يرى مؤلف هذا الكتاب أن أوروبا تخضع حاليا إلى حد كبير للتبعية الأميركية، فالاتحاد الأوروبي يفتقد إلى أية دبلوماسية أو استراتيجية مستقلتين. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي ومعسكره برز «خطر السلام» بالنسبة للولايات المتحدة، وطرح كُثر تساؤلات حول مبرر الاحتفاظ بترسانات عسكرية وبالحلف الأطلسي ذاته.
فكان غزو العراق للكويت وبروز مفهوم «الدول المارقة» التي تعرّض العالم للخطر وتدفع نحو قيام «نظام دولي جديد». كما برز في نفس السياق مفهوم «صدام الحضارات»، وأعطت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 بعض المصداقية لهذا المفهوم، كما أعطت المبررات لأميركا كي تذهب أكثر في «عسكرة» العالم وكي تطلب من بقية الحلفاء، وعلى رأسهم أوروبا، تأييد نهجها. وكانت فرنسا صوتا شاذا بمواجهة الجوقة الأميريكية. وفي مثل هذا السياق تطرح مسألة مستقبل الاتحاد الأوروبي الذي يبدو أنه قد يضم 35 دولة في الأفق المنظور.في فترة أقل من 40 عاما عرفت القارة الأوروبية القديمة حربين كونيتين، أو «حربين أهليتين»، كما يعبّر مؤلف هذا الكتاب أحيانا. وفيما هو أبعد من التسميات لا شك أن هاتين الحربين خرّبتا القارة بينما أعادت لها القوتان اللتان برزتا من تلك الحرب، أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ؟
السابق ـ حالة من السلام، ولكن أوروبا غدت منذئذ خاضعة لـ «الاحتلال» وفقدت استقلالها الذي يبدو أنها لن تستردّه أبدا. ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 «مدّت الولايات المتحدة من منطقة احتلالها حتى تخوم روسيا».
كما نقرأ حيث يعتبر المؤلف أن الحماية الأميركية قد عمّت القارة كلها تقريبا الآن. بكل الحالات يبقى الاتحاد الأوروبي في هذا القرن الحادي والعشرين هو مهد ما يسميه المؤلف بـ «الغرب المسيحي» الذي تتقاسم بلدانه مجموعة من القيم المشتركة، وهو يندرج في إطار تحالف عسكري هو الحلف الأطلسي «الناتو» الذي أصبح هو الذي يتولّى عمليا مهمة الأمن الأوروبي.
ثم إن الاتحاد الأوروبي، بصيغته القائمة، يفتقد إلى أية دبلوماسية أو استراتيجية تتمتعان باستقلال ذاتي حقيقي. ونتيجة هذا كله يتم تحديدها بالقول إن هذا الاتحاد الأوروبي، ورغم التطلعات السلمية والمسالمة لمواطنيه، هو بصدد التورّط أكثر فأكثر في الدفاع عن «الغرب المسيحي»، وذلك إلى جانب «الحامي الأميركي».
أما روسيا التي تسعى منذ ثلاثة قرون إلى قبولها في جوقة الأمم الأوروبية، فأنها كانت الحليفة الطبيعية لأوروبا قوية قد تقوم. لكن بدلا من هذا وجدت نفسها، وبعد عقد ضائع من الزمن، تخدم كـ «متنفّس» لأوروبا مفككة كانت قد دمجت في إطارها البلدان التي كانت تدور سابقا في الفلك الروسي.
الغرب والآخرون
في مطلع عقد الثمانينات الماضي وضع الرئيس الأميركي آنذاك رونالد ريجان استراتيجية متقدمة ترمي إلى الإطاحة بـ «إمبراطورية الشر»، أي الاتحاد السوفييتي. لقد جرّ موسكو إلى سباق تسلح لا حدود له عبر مشروعه في «حرب النجوم» ودعم وشجّع وسلّح أولئك الذين كانوا يواجهون الجيش السوفييتي «الأحمر» في أفغانستان، وقطع الموارد السوفييتية عبر الخفض الكبير لأسعار البترول.
وفي عام 1990، مع انهيار الشيوعية، برز «خطر السلام» بالنسبة لأميركا، لقد تحدث المفكر الأميركي من أصل ياباني فرنسيس فوكوياما عن «نهاية التاريخ» وطرح الكثير من التساؤلات حول مبرر الاحتفاظ بترسانات عسكرية بل وحول مبررات الإبقاء على الحلف الأطلسي بعد زوال «حلف وارسو».
في مثل هذا السياق قرر الرئيس العراقي السابق صدام حسين غزو الكويت في مطلع شهر أغسطس من عام 1990 ويبدو بوضوح أن السفيرة الأميركية في العراق آنذاك أبريل جلاسبي التي زارته قبل ثمانية أيام من الغزو، لم تحاول ردعه عن ذلك.
بالمقابل وجد الرئيس الأميركي جورج بوش «الأب» في ذلك سببا للقول إن العالم يبدو «خطيرا» من جديد بسبب التهديدات التي تمثلها «الدول المارقة». وبالتالي حدد مهمة الولايات المتحدة في فرض «نظام عالمي جديد».
وبنفس السنة، 1990، انفجرت في أوروبا الحرب الأهلية اليوغسلافية التي تدخّلت فيها ألمانيا بنشاط. لكن ذلك كله لم يمنع وصول المرشح الديمقراطي «ذي النزعة السلمية» بيل كلنتون من الفوز في الانتخابات الرئاسية الأميركية ضد جورج بوش الأب.
الرأسمالية الليبرالية الجديدة
وفي مثل ذلك السياق أيضا نشر المؤرخ والمفكر الأميركي الأستاذ في جامعة هارفارد، صموئيل هنتنجتون، كتابه الذي يحمل عنوان «صدام الحضارات».
لقد اعتبر فيه أن القوى «الصانعة» للتاريخ لم تعد الدول ـ الأمم ولكن الحضارات. وتنبأ بصدام «كتل كبرى» يمثل الغرب الذي يضم بلدان الحلف الأطلسي مضافا إليها أستراليا ونيوزلندة الجديدة، ويمثل أخرى «العالم الإسلامي» الممتد من الباكستان إلى السودان.
كما اعتبر أن التهديد الأكبر على الغرب مصدره التحالف بين هذا العالم مع «العالم الكونفوشيوسي»، أي الصين. وجاءت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 كي تعطي بعض «المصداقية» لمقولات هنتنجتون.
لكن المؤلف يؤكد على أن مفهوم «الغرب المسيحي» الذي انبثق مع سقوط الشيوعية يجد أساسه الحقيقي في «الرأسمالية الليبرالية الجديدة». وبدا الحلف الأطلسي الذي قام عام 1949 على خلفية حاجة الأوروبيين لحماية الولايات المتحدة.
وخلال فترة الحرب الباردة كان المسرح الأوروبي هو رهان المنافسة بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق. ومع مرور الزمن أوكلت البلدان الأوروبية دفاعها إلى الأميركيين بحيث أن أوروبا، كما يصفها مؤلف هذا الكتاب، هي اليوم تابعة للولايات المتحدة فيما يخص أمنها وتزودها بمصادر الطاقة وبالمواد الأولية.
إن النفقات العسكرية الأميركية تعادل 50 بالمائة من مجموع الإنفاق العسكري العالمي. هكذا وفي عالم يقل أمنه يوما بعد يوم وتتعاظم التهديدات فيه أكثر فأكثر، تبدو أوروبا وكأنها تابعة بشكل كامل للولايات المتحدة، ذلك أنها في الواقع لم تتحرر أبدا من «حاميها» الأميركي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتمتلك الولايات المتحدة 800 قاعدة عسكرية في 40 بلدا بالعالم تقريبا. وهي البلد الوحيد اليوم القادر على ضمان أمن طرق الملاحة والمضائق والطرق التجارية بفضل قوتها البحرية الكبيرة. وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن وزارة الدفاع الأميركية ؟ البنتاجون ـ قد قسّمت العالم إلى ست مناطق عسكرية تتولى كل منها قيادة إقليمية.
هكذا ودون أن تدرك جميع بلدان العالم ذلك دائما تجد نفسها جزءًا من جهاز أمني ودفاعي شامل يتجاوزها وتديره الولايات المتحدة الأميركية. وهكذا أيضا يخضع كل كيلومتر مربع من الأرض وكل مضيق أو قناة أو طريق مواصلات للرقابة الأميركية عبر الأقمار الصناعية والرادارات والقطع البحرية.
الحلفاء الكبار
وتمثل بريطانيا في السياق العالمي الحالي «الشريف» الذي يمثل الولايات المتحدة في أوروبا والحليف الأكثر إخلاصا في العالم لـ «مستعمرته الأميركية السابقة». وكانت بريطانيا قد تبعت واشنطن في حملتها العسكرية على العراق بل وساهمت في «فبركة» الملف الكاذب الذي شكّل الإدانة لصدام حسين وأصبغ الشرعية على التدخل الأميركي.
أما ألمانيا فإنها تشكل «حليفا كبيرا» لواشنطن في القارة الأوروبية. إن العلاقات قوية جدا بين البلدين وهذا ما لا تعطيه باريس في أغلب الأحيان قيمته الحقيقية نظرا لاعتقادها أنها هي «المحاور المميّز» للجار الألماني. ثم إن علاقات ألمانيا وأميركا مرتبطة إلى حد كبير بالعلاقات التي تقيمها ألمانيا مع إسرائيل «صديقة أميركا».
ويشير المؤلف إلى وجود ما يسميه «المسألة الفرنسية» في إطار الحلف الأطلسي حتى سنوات قريبة. ولا تتردد ألمانيا في استغلال ذلك لصالحها. كما أن رغبة فرنسا في إظهار معارضة شبه مستمرة للولايات المتحدة تثير مشاكل جديّة فيما يتعلق بتلاحم الاتحاد الأوروبي.
ويتم التذكير في هذا السياق بتهديد فرنسا في عهد الرئيس جاك شيراك عام 2003 باستخدام حق النقض ـ الفيتو ـ في مجلس الأمن للاعتراض على الغزو الأميركي للعراق، الأمر الذي لم يسهّل العلاقات بين البلدين، رغم أن الملف الذي كانت تدافع عنه فرنسا عادلا ومشروعا»، كما يشير المؤلف.
الأميركيون يرون في «خذل» أي حليف لهم خيانة لا يمكن الصفح عنها. هكذا أصبحت فرنسا لفترة من الزمن «الصديق اللدود» بالنسبة لإدارة جورج دبليو بوش. وينقل المؤلف عن الجنرال الأميركي نورمان شوارزكوف، قائد التحالف العسكري الدولي ضد العراق في حرب الخليج الأولى عام 1991، قوله: «إن الذهاب إلى الحرب دون فرنسا مثل الذهاب إلى صيد الغزلان دون آلة العزف الموسيقي».
ويشير المؤلف إلى أن عودة فرنسا للاندماج في القيادة الموحدة للحلف الأطلسي كانت ممكنة منذ عام 1995، عندما وصل جاك شيراك إلى السلطة. لكن المطالب التي طرحتها فرنسا آنذاك، خاصة الحصول على القيادة الأطلسية في المتوسط، لم تسمح بذلك. وفي عام 2009، عادت فرنسا رسميا إلى الحلف وحصلت على قيادتين إحداهما في نورفيلك بفرجينيا والثانية في لشبونة.
مستقبل الاتحاد الأوروبي
بعد أن جرى امتصاص عشرة دول من أوروبا الوسطى والشرقية داخل الاتحاد الأوروبي في عامي 2004 و2007 يبدو أن متابعة نهج التوسيع الأوروبي تتمناه عدة دول أوروبية كبرى، على رأسها ألمانيا وبريطانيا، ولكن تتمناه بشكل خاص الولايات المتحدة التي تريد أن يضم المعسكر الغربي مناطق استراتيجية تصل إلى تخوم القوقاز وروسيا والشرق الأوسط.
البلدان الأولى المرشحة «على قائمة الانضمام» هي تلك التي قامت نتيجة لتحلل يوغسلافيا أي كوسوفو وصربيا والجبل الأسود والبوسنة ـ الهرسك ومقدونيا، ويضاف لها البانيا.
أما كرواتيا وتركيا فهما في عداد الدول المرشحة «رسميا». ولا شك أن تركيا ذات أهمية استراتيجية كبرى بالنسبة للولايات المتحدة، فهي عضو في الحلف الأطلسي، وركن أساسي له في منطقة تقع على نقطة تلاقي أوروبا والبحر المتوسط والقوقاز ثم هناك جوارها لمنطقة الشرق الأوسط يجعلها عنصرا هاما في المحافظة على أمن إسرائيل. ولا ينبغي إهمال واقع أنها ذات نفوذ في بلدان آسيا الوسطى الناطقة باللغة التركية.
ويشير المؤلف إلى أن المفوضية الأوروبية تتابع استراتيجية فرض الأمر الواقع بهدوء، ذلك أن مواطني أوروبا لن يوافقوا حاليا على توسيع إطار الاتحاد الأوروبي خاصة بالنسبة لتركيا. إذا طرحت المسألة للاستفتاء. لكن هذا لا يمنع واقع أن وثائق المفوضية تدل على أنه سيتم تكريس مبلغ 7 مليار يورو للاستثمار في تركيا وبلدان البلقان خلال سنوات 2007 ـ 2001.
وهكذا ترتسم في الأفق أوروبا التي تضم 35 بلدا. وهذا سيلقي عليها مسؤوليات جديدة. وسيكون من المطلوب أولا ضبط العلاقات مع الولايات المتحدة وخاصة مع روسيا بسبب ما تملكه من مصادر الطاقة.
وبكل الحالات يصل مؤلف هذا الكتاب إلى القول إنه هناك اليوم قناعة ثابتة واحدة مفادها «إن أوروبا خلال تاريخها الطويل، لم تكن أبدا أقل قدرة على تقرير مصيرها بيدها، مما هي عليه الآن»، كما تقول الجملة الأخيرة في الكتاب.
الكتاب: انحطاط الإمبراطورية الأوروبية
تأليف: جان فرانسوا سوسبيل
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف
الناشر: فيرست- باريس- 2009

