق نهر الفرات 25 مليار متر مكعب، وعن طريق نهر دجلة وفروعه 38 مليار متر مكعب. وتحصل الزراعة المروية على نصيب الأسد من موارد المياه في العالم العربي، حيث تستحوذ في المتوسط على 88، مقابل 9, 6% للاستخدام المنزلي، و1, 5% للقطاع الصناعي.
وقد حدد معهد الموارد العالمية منطقة الشرق الأوسط بالمنطقة التي بلغ فيها عجز المياه درجة الأزمة، وأصبحت قضية سياسية بارزة، خاصة على امتداد أحواض الأنهار الدولية.
وكما نبه العديد من المفكرين والكتاب العرب إلى ان على الدول العربية وضع موضوع تنمية الموارد المائية والمحافظة عليها في الأولوية القصوى عند وضع استراتيجيتها الأمنية، ويجب ان يكون موضوع «الأمن المائي» على رأس قائمة الأولويات، وذلك بسبب قلة الموارد المائية التقليدية، مما يستدعي العمل الجاد على المحافظة على هذه الموارد ومحاولة تنميتها وكذلك إيجاد موارد مائية جديدة.
وخصوصاً ان معظم منابع الأنهار من دول غير عربية مما لا يعطيها صفة المورد الآمن، كما ان المياه الجوفية، في اغلب الدول العربية، محدودة ومعظمها غير متجدد (ناضب) لعدم توفر موارد طبيعية متجددة كالأمطار تقوم على تغذية هذه المكامن وتزيد من مواردها.
لذلك يجب أن ينصب اهتمام القائمين على إدارة الموارد المائية على المحافظة على موارد المياه الجوفية وزيادة كمياتها، بل وتحسين نوعيتها واعتبارها مخزونا استراتيجيا في مكامن آمنة.
ولا شك أن قضية الماء تعتبر من أخطر القضايا ـ إن لم تكن بالفعل أخطر قضايانا الداخلية كلها ـ قضية تفرض نفسها على كثير من حاضرنا ومستقبلنا، ولا بد أن نولى قضية الماء ما تستحقها من عناية واهتمام ورعاية.
وأن نوفيها حقها من البحث والدراسة العميقة الشاملة ووضع التخطيط السليم الواعي للحفاظ عليها ورعايتها وتنميتها وحسن استمرارها واستغلالها الاستغلال الأمثل ونبدأ مباشرةً وبدون تباطؤ في تنفيذ البرامج العلمية الجادة لتنفيذ ذلك كله على أن يكون التنفيذ بجدية وحسم شديد وبلا ثغرات من أي نوع.
وفي كافة المجالات وعلى أن يكون المنطلق الأساسي هو الاقتصاد في المياه من خلال حملة قومية كبرى يكون شعارها الأول ونقطة بدايتها: الحفاظ على كل قطرة ماء، وشعارها الثاني هو تنمية مواردنا المائية، وشعارها الثالث هو تقنيات وسلوكيات جديدة للإنتاج والاستهلاك المائي.
وسيكون مستقبل الجنس البشري والكائنات الأخرى عرضة للخطر ما لم تتحقق تحسينات أساسية في إدارة موارد كوكب الأرض المائية فالماء هو المكون الأول لكوكب الأرض ولما عليه من إنسان وحيوان وطير ونبات، ولعله من أثمن الموارد التي أنعم الله به على الإنسان، وبدون الماء فلا حياة للإنسان ولا لسائر الكائنات الحية.
ولا خضرة ولا غذاء ويسود الجدب والجفاف والتصحر هذا الكوكب.. من هنا يجب ان يحظى الماء باهتمام الإنسان وتقديره، فيسعى للحفاظ على الخزانات المائية الطبيعية ويصون نقاءه إلا أن ما يحدث بكل أسف هو العكس مما يهدد البشرية كلها بالخطر.
الماء والحضارة
والماء ليس فقط هو أساس الحياة وأساس الغذاء للإنسان، بل هو أساس الحضارة للمجتمعات، فالماء كان أساس الزراعة التي كانت أساس الاستقرار وتكوين المجتمعات البشرية التي صنعت الحضارات الإنسانية عبر التاريخ، من هنا ارتبطت الحضارات القديمة بمواقع مائية معينة، نشأت أعرق وأشهر الحضارات الإنسانية على ضفاف الأنهار مثل حضارات بين النهرين في العراق، والحضارة المصرية، بل إن الماء هو أساس الوطنية والشعور بالانتماء إذ ان غالبية سكان الوطن العربي قديما كانوا من الفلاحين حول الأنهار .
ومن الرعاة عبر الصحراء، ويرتبط الفلاح العربي بالماء والأرض ارتباطا وثيقاً كعلاقة المصري والسوداني بالنيل والعراقي والسوري بالفرات وعرفت الزراعة في الوطن العربي منذ عصور سحيقة ولقد نسي العرب في غمرة خلافاتهم ومشاكلهم السياسية أموراً جوهرية عديدة تحكم المستقبل العربي وتتحكم فيه.
وعلى رأس هذه الأمور التنمية الاقتصادية، فساد في فترة من الفترات مبدأ الاعتماد على الخارج في توريد ما يأكل العرب وما يلبس العرب، ولم لا وقد تدفقت أموال النفط في أيديهم وأصبحت أنظارهم نادرا ما تنظر إلى مستقبل الثروة الاستراتيجية الحيوية الناضبة؟
وبينما تجرى الدراسات في مراكز الأبحاث الغربية عن المياه في المنطقة منذ عشرات السنين لم نتنبه نحن أن هناك مشكلة إلا بعد وقوع المشكلة، فبدأت المنظمات العربية تنشئ لجانا لدراسة الموضوع والبحث عن حل للمعضلة التي تهدد مستقبلها.
تنسيق وتكامل
وليس أمامنا غير توحيد الجهود العربية عبر خطط استراتيجية مشتركة لتأمين موارد جديدة للمياه ببدائل جديدة تعتمد على ما وهبنا الله من طاقات وموارد طبيعية مثل اعتماد الطاقة الشمسية لتحلية مياه البحر من السواحل العربية الطويلة الممتدة على البحرين الأبيض والأحمر وعلى الخليج العربي والمحيطين الأطلسي والهندي.
ونترك الكلام ونتجه إلى الفعل، فالدول العربية إقليم جغرافي ممتد ومتكامل حباه الله بمقومات الدولة الواحدة القوية فلنكن على مستوى التاريخ والجغرافيا ولنبدأ بتنسيق السياسات وتكامل الخطط وإزالة العوائق.
هذا هو الطريق ذو الاتجاه الواحد الذي يقودنا إلى أن نصبح على خريطة العالم، أما البديل فهو بلدان متخلفة تابعة لا تملك من قرارها شيئا ولا لمستقبلها مسلكا وما مشكلة المياه في العالم العربي إلا نموذجاً معبراً عن كل شيء في هذه المنطقة الغريبة والمليئة بالمتناقضات فغداً يغرب زمان النفط وتبقى مشكلة الماء.
سبب الحروب
ويحذر السياسيون والمراقبون من أن المياه ستتقدم على النفط وقد أصبحت هي المادة الاستراتيجية الأكثر حيوية المسببة للصراعات والحروب الدولية في العقود المقبلة خصوصا في منطقة الشرق الأوسط وفقاً لتحليل دوائر سياسية عالمية، خاصة ان اغلب الأقطار العربية لا تملك السيطرة الكاملة على منابع مياهها.
فإثيوبيا وتركيا وكينيا وأوغندا وزائير هي بلدان تتحكم بحوالي 60% من منابع الموارد المائية للوطن العربي. ويدور الحديث الآن حول ارتباط السلام في الشرق الأوسط بالمياه بعد اغتصاب إسرائيل لمعظم نصيب دول الطوق العربي من المياه. كما ان بعض الدول أخذت تتبنى اقتراحاً خطيراً للغاية يتمثل في محاولات إقناع المجتمع الدولي بتطبيق اقتراح تسعير المياه، وبالتالي بيع المياه الدولية.
ويقع على رأس هذه الدول تركيا وإسرائيل. والأخطر من ذلك تبني بعض المنظمات الدولية (كالبنك الدولي ومنظمة الفاو) لتلك الاقتراحات، متناسية حقيقة الارتباط الوثيق بين الأمن المائي والأمن الغذائي من جهة، والأمن القومي العربي من جهة أخرى.
ثلاثة تحديات
وفي كلمة الأمين العام السابق للجامعة العربية الدكتور عصمت عبد المجيد في مؤتمر الأمن المائي في القاهرة جاء: «إن قضية المياه في الوطن العربي تكتسب أهمية خاصة نظراً لطبيعة الموقع الاستراتيجي للأمة العربية.
حيث تقع منابع حوالي 60% من الموارد المائية خارج الأراضي العربية، مما يجعلها خاضعة لسيطرة دول غير عربية، وما يزيد الأمر تعقيداً يكمن فيما يعانيه الوطن العربي من فقر مائي يصل في وقت قريب إلى حد الخطر مع تزايد الكثافة السكانية وعمليات التنمية المتواصلة».
وذكر عبد المجيد ثلاثة تحديات على العرب مواجهتها لحل مشكلة المياه وهي:
أولا: قضية مياه نهري دجلة والفرات وكيفية حل ما هو قائم حالياً بين تركيا وسوريا والعراق من جهة، وبين كل من سوريا والعراق من جهة أخرى.
ثانياً: مطامع إسرائيل التي اتهمها باستخدام المياه كعنصر أساسي في الصراع العربي الإسرائيلي، حيث تشكل المياه أحد أهم عناصر الاستراتيجية الإسرائيلية سياسياً وعسكرياً وذلك لارتباطها بخططها التوسعية والاستيطانية في الأراضي العربية. وتشمل تلك الأطماع في الموارد المائية العربية نهر الأردن وروافده ونهر اليرموك وينابيع المياه في الجولان وانهار الليطاني والحاصباني والوزاني في لبنان. إضافة إلى سرقة إسرائيل للمياه الجوفية في الضفة الغربية وقطاع غزة لمصلحة مستوطناتها الاستعمارية.
ثالثاً: كيفية مواجهة مخاطر الشح المتزايد في مصادر المياه العربية والمترافقة مع التزايد السكاني والتي تتطلب مواجهتها بذل الجهود العربية المشتركة سياسياً واقتصادياً وعلمياً، من اجل تحديد الأولويات في توزيع الموارد المائية وترشيد استثمارها، بالإضافة إلى تنمية الوعي البيئي لمخاطر التلوث، وتطوير التقنيات المستخدمة والاعتماد على الأساليب التكنولوجية الحديثة في الري ومعالجة التصحر ومشروعات تكرير وتحلية المياه التي سوف تشهد المرحلة المقبلة تزايداً على استخدامها واستثمارها.
ثم جدد الدكتور عبد المجيد الدعوة لعقد «قمة عربية بشأن المياه لدراسة جميع الجوانب المتعلقة بالأمن المائي العربي».
المياه.. الموت أو الحياة
يكفي أن ننظر الآن إلى السجال والحوار الدائر بين مصر والسودان العربيتين من جهة وبقية دول حوض النيل الأفريقية في الاجتماعات الأخيرة بالإسكندرية وشرم الشيخ لحل مشكلة توزيع حصص مياه النيل بين دول الحوض..
ويكفي أن نتابع المفاوضات التي تواصلها سوريا والعراق مع تركيا وإيران بحثا عن حلول لأزمات المياه التي يعانيها العرب، لندرك أن تأمين موارد المياه أصبح مشكلة تبحث عن الحل، وهو ما يشير إلى أهمية تأمين علاقات صحية وصحيحة مع جميع دول الجوار الإسلامية والأفريقية.
ويكفي لنتذكر أن أول مؤتمر للقمة العربية بالقاهرة بدعوة من الزعيم العربي جمال عبد الناصر عام 1964 كان موضوعه الرئيسي حماية مياه نهر الأردن تأمينا للمياه العربية من السرقة الإسرائيلية.
من هنا تظل قضية الأمن المائي في وطن من الأوطان هي القضية الحيوية والمصيرية الأولى في الحياة الإنسانية، وتبقى المسألة الاستراتيجية الأولى للتنمية الوطنية، لأنها الأساس الحقيقي للأمن الغذائي، والأساس العضوي للأمن الطاقي، ذلك بأن الماء هو أساس الحياة بكل جوانبها الإنسانية والحيوانية والزراعية وبالتالي هو أساس إنتاج الغذاء، بل وأساس إنتاج الطاقة.
لذلك كله، تبدو قضية تأمين المياه في الوطن العربي هي القضية الأكثر مصيرية باعتبار أن المياه مسألة حيوية وتنموية واستراتيجية بما يجعل الأمن المائي بلا شك هو الأساس الحقيقي للأمن الوطني ولأمن القومي العربي، لذا يلزم العمل الجاد لتقليل الفجوة بين الموارد المائية العربية القليلة والمتناقصة والاحتياجات الإنسانية والزراعية المتزايدة المطلوبة من المياه.
وتتمثل المسألة المائية في العالم العربي أساسا إضافة إلى تناقص الموارد وتزايد الاحتياجات في جانبين أساسيين، الأول، هو أن المصادر الرئيسية للمياه العربية وهي الأنهار تنبع من منابع غير عربية بما يشكل نوعا من التهديد لضمان استمرارها أو لزيادة حجمها، والثاني هو جفاف المنطقة العربية في عمومها وندرة نصيبها من الموارد المائية العالمية بالنظر إلى نصيبها من المساحة الأرضية والنسبة السكانية.
ويزيد من إشكاليات هذه المسألة بما يجعل منها معادلات صعبة، الاتجاه لزيادة حجم عمليات التنمية، مما يترتب عليه زيادة الطلب العربي على المياه مع محدودية الموارد المائية نتيجة للزيادة السكانية وبالتالي لزيادة الطلب على الغذاء مع تناقص الموارد المائية اللازمة للتوسع الزراعي، وزيادة معدلات استهلاك المياه مع ارتفاع معدلات التنمية في ظل ضعف أجهزة إدارة المياه وحمايتها وقلة الاعتمادات المالية اللازمة لتنمية الموارد المائية وكلفة البحث عن موارد مائية جديدة.
ممدوح طه -كاتب مصري
