ما عليك سوى جمع الفرقاء المتنازعين من حركتي فتح وحماس في داخل حجرة مغلقة، وتوفير الطعام والشراب لهم، ووضع ستة حرس في الخارج لحمايتهم، وبعد مرور ساعتين ستندهش من النتائج التي سيتوصلون إليها، فهم لن يتوصلوا إلى أي شيء مطلقا !.
ومع ذلك، وفي لحظة مثيرة، بدا أن أصغر الخطوات على وشك الاتخاذ. فمن مصدر مجهول جاء الاقتراح المتمثل بأنه ربما يستطيع المعسكران المتعارضان الجلوس معا، مجددا، في وقت ما، وفي مكان ما، ثم وكما يفعل الجميع يستظلون من وهج الشمس الساطع، وقت الظهيرة، بظل شجرة، ثم يبدأون باستكشاف ماذا يعني ذلك كله.
قصاصة ورق تظهر على طاولة الطعام، ثم يعبث أحد مسؤولي فتح بقلم حبر ويطلب من أحدهم كتابة اتفاق بين الطرفين. يكتم الجميع أنفاسهم، لكن الفكرة تختفي بالسرعة التي أطلت بها.
ربما من السخف أن نتعشم ببصيص أمل. ومع ذلك فهذه شخصيات فلسطينية كبيرة، مخولة بالتحدث. فنبيل شعث، الذي يعتبر من أكثر المفاوضين الفلسطينيين خبرة، اصطحب معه عبد الله عبد الله، وهو كبير المتحدثين في حركة فتح. أما حماس فقد أوفدت فريقا على مستوى رفيع، من بين أعضائه أسامه حمدان، وهو عضو في الرابطة السياسية للحركة، وكذلك محمد نزال، الذي يعتبر أحد كبار مسؤوليها في دمشق.
لقد جاء الوفدان إلى العاصمة القطرية من أجل تسجيل برنامج خاص من نقاشات الدوحة، التي تغطيها هيئة الإذاعة البريطانية بصورة منتظمة. والهدف هو إظهار خلافات الفرقاء المعنيين على الملأ الذي يتكون بمجمله من العرب، ويتيح إيجاد وسيلة للتقدم في عملية المصالحة.
ربما كان توقيتا خاطئا لأي نوع من الاتفاقات في منطقة الشرق الأوسط. وقد يوجد عدد كبير، أو صغير من الجمهور. وتكون هناك أضواء كثيرة، ولكن، وفي كل الأحوال، ثمة طرف آخر يتعين إلقاء اللوم عليه.
ويتراوح هذا الطرف بين إسرائيل، ومصر، التي تعتبر مصدر قلق آخر، والولايات المتحدة، وأوروبا، ومن يدري ربما ثمة طرف إضافي. وبدأ الحديث ينتقل بين المشاركين.
وبعد مضي سويعات من الزمن، شعرت كأني أشهد إجراء عملية جراحية ذات طبيعة غير محددة. لقد اجتمع الفريق الطبي حول شخص مريض جدا، وأحدث بعض الجروح القاطعة في جسمه، وتمتم بحزن ببعض التشخيصات، ثم خاط الجروح مجددا، دون أن يتفوه بكلمة، أو يعلم أحد إذا كانت حالته قد تحسنت أم ساءت.
هذا هو الحوار الذي يدور في هذه الأيام في الشرق الأوسط. فالعبارات الطنانة تنطلق وتختفي، وتردد بأننا جميعا إخوة سلاح. ومع ذلك يتهم عضو من حماس نظيره من فتح بأنه يقبل الإسرائيليين لدى اجتماعه بهم. ثم يوجه عضو آخر من الحركة نداءه للجميع بتنظيم المقاومة وحشد الطاقات. ويرد عضو من فتح معبرا عن بعض الأمل ببقاء الأطراف كافة متحدة.
وخلال جلوسي هناك لاحظت أنه لا يوجد شعور بوجود مطالب ملحة لإنهاء الطرفين لعدائهما المستحكم. ربما لا يوجد لديهما، بعد سنوات من القتال والمصالحات الفاشلة، مفهوم واضح للاتفاق أيام السلم. وفي هذه المنطقة فإن المعاناة الصعبة، هي العملة الوحيدة الرائجة التي يعرفها الجميع في هذه المنطقة. لذلك، وبعد سنوات طويلة من المعاناة، ما هي المعاناة التالية التي ستواجهها غزة؟
لقد تذكرت بهذه المناسبة واقعة حقيقية حصلت في القطاع. فقد سمعت قصة قبل سنوات تحدثت عن تعرض حمار يجر عربة لحادث، حيث صدمته سيارة فارهة مسرعة في أحد الأزقة الضيقة في غزة.
وأصر صاحب السيارة على أن يدفع سائق العربة تعويضا مقابل الأضرار التي لحقت بسيارته. وبالطبع رفض الرجل ذلك، ومرت الأيام، وبعد أسابيع تصاعد التوتر وتحول إلى إطلاق نار. وقتل بضعة أشخاص في الحادث، وأبعد عشرات آخرون عن المنطقة. كل ذلك من أجل واقية صدمات سيارة سقطت على الأرض. هل يمكن ان تكون الحياة أرخص من ذلك في غزة ؟
لقد كان النقاش حدثا مريرا، تميز بخيبة أمل واضحة من قبل الجمهور مما سمعوه، وتوج بتصويت بعدم الثقة على الزعامة الفلسطينية بنسبة 89%. ولكن إذا كان أي من الأعضاء المشاركين بالنقاش قد أظهر شعورا بخيبة الأمل أثناء ذلك، فإنهم أخفوه أثناء العشاء. ولم يبد أي منهم قبولا بالدعوة الصريحة من الجمهور بالتنحي.
وبالطبع ليسوا هم الوحيدون الذين يتعين تنحيتهم لإفساح المجال لغيرهم، فالشرق الأوسط يعج بالممثلين السيئين الذين يؤدون أدوارا رديئة. وهذا يذكرنا بوزير الخارجية الايرلندي مايكل مارتن، الذي وصف الحصار المضروب على قطاع غزة بأنه غير مقبول، لكنه تغاضى عن الإشارة إلى إسرائيل المتسببة بهذا الحصار.
وهذا دفع البعض إلى استنتاج أن الحصار أوجد نفسه بنفسه. الغائب الكبير عن مأدبة الغداء التي أقيمت عقب الندوة التي نظمتها هيئة الإذاعة البريطانية عن القضية الفلسطينية كان الشعب الفلسطيني، الذي لم يشر إليه أحد إلا لماما. كانت أكثر الكلمات إثارة للأسى تلك التي تفوه بها أحد أعضاء حماس، وقال فيها: «نحن الجيل الجديد».
أما تكلفة حفل العشاء فهي فرصة أخرى جديدة من الفرص الضائعة. ولدى احتساء القهوة تحدث المسؤول الفلسطيني نبيل شعث مع الصحافيين عن المطاعم الجديدة التي اكتشفها في لندن. وعندما نظرت للخلف لم أجد شيئا أسخف من الكلمات التي قيلت في تلك الليلة.
تيم سباستيان - ترجمة ـ عمر حرز الله
