تطبيقًا لخطة الأقزام في فيلم المخرج شريف عرفة «الأقزام قادمون»، استعاد بعض الأقزام ملكية الأرض، التي هي الأقرب إليهم، وذلك بإنشاء مقهى يديرونه بأنفسهم، فكل عامليه من قصار القامة، وعلى الرغم من أنهم عانوا طويلا نظرات استهجان من الآخرين الذين يرون أنفسهم فارعي الطول، فإنهم داسوا على ما يعتقده البعض «عاهتهم»، واستقبلوا بترحاب وأريحية الجميع ومن كل الأطوال في مقهاهم بمنطقة «الجبل الأخضر» المطلة على شارع الهرم بمحافظة الجيزة في مصر.. وجعلوا من الثقة والابتسامة وسلامة النفس والترحيب من القلب شعارا يلازمهم.. عيشوا معهم هذه اللحظات..

قبل عام ونصف العام، فتح مقهى «جزيرة الأقزام» أبوابه في تجربة فريدة تعتبر الأولى من نوعها لاستقبال زائريه، حيث يتناوب على العمل فيه 8 أشخاص، تتراوح أطوالهم من 80 إلى 100سم، لذلك صممت طاولاته لتتناسب مع «الزبون القزم»، والعامل «القزم»، حتى تسهل عملية وضع المشروبات والمأكولات للجمهور.. لكن هذا لا يعني أنهم يجدون مشقة في التعامل مع الزبون فارع الطول، حيث يتعاونون بأساليب مبتكرة للتعامل مع الجميع دون أن يكون قصر القامة عقبة أمامهم.

جزيرة الأقزام

معظم سكان المنطقة تحدثوا كثيرًا عن المقهى وطريقة العمل به، والديكور الموجود على جدرانه من الداخل والخارج، فقد كاد الفضول يقتل الجميع، وهم يتخيلون ما بداخل المقهى، وحين نقترب شيئًا فشيئًا نكتشف عالمًا غير ما صوره لنا الإعلام من سخرية لهؤلاء القصار، فقد واجهوا هذه النظرة «الكارتونية» الساخرة بالعمل وبالابتسامة في آن.

اقتربنا من مكان المقهى، ووجدنا 3 لافتات كبيرة مدونا عليها مقهى «جزيرة الأقزام»، وتحيط بهذه الكلمات الثلاث مجموعة من الرسومات الدالة على الأقزام، وأثناء دخولنا إلى المقهى قابلتنا هبة أحمد، إحدى العاملات بابتسامة عريضة.

وقالت: «شرفتم المقهى»، بعدها جلسنا على إحدى الطاولات المخصصة لطوال القامة في أحد أركان المقهى لنتابع عن قرب الطريقة التي يتعاملون بها مع روَّاد المكان، كذلك طريقة وضع المشروبات أمام الزبائن، والحركة السريعة التي تملأ المقهى، خاصة عندما يطلب زبون مشروبًا أو طعامًا، فمن أماكن ضيقة جدًا يصل القزم إلى البوفيه ليجلب الطلبات، ويضعها أمام الزبون، ويتقافز بسرعة نحو طاولة أخرى، وهكذا في حركة دؤوب لا تكاد تتوقف.

الصورة الطبيعية

رواد المقهى جميعهم من الشباب والفتيات، الذين ملأوا المقاعد عن آخرها، وكان أكثر الأقزام حركة هو «سلطان» الملقب بـ «ملك الشيشة»، الذي كان طوله مقاربًا طول الشيشة التي يحملها لرواد المقهى، وعلى الرغم من ذلك فإنه يحظى بمشاعر دافئة وحب الزبائن جميعهم، وفور دخول شخص ما إلى المقهى باحثًا عن طاولة، يقابله سلطان بالأحضان، ويبادل الضيوف الابتسامات دون حساب.

سألنا سلطان: كم عمرك؟،؛ فأجاب: «19عامًا»، وأضاف: «كل رواد المقهى جميعهم أصدقائي، وقد تعرفت إليهم من خلال الشيشة، ولا شيء بيني وبين زبائني إلا الود، فقد كانت النظرة الساخرة من قبل البعض في الشارع، والأماكن العامة مؤذية لمشاعرنا جميعًا، نحن الأقزام، إلا أننا في مكاننا هذا استعدنا الصورة الطبيعية للتعامل الإنساني، وأصبح كثير من الزبائن يسعون إلى صداقتي داخل المكان وخارجه، ويحكون لي أدق تفاصيل حياتهم».

سألناه: «هل حزنت لكونك خلقت قزما؟»، فرد بسرعة: «لا.. لم أحزن على الرغم من تعرضي للسخرية من جانب الكثيرين، وبالعكس تمامًا فإن قامتي القصيرة ساعدتني في أداء عملي؛ لذلك لا أشعر بأي حزن، فقد عوضني الله خيرًا».

لكن المرة الوحيدة التي أحزنت «سلطان» عندما كتبت إحدى الصحف أنه تعرض للعنصرية من جانب رواد المقهى، وأن أحد الزبائن قام بتعنيفه ورش الماء على وجهه، إلا أنه أنكر ذلك، وما ضايقه أن أسرته كادت تمنعه من العمل لشعورهم أنه يتعرض للأذى من زبائنه.

بالأحضان

المقهى طوال الوقت مزدحم وممتلئ عن آخره، وكثير من الجالسين يُجرون اتصالات قبل الحضور لحجز طاولة.. هبة أحمد، مسؤولة المشروبات توجه زبائنها إلى أماكن الجلوس الشاغرة أو المحجوزة مسبقا، وحين اقتربت منها اعتذرت لنا لأن الطاولة التي نجلس عليها محجوزة، وليس أمامنا إلا 15 دقيقة للمكوث عليها.

سألناها: «لماذا تقومين باحتضان الفتيات ومقابلتهن بحرارة شديدة؟»، فقالت: «كي أصل إلى صداقتهن بسهولة، فلست أتعامل معهن كصاحبة مكان مع زبائنها، بل كصديقات داخل وخارج المكان، فنحن نتبادل الزيارات، ولا ألقى منهن إلا كل احترام، فلماذا لا نكون صديقات، ولماذا لا أحتفي بهن في مكاني المخصص للترفيه؟! صحيح أن النظرة إلينا في الأماكن العامة تتسم بالسخرية، إلا أنني لا أعترض على ما خلقه الله، فكل ما أفكر فيه أن الله خلقني على هذه الصورة لحكمة، وسأتزوج وأنجب وأموت على هذه الصورة».

في البوفيه يقف شخص طويل القامة، يجهز طلبات الزبائن، ويسلمها للعامل القزم في يده باعتبار أن طوله لا يساعده أحيانًا على الوصول لارتفاع المكان الذي يتم فيه إعداد المشروبات والمأكولات.

وها نحن قد انتقلنا إلى طاولة قرب البوفيه، وقد انتهت فترة عمل هبة، وسلطان، وأتى كل منهما لكي يودعنا، ويلقي التحية حتى لقاء جديد، فبادلناهما التحية، وطلب كل منهما ألا تكون زيارتنا هي الأخيرة.

الفنان

قزم الفترة الليلية، محمد المصري «19 عاما»، والملقب ب«المصري»، يأتي أولا للتحية، وبعد مرور بعض الوقت جاء ليسرد لنا أنه يعمل بالمقهى منذ 6 أشهر، ولديه فرقة فنية يشاركه فيها أحد الأقزام، وأنه يقسم وقته بينها وبين المقهى، وأن أعضاء فرقته من الأقزام، وأنهم يجوبون المحافظات لإقامة الحفلات والمسرحيات، ويشاركون في افتتاح المؤتمرات الكبرى، كما أنهم يشاركون في بعض المسلسلات الشهيرة مثل «وكالة عطية».

يفكر «المصري» في إنشاء مقهى آخر للأقزام بخلاف هذا المقهى في منطقة راقية، لكن ينقصه التمويل، إلا أنه أعلن أنه سيظل يجاهد حتى يحقق حلمه؛ لأنه يشعر بمعاناة الأقزام في مصر؛ لذا يسعى لمساعدة كثير منهم بإيجاد فرص عمل، الغريب أن «المصري» قرر ألا يتزوج إلا من امرأة طويلة القامة حتى لا يعاني أبناؤه مثلما عانى.

زوجتي طويلة

اقتربنا من القزم عبدالتواب إسماعيل، 29 عامًا، الذي جاء من أقصى محافظات الصعيد للعمل في المقهى، متزوج من فتاة طويلة القامة منذ بضعة أشهر، ويعتبر أن الاحتكاك بالناس أفضل شيء للقزم، حتى يستطيع تغيير صورة القزم في نظر المجتمع.

يقول عبدالتواب إنه تخرّج في كلية الآداب، قسم علم النفس والاجتماع، وعبر عن سعادته بزواجه، ويرد السبب إلى زوجته التي ساعدته كثيرًا، ويضيف أنه تعرَّف على باسم سالم، صاحب المقهى، ودرس معه فكرة إنشاء مقهى خاص بالأقزام، وتمت الموافقة قبل عام ونصف العام، حتى صار أحد أشهر المقاهي في محافظة الجيزة.

أكد كذلك رفضه إجراء عملية جراحية حتى يزيد طوله 25 سم، معتبرًا نظرة التقدير من جانب رواد المقهى له ولزملائه بديلاً عن السخرية التي يلاقيها أمثاله في الأعمال الفنية، مشيرًا إلى غضبه من الدولة التي تتجاهل حقوق الأقزام، وترفض اعتبارهم معاقين، ولا تعطيهم نسبة ال5 التي منحتها للمعاقين في الوظائف العامة، معتبرًا كلام منظمات حقوق الإنسان عنهم مجرد كلام في الهواء، وأكد أن مقهى الأقزام أوصله إلى الشهرة التي عوضته كثيرًا.

بدوره، أكد صاحب المقهى باسم سالم، أن الفكرة أتت إليه عندما كان في إحدى المناطق السياحية، باعتباره عاملاً في مجال السياحة، ووجد شبابًا طوال القامة يسخرون من قزم، ويقذفونه بالحجارة؛ لدرجة هروبه من بطشهم، ففكر في تأسيس مقهى يكون بادرة حصول القزم على حقوقه، ويحاول من خلاله تغيير نظرة رجل الشارع له، وتحقق مراده فعلاً، وأصبحت الأخوة والصداقة بين رواد المقهى والأقزام العاملين شعار المكان.

أما أحمد منتصر، أحد رواد المقهى، فيفضل المكان بسبب ما يلقاه من احترام من قبل العاملين فيه، ما دفعه لتقوية الصلة بالمكان وأصحابه، وأصبحت له طاولة خاصة به في المقهى لا يجلس عليها غيره طوال اليوم. كذلك خالد حسان الذي أعلن أن الأقزام من أفضل فئات المجتمع، لمن يقترب منهم، ويعرفهم على حقيقتهم، فهم يتعاملون باحترام حتى لو أساء شخص ما إليهم، يتبادلون النكات على أطوالهم، ولا يعبسون في وجه إنسان.

ولم يكن غريبا في جولتنا داخل المقهى أن نجد حضورا كبيرا للجنس اللطيف والذي يشير إلى جو مختلف ينعم به مقهى الأقزام، فتقول منى ياسين: «وجدت دفئًا في العلاقة مع الأقزام الموجودين هنا لم أجده مع زملائي في الجامعة، فلديّ أرقام هواتفهم جميعًا كي أستطيع حجز الطاولة قبل الحضور مع الأصدقاء».

القاهرة ـ دار الإعلام العربية