في إعلان ينطوي على تحد كبير لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما، وفي مقر لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (ايباك) في واشنطن، والتي تعتبر أهم وأكبر لوبي صهيوني في الولايات المتحدة، ادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الشعب اليهودي يبني القدس اليوم كما بناها أجداده قبل 3000 عام، وأنها ليست مستوطنة بل عاصمة لليهود.
ومن خلال هذا التصريح المدوي، أبلغ نتنياهو الولايات المتحدة أن القدس الشرقية، التي احتلتها إسرائيل عام 1967، هي أرض إسرائيلية، وأنه لا يمكن لأية دولة فلسطينية أن تشارك إسرائيل فيها، وأن تل أبيب وحدها هي التي تقرر ما تريد بناؤه، وتختار المكان والزمان، ولا يستطيع أحد منعها من ذلك.
لكن هذا الفوز على حليف إسرائيل، الذي لا يمكن الاستغناء عنه، يبدو مؤقتا وأجوف. فقد كشف هذا الصراع الأميركي- الإسرائيلي أن المصالح الحيوية لإسرائيل وأميركا في الشرق الأوسط أصبحت في مسار تصادمي الآن.
لقد أصبح لدينا وضوح في الرؤية، فثمة خط واضح للعيان، ومرئي، الآن، بين السياستين الأميركية والإسرائيلية، يمكن للعالم أجمع أن يراه، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تتراجع دون أن تفقد مصداقيتها بالنسبة للعالمين العربي والإسلامي. إذن ما هي نقاط الخلاف الرئيسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل؟
بالنسبة للموقف الإسرائيلي، يعتبر نتنياهو أن الانسحاب من قطاع غزة كان خطأ استراتيجيا فادحا، وقد أدى إلى استيلاء حركة حماس على زمام السلطة هناك، وإطلاقها الصواريخ على إسرائيل، وأن هذا الخطأ لن يتكرر حدوثه في الضفة الغربية.
كما يعتبر أن إسرائيل واجهت وقتا عصيبا في إجبار 8000 مستوطن على مغادرة غزة، ولن تجبر ربع مليون مستوطن آخر على مغادرة ما تعتبره أرض الآباء والأجداد في الضفة الغربية، لإنشاء دولة فلسطينية، حيث إن الاحتمال لا يزال قائما في أن تتمكن حماس من الفوز في الانتخابات المقبلة، وتشكل حكومة فلسطينية. وبالنسبة للقدس فإنها تقع الآن ضمن حدود إسرائيل الدائمة، وأن ضمها لا رجوع عنه.
أما الموقف الأميركي فيعتبر أن الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، أراض محتلة، وأن البناء فيها يعتبر انتهاكا للقانون الدولي. ويتطلب السلام المشاركة في القدس، وإعادة جميع أراضي الضفة الغربية تقريبا، والانسحاب من المستوطنات اليهودية. ويجب التعويض عن أية أراض فلسطينية تضمها إسرائيل إليها بأراض أخرى تتنازل عنها تل أبيب للفلسطينيين.
وهذا الموقف الأميركي ليس مناهضا لإسرائيل، والدليل على ذلك حقيقة أن رئيسي وزراء إسرائيليين سابقين، هما إيهود باراك وإيهود أولمرت، أوشكا على تحقيق السلام مع الفلسطينيين بالارتكاز على هذه المبادئ. غير أن نتنياهو يرفض هذه المبادئ، فقد فاز بمنصبه من خلال التنديد بهذا الموقف، وتوجد في حكومته الائتلافية أحزاب لا تكتفي بمعارضة الانسحاب من الضفة الغربية، بل وترفض إقامة دولة فلسطينية.
وبالنظر إلى هذه المواقف التي لا يمكن التوفيق بينها، بين واشنطن وتل أبيب، فإن المأزق يتمثل بالسؤال التالي: لماذا لا تفوز إسرائيل في هذه المواجهة كما فازت في مواجهات سابقة ؟
ولماذا لا يكون جواب نتنياهو لأوباما برفض إيقاف بناء المستوطنات، وإلغاء بناء 1600 وحدة سكنية في القدس، الرد الأخير الذي لا يمكن الرجوع عنه، والذي يتعين على أوباما قبوله على مضض، كما حدث في السابق؟
وللرد على هذه التساؤلات، نقول أن هناك طرفا جديدا دخل على الخط، وهو الجيش الأميركي، مجسدا في شخصية رئيس القيادة المركزية الأميركية الجنرال ديفيد باتريوس. فبحسب مجلة «فورين بوليسي».
فإن وفدا من كبار الضباط الأميركيين التابعين لقيادة باتريوس، أرسلوا لكي يحيطوا رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة الأدميرال مايكل مولان علما بأن هناك إدراكا متزايدا لدى القادة العرب بأن الولايات المتحدة عاجزة عن الوقوف في وجه إسرائيل، وأنهم فقدوا الثقة بالوعود الأميركية، وأن التشدد الإسرائيلي في الصراع مع العرب والفلسطينيين يعرض الموقف الأميركي والجنود الأميركيين في المنطقة للخطر، وأن المبعوث الأميركي للشرق الأوسط جورج ميتشل طاعن في السن، وتحركاته بطيئة جدا، وأن ايفاده جاء متأخرا جدا.
بقلم - باتريك بوكانان
