12 بندا احتواها البيان الختامي الصادر عن «القمة النووية» التي دعا إليها وأشرف على وقائعها الرئيس الأميركي أوباما.. وجاءت القمة في رأي جمهرة مراقبي السياسة الدولية وكأنها تصب في خانة ترتفع من فوقها لافتة تقول ببساطة ما يلي:

هذه أولى بنود التركة السياسية أو الميراث الرئاسي للسيد باراك حسين أوباما في مجال العمل الدولي والسياسة الخارجية.

وإذا كان من بديهيات الشأن العام تلك المقولة الشهيرة التي تؤكد بأن السياسة الخارجية هي انعكاس أمين، أو هي تعبير موضوعي للسياسة الداخلية، فإن هذه المقولة البديهية تكتسب مزيدا من المصداقية من واقع الحقيقة التي تجسدت مؤخرا في الإنجاز «الداخلي» الذي حققه الرئيس الأميركي الشاب في غضون الشهر الماضي من خلال موافقة الكونجرس في واشنطن على قانون الرعاية العلاجية والتأمين الصحي جعلت منه الإدارة الأوبامية الراهنة محورا لسياستها الداخلية.

نعم.. نستطيع

صحيح أن الموافقة البرلمانية جاءت بأغلبية محدودة.. إن لم تكن «هامشية» على نحو ما يذهب إليه دهاقنة الإعلام والسياسة (Pundits) في العاصمة واشنطن.. إلا أن صدور التشريع الذي عمل على تقنين الحق في الرعاية الصحية للمواطن الأميركي العادي جاء لكي يشكل أول إنجاز بل هو انتصار مشهود للرئيس أوباما.. بقدر ما جاء ترجمة أمينة أو شبه أمينة للوعود التي طرحها المرشح الأفرو- أميركي في السباق الرئاسي خلال حملة الخريف من عام 2008 وكان شعارها الشهير هو: نعم.. نحن نستطيع.

والمعنى أيضا أن هذا الإنجاز في مضمار العمل السياسي الداخلي جاء ليشكل انحيازا من جانب النخب الحاكمة لصالح جموع المواطنين الفقراء بالذات، وهو ما يؤدي بداهة إلى توسيع قاعدة المساندة من جانب هذه الجموع، لا بوصفهم حاملي لافتات التأييد وحسب.

ولكن باعتبارهم جموع الناخبين الذين تؤثر أصواتهم في نتائج أي انتخابات محلية أو جهوية (على مستوى الولايات) لصالح المرشح أو المرشحة من الحزب الديمقراطي الحاكم.. فضلا عن انتخابات الولاية الثانية المرتقبة أو المأمولة للرئيس أوباما في التحليل الأخير.

وعندنا أن لا يستطيع رئيس أو حاكم أو قائد في الدولة الحديثة المعاصرة أن يتخذ خطوات جذرية أو ملموسة أو فارقة في ساحة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية إلا إذا كان يقف على أرضية وطيدة من ساحة السياسة الداخلية التي تضمن له بداهة تأييد شعبه ومساندة مواطنيه.

أكثر من نموذج

وقد درجت الرئاسات الأميركية المتعاقبة عبر تاريخ طويل بدأ كما هو معروف مع الرئيس رقم واحد ؟ جورج واشنطن في عام 1776 على أن سيد البيت الأبيض يجتاز على مهل عملية تعلم وئيدة الخطى في مجال السياسة الخارجية.

والأمثلة في هذا المجال أكثر من أن تحصى حتى لو قصرناها في تحليلنا الراهن على أهم رئاسات أميركا خلال سنوات القرن العشرين.

أشهر رؤساء النصف الأول من القرن الماضي هو فرانكلين ديلانو روزفلت لم يوجه أنظاره إلى الشأن الخارجي ولا الساحة الدولية إلا بعد أن أنجز نجاحه المرموق في مواجهة أزمة الكساد الاقتصادي الكبير، بمعنى الفادح، ذلك الذي أصاب مرافق الحياة في بلاده منذ عام 1929 وحتى السنوات الأخيرة من عقد الثلاثينات.. بعدها، وبفضل تطبيق سياسة «الصفقة الجديدة» استطاع الكيان الأميركي أن يقف على قدميه..

ومن ثم أتاح للرئيس روزفلت أن يتخذ قرارا «تاريخيا» بحق بدخول أميركا طرفا فاعلا بل حاسما في معارك الحرب العالمية الثانية ضد ثلاثي النازية في ألمانيا + الفاشية في إيطاليا + السيطرة الإمبراطورية في اليابان.

ومع أواخر ستينات القرن بدأ المرشح ومن ثم الرئيس ريتشارد نيكسون يروض خطاه في حلبة السياسة الخارجية.. ورغم كل ما شاب رئاسة نيكسون من مشاكل (ما بين ورطة فيتنام الى فضائح ووترغيت) إلا أن حقبة نيكسون دخلت تاريخ السياسة الخارجية الأميركية من خلال بدء العلاقات مع الصين الشعبية فضلا عن فتح أبواب الشرق الأوسط أمام وجود أميركي فاعل ومؤثر من خلال علاقة مصر ؟

السادات مع هنري كيسنجر وزير خارجية نيكسون.. وبالتالي تحويل أكثر من مسار في قضايا المنطقة وخاصة ما يتعلق منها بالصراع العربي (الفلسطيني) ؟ الصهيوني (الإسرائيلي).

كارتر وكلينتون وبوش

بعدها جاء الى رئاسة أميركا سياسي كان موغلا في المحلية.. لم تكد مداركه في مضمار العلاقات السياسية الدولية تتعدى حدود أطلانطا من أصقاع جنوب الولايات المتحدة..

وكان اسمه جيمي كارتر وهو الذي كانت سنوات ولايته الوحيدة الأربع أقرب إلى مراحل من التعلم الحقيقي في مدرسة السياسة الخارجية. وليس صدفة أن يشهد عهده توقيع اتفاقات كامب ديفيد وأول معاهدة «سلام» بين العرب وإسرائيل. كذلك كان حال التعلم مع بيل كلينتون وإن اختلف ذلك الحال مع جورج بوش الابن الذي كان لوزيرة خارجيته كوندوليزا رايس أبلغ التأثير في مسار سياسته الخارجية، ربما لأن رئيس الدولة وقتها كان مستغرقا في مشاكل حربين مازالت بلاده ضالعة فيهما سواء في أفغانستان أو في العراق.

وربما يكون الاستثناء في رأينا هو «حالة» الرئيس جورج بوش الأب: دخل الرجل مكتب الرئاسة في بلاده مسلحا ؟ كما نتصور ؟ بقدر يحسد عليه من وعي القضايا الدولية وتعقيدات السياسة الخارجية..

كان ذلك أولا خلال وجوده 8 سنوات نائبا للرئيس ريجان.. وثانيا بفضل المناصب التي سبق له توليها.. كأول سفير لبلاده في الصين + كمندوب للولايات المتحدة ؟ البلد المضيف ؟ لدى منظمة الأمم المتحدة ومن ثم لدى أروقة ودهاليز السياسة الدولية في مجلس الأمن + كمدير لوكالة المخابرات المركزية وكانت كلها ؟ كما نرى ؟

بمثابة محكّات أو معاهد لكي يتلقن المسؤول دروسا مستفادة بشأن قضايا الساحة الدولية ومشاكل السياسة الخارجية. ومع ذلك فلم يكن هذا الوعي المتميز ليحول دون اقتصار جورج بوش الأب على ولاية واحدة.. لماذا؟.. لأن نجاحات السياسة الخارجية لم تكن شفيعا أمام إخفاقات السياسة الداخلية وخاصة في مجال قضايا الاقتصاد أو الاهتمام بجموع الفئات الأقل حظا داخل المجتمع الأميركي وهي بالطبع الفئات التي صوتت لصالح مرشح شاب كان واعدا مع عقد التسعينات اسمه بيل كلينتون.

استقرار القواعد

في كل حال تأكدت قاعدة الصلة العضوية أو فلنقل الجدلية بين سياسة الداخل والخارج في حالة باراك أوباما.. الذي ما أن أنجز قانون التأمين الصحي الذي ألمحنا إليه حتى شهدت الأسابيع التي تلت هذا الإنجاز وحتى الفترة الراهنة نشاطا خارجيا.. لم يكن أقله عقد قمة الأمان النووي فضلا عن لقاءات بالغة الأهمية مع زعامات دولية كان أهمها بالطبع ذلك الاجتماع بين أوباما وبين الرئيس الصيني هو غنتاو في واشنطن عند منتصف ابريل الحالي.

ولم يفت هذا النشاط مراقبي الشأن الرئاسي في العاصمة الأميركية.. ومنهم مثلا المحلل السياسي «بيتر بيكر» الذي كتب مؤخرا يقول:

ـ إن أوباما يضع طابعه على قضايا السياسة الخارجية (نيويورك تايمز، 413).

ويلاحظ الكاتب الأميركي أن أوباما أمضى الأشهر الخمسة عشر الأولى من ولايته في محاولة من جانبه للتعامل مع تركة سلفه جورج بوش وهي تركة كانت ولا تزال مثقلة بالمشاكل والتعقيدات.

ولكن جاء المؤتمر النووي الذي ضم 47 دولة ليشكل فرصة يؤكد فيها أوباما قيادته الفعالة ؟ «الاستباقية» أو «المبادرة» كما يصفها بيتر بيكر التي عمد فيها أوباما الى تأكيد فكره واستقلال شخصيته بعد أن أمضى ردحا طويلا كي يوضح ببساطة أنه ليس جورج دبليو بوش.

سؤال مطروح

كيف يوصف هذا الاتجاه المستجد.. وهو الطبيعي في تصورنا؟

يصفه المراقبون أيضا بأنه اتجاه «الريال بوليتيك» (real politik) أي النهج الواقعي في مقاربة قضايا ومشكلات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية.

ويرجع هذا التعبير الألماني إلى فترات بعيدة في زماننا.. وبالتحديد إلى عام 1859 وقد صاغه الكاتب والمؤرخ الألماني «روشاو» ليصف به سياسة مستشار ألمانيا «الحديدي» في تلك الفترة ، بسمارك الذي كان يرى أن تحقيق مصالح الدول وخاصة الكيانات الكبرى ؟ إنما يتم من خلال استخدام كل ما يسعها من وسائل القوة وسبل الضغط بغير وازع ولا كابح: فقط هي الواقعية السياسية البعيدة عن صوت العواطف ونداءات القلب أو حكم الضمير.. بل المصلحة الوطنية هي الأصل وهي الأساس.

في نفس السياق تشير مقالة التايمز إلى أن أوباما وإدارته ومستشاريه.. يستوي في ذلك المدنيون والعسكريون ينظرون إلى قضايا الشرق الأوسط (وفي مقدمتها طبعا قضية الصراع الفلسطيني ؟ الإسرائيلي) على أن اهتمامهم بها إنما ينبع من كونها.. «تهديدا للأمن الأميركي» ذاته.. وفي هذا السياق أيضا تقول التايمز:

- «إن أوباما يتبع بصورة فعالة آراء الجنرال ديفيد بترايوس القائد الأميركي بالشرق الأوسط الذي حذر مؤخرا بأن مشاكل المنطقة تؤدي إلى إيجاد بيئة مفعمة بالخطر بالنسبة للقوات الأميركية..

وقال إن من مصالح الولايات المتحدة الحيوية العمل على تخفيف حدة الصراعات في الشرق الأوسط.. «لأننا سنجد أنفسنا ضالعين في حمأة تلك الصراعات بصورة أو بأخرى في حال اندلاعها.. وهو ما يفضي إلى أن تتحمل في نهاية المطاف تكاليف فادحة من ناحية الدماء أو الأموال».

الرئيس الأميركي.. يتعلم الحكم داخل البيت الأبيض

مستقرة راسخة هي المقولة التي تؤكد بأن السياسة الخارجية للدولة الحديثة في عصرنا ما هي إلا انعكاس صادق للسياسة الداخلية في هذا البلد أو ذاك.. وهو ما يثبته أيضا حقيقة أن أي قائد أو زعيم لابد وأن ينطلق في تنفيذ وإدارة سياساته على الصعيد الدولي من واقع قاعدة تأييد وطيدة من جانب مواطنيه انطلاقا من قناعاتهم بما لمسوه من إيجابيات وإنجازات السياسة الداخلية.

وعلى مستوى الولايات المتحدة.. تتأكد قاعدة هذا الارتباط العضوي أو الجدلي بين جانبي السياسة الداخلية والخارجية من تاريخ ومسار الرئاسات الأميركية في عهد روزفلت الذي لم يخرج إلى الساحة الدولية مشاركا في الحرب العالمية الثانية إلا بعد النجاح في مواجهة أخطر شأن داخلي أصاب بلاده متمثلا في أزمة الكساد الكبير على مدار عقد الثلاثينات من القرن العشرين..

ويشير محللو الشأن الأميركي إلى أن رؤساء البيت الأبيض الذين يصلون إلى موقعهم السياسي قادمين من معمعة السياسات الداخلية والجهوية والمحلية إنما يخضعون لعملية تعلّم بطيئة الخطى في مضمار السياسة الخارجية..

حيث يتسنى لهم تحقيق منجزات يُعتّد بها، ويشهد بذلك سيرة رؤساء من قبيل نيكسون (في الصين) أو كارتر (في الشرق الأوسط). وربما يكون الاستثناء هو جورج بوش ؟ الأب بحكم ما توافر له من خبرات في السياسة الخارجية حيث عمل سفيرا في الصين ومندوبا في الأمم المتحدة ومديرا لوكالة المخابرات المركزية.

ويلاحظ نفس المراقبين أن نفس القاعدة تنطبق في حالة الرئيس أوباما الذي حقق انجازه الداخلي مجَّسدا في قانون التأمين الصحي، ومن هذه القاعدة شرع في معالجة الشؤون الخارجية ولكن من منطلق ما يعرف في الأدبيات المتخصصة بأنه «ريال بوليتيك» أي السياسة الواقعية التي تستبعد العواطف وتركز على المصالح القومية دون غيرها.

محمد الخولي