جرى في البرازيل في منتصف أبريل اللقاء الرسمي لزعماء البرازيل وروسيا والهند والصين ، وهذه هي القمة الثانية لمجموعة بريك ..وصرح الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف للصحفيين في ختام القمة في البرازيل ، بأن محادثات زعماء بلدان البريك كانت مكثفة جدا ، حيث أنها تحولت إلى ساحة لاتخاذ قرارات محددة، وحسب قوله، فان المحادثات أكدت على أن التعاون في إطار هذه المجموعة يتطور في كل الاتجاهات.

وتم في ختام القمة التوقيع على مذكرة بشأن التعاون بين المؤسسات المالية لدول المجموعة، وتطوير ودعم تصدير بلدان «بريك» ، وتنص المذكرة على التفاعل بين المؤسسات المالية في مسائل تمويل المشاريع، بما في ذلك في مجال التكنولوجيا الرفيعة، والابتكارات، والطاقة.

قضايا مشتركة

وفي البرازيل اتفقت الدول الأربعة على تحديد منطلقات مشتركة لإزالة آثار الأزمة الاقتصادية وإصلاح مؤسسات الإدارة العالمية، كما ناقشوا مسائل متعلقة بإصلاح النظام المالي العالمي إضافة إلى الوضع في مجال الطاقة العالمية.

ويؤكد المراقبون أن المجتمع الدولي سيأخذ نتائج هذه المناقشات بعين الاعتبار، وباهتمام بالغ، خاصة وان هذه الدول الأربع تتمتع بوضع لا بأس به في ظل الأزمة المالية العالمية التي تعاني منها معظم دول العالم، الأمر الذي يعني أن هذه الدول الأربع تستطيع أن تتخذ من القرارات ما يمكن أن يفيد أو حتى يؤثر على آخرين حسب اتجاهات هذه القرارات.

وهناك الكثيرون الذين يتشككون في نوايا هذه الدول الأربعة، خاصة في الغرب وواشنطن وأيضا في اليابان في الشرق الأقصى، خاصة وأن هذه الدول الأربع قد برهنت على أنها قادرة على مواجهة الهزات الاقتصادية.

وقبيل قمة برازيليا أعلن نائب وزير الخارجية الصيني تسوي تيانكاي أن تبادل الآراء في إطار (بريك) يتيح فرصة سماع صوت هذه البلدان. وقال إن بحث المسائل من قبل بلدان (بريك) التي تعود إليها أكبر أسواق العالم النامية يتسم بأهمية بالغة في الظروف الراهنة التي لا يوجد فيها بعد أساس يركن إليه للتغلب على الأزمة.

وفكرته هذه يشاطرها مساعد الرئيس الروسي آركادي دفوركوفيتش الذي قال: نمت بلداننا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بوتائر أسرع من الاقتصاد العالمي.

وهذا يجمع بيننا، إضافة إلى أن كل بلداننا لم تبلغ حتى الآن مستوى البلدان المتطورة. ويعني ذلك أن أمامنا مهام متشابهة مرتبطة بتنمية الاقتصاد وتحديث التكنولوجيات وتطوير المجال الاجتماعي. وأكد أركادي دفوركين أن أوجه الشبه بين أولويات بلدان (بريك) تحدد إمكانيات التعاون. وبوسعنا بفضل التعاون أن نحقق بشكل أسرع تلك المهام التي وضعناها نصب أعيننا. وأضاف أن الأزمة عززت إدراك شركائنا أن رفاهيتهم ترتهن لحد كبير بنشاطات بلدان (بريك).

مبادرة روسية

روسيا التي كانت منذ البداية صاحبة المبادرة في تأسيس مجموعة «بريك» لم تسع لجعلها مجموعة منافسة لأحد ولا ضد أحد، وذلك بحكم عولمة مسائل التنمية والأمن العالمي التي أصبحت تحمل كل دولة في العالم مسؤوليتها على اعتبار سائر الدول بما فيها تلك التي لا تنتمي إلى (بريك) شركاء لها وليسوا منافسين.

وليس بإمكانها أن يعيش بعضها بمعزل عن بعضها الآخر، خاصة وأن هناك في الغرب وواشنطن من دعا إلى إزاحة روسيا من مجموعة الثمانية الكبار واتهموها بأنها متآمرة مع الدول الثلاثة الأخرى في مجموعة « بريك» ضد الدول الصناعية السبعة الكبرى.

لكن منطق الدبلوماسية الروسية في السنوات الأخيرة تدفع روسيا إلى فهم أن المشاركة في نشاطات كلتا المجموعتين على جانب كبير من الأهمية بالنسبة لها، وأنها لا تفكر على الإطلاق بالإضرار بمصالح أحد ولا تمييز أحد على أحد لأسباب سياسية بعيدة عن واقع التعاملات الاقتصادية.

وثمة عدة اتجاهات إضافة إلى المجال المالي والاقتصادي يمكنها أن تجعلها (بريك) رئيسية في تعاونها، وقد أشار الرئيس الروسي دميتري مدفيديف إلى الآفاق الرحبة للتعاون في مجال الطاقة النووية وصناعة الطائرات واستثمار الفضاء الكوني والنانوتكنولوجيات، ويرى الزعيم الصيني هو جين تاو أن مواصلة تعميق التعاون بين دول (بريك) ترتدي أهمية قصوى في مواجهتها لتحديات عالمية.

ولا يقصد هنا الاقتصاد وإزالة آثار الأزمة العالمية فحسب، بل وضرورة إيجاد موقف مشترك من التصدي للإرهاب والتطرف، ومثل هذا الموقف الشمولي والمتفق عليه إزاء أهم قضايا عصرنا من شأنه أن يعطي زخما لتحويل (بريك) إلى منتدى سياسي.

ويمكنه أن يغدو مركزا مهما من مراكز الاقتصاد والسياسة العالمية لأنه من نصيب البلدان المشاركة فيها حوالي 15 بالمائة من الناتج العالمي الإجمالي. وزاد إسهامها في تنمية الاقتصاد العالمي على 50 بالمائة. أما عدد سكان بلدان (بريك) الإجمالي فيشكل حوالي نصف سكان الكرة الأرضية.

منظمة مستقلة

وتمتلك دول «بريك» في الوقت الحاضر نسبة 8% من الموارد الاقتصادية العالمية وتوجد فيها نسبة 45% من الأيدي العاملة في المعمورة. وبلغت نسبة تشغيل السكان القادرين على العمل في هذه الدول نحو 70%. أما الناتج المحلي الإجمالي فيها فيبلغ 15 تريليون دولار أميركي، مما يعادل نسبة 25% من الناتج الإجمالي العالمي.

وقد جرى في عام 2008 أول لقاء بين وزراء خارجية دول «بريك» في مدينة يكاترينبورغ الروسية. واجتمع وزراء مالية هذه الدول في مدينة سان باولو البرازيلية.

وعقدت أول لقاء على المستوى الأعلى لزعماء دول «بريك» في يوليو عام 2008، وذلك في جزيرة هوكايدو اليابانية حيث اجتمعت آنذاك قمة «الثماني الكبرى»، واتفق رؤساء الدول الأربعة على مواصلة التنسيق في أكثر القضايا الاقتصادية العالمية آنية، بما فيها التعاون في المجال المالي وحل المسألة الغذائية.ولا يعتبر«بريك» حاليا مجرد لفظ مختصر. ويمكن توقع أن تتحول هذه المجموعة إلى منظمة دولية كبرى نظرا لكثرة اللقاءات والاتصالات بين الدول المذكورة.

وشهدت مدينة يكاتيرينبورغ الروسية يوم الثلاثاء 16 يونيو عام 2009 ، قمة مجموعة «بريك» الاقتصادية التي جمعت زعماء الدول الأربعة والتي بحثت سبل تطوير التعاون بين هذه الدول في ظل الأزمة المالية العالمية.

وقد انعقدت القمة الأخيرة في منتصف أبريل الجاري في برازيليا تحت شعار «تعزيز التنسيق السياسي من خلال بوابة التعاون الاقتصادي»، وهو الشعار الذي أثار قلق وشكوك دوائر غربية كثيرة، خاصة في واشنطن.

حيث بدا منه أن الدول الأربع تنوي ممارسة السياسة بجانب الاقتصاد، الأمر الذي من المتوقع معه حدوث صدامات مع دول الغرب الصناعية الكبرى واليابان أيضا، هذه الدول التي ظلت توجهاتهم السياسية على مدى نصف قرن مضى تهيمن على الكثير من توجهاتهم الاقتصادية، وقد جاءت توقعات الدوائر الغربية في محلها.

حيث ناقشت قمة « بريك » في البرازيل إلى جانب المواضيع المالية والاقتصادية مواضيع أخرى مختلفة على رأسها التسويات الشرق الأوسطية، ومكافحة الإرهاب الدولي، والملف النووي الإيراني، والتغيرات المناخية، والأوضاع في هايتي، وغيرها من القضايا السياسية التي تختلف فيها وجهات نظر دول « بريك » الأربعة عن توجهات الدول الغربية الصناعية الكبرى، وخاصة واشنطن، الأمر الذي ينبئ بصدام قادم بين « بريك » و «السبعة الكبار».

وحسب دراسات معهد بحوث التنمية الاجتماعية الاوراسية في بكين فان دول البريك يمكنها أن تتجاوز الأزمة العالمية قبل الدول المتقدمة الكبرى. بل وأن تقود الاقتصاد العالمي بشكل فعال بعد انتهاء الأزمة.

الأربعة الجدد قادمون

ظهرت تسمية (بريك) في نوفمبر سنة 2001 حين عبر كبير اقتصاديي البنك الاستثماري الأميركي (جولدمان ساكس) جيم أونيل لأول مرة عن رأيه بأن اقتصاديات البرازيل وروسيا والهند والصين سوف تتفوق نحو سنة 2050 من حيث حجمها على اقتصاديات الدول الكبرى السبع، وبعد مرور عشر سنوات اندلعت الأزمة المالية العالمية التي أكدت افتراض الخبير.

فقد تغلبت بلدان (بريك) على الركود وأصبحت تنمو بسرعة، مما أعطى المحللين مسوغات للافتراض بأن النظام المالي العالمي سوف يتحول قريبا. وأصبح البعض يتنبأ بزعامة (بريك) العالمية نحو سنة 2030.

وجدير بالذكر أن هذه الدول الأربع الصين وروسيا والهند والبرازيل هي دول كبيرة ومهمة في العالم من حيث عدد السكان الذي يقترب من نصف عدد سكان الأرض، ومساحة الأراضي الواسعة، والثروات الطبيعية الهائلة، والطاقة الإنتاجية الجبارة.

وكذلك هي دول كبرى صاعدة ومهمة في وقتنا الحاضر الذي يمر فيه العالم بمرحلة الخروج من حقبة هيمنة القطب الأوحد التي بدأت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي، ولم تكد مرحلة القطب الواحد تختتم عقدها الثاني حتى ضربت الولايات المتحدة أزمة مالية كبيرة مازالت مستمرة منذ عامين وسوف يكون لها ؟

حسب تقديرات الخبراء- أثار بالغة السوء على الاقتصاد الأمريكي و العالمي أيضا، وفي الوقت الذي تمتد فيه تداعيات الأزمة المالية العالمية إلى مختلف دول العالم نجدها تضرب في الصميم اقتصاديات الدول الأوروبية قبل غيرها باعتبارها الأقرب والأكثر تعاملا مع الأسواق المالية و البورصات في الولايات المتحدة الأميركية.

وفي هذا المناخ العالمي تأتي مجموعة الدول الأربعة « بريك» وهي حالة نمو سريع لاقتصادياتها وإنتاجها البالغ 15% من إجمالي الإنتاج العالمي وقد تجاوزت نسبة مساهماتها الإجمالية 50% في سياق النمو الاقتصادي العالمي .

وهذه الدول الأربع من زاوية النظر إلى تقدم الحضارة أو الثقافة لا تنتمي جميعا بالمعنى الدقيق إلى « دائرة الحضارة الغربية « حيث قمة الحضارة الشرقية في الهند والصين أصحاب التاريخ الضارب في القدم، والحضارة المتميزة عن الشرق و الغرب معا في روسيا، و الحضارة اللاتينية في البرازيل التي يتميز شعبها بثقافة وفنون متميزة كثيرا حتى عن الدول المحيطة به.

وهذا التباين والاختلاف في الدول الأربع يبشر بأن تطور الحضارة البشرية يميل أكثر إلى التعددية ووفرة المضامين وتلونها بالألوان المتنوعة بعد أن ذاق العالم الكثير من الأهوال و المصائب بسبب الحضارة الغربية الاستعمارية التي استعبدت معظم شعوب الأرض لقرون طويلة، في حين تمتلك الدول الأربع الصاعدة تاريخا ناصعا و خاليا إلى حد كبير من الصفحات السوداء، ولهذا ربما يكون طريقهم معا في المستقبل أفضل بكثير من طريق التكتلات الاقتصادية الغربية التي لم تراع يوما ما مصالح الشعوب الأخرى.

د. جانا بوريسوفنا - خبيرة الاقتصاد الروسية