أعلنت الحكومة العراقية عن تشكيل لجنة، تضم مختصين اقتصاديين وقانونيين من مختلف الوزارات، لحل مشكلة إغراق الأسواق المحلية بالسلع المستوردة، ومن المفترض أن تبدأ اللجنة أعمالها لتقدم دراسة أولية بعد أسبوعين حول السُبل الكفيلة بمعالجة الإغراق السلعي.
وذكرت تقارير صحافية عراقية أن رجال أعمال وصناعيين وتجاراً، ابدوا استياءهم من انعدام ضوابط الاستيراد المعمول بها حتى في الغرب المنفتح اقتصاديا، حيث أغرقت السوق العراقية بأردأ أنواع المنتجات، ما يعني خسائر بمليارات الدولارات يتحملها المستهلك، فضلا عن أضرار تلحق بالإنتاج المحلي. وقال المستشار الاقتصادي للحكومة سلام القريشي إن وزارتي المالية والتجارة ومؤسسات أخرى معنية، ستكون «ملزمة» بتوصيات اللجنة الجديدة، لكن الخبراء ورجال الأعمال يعتقدون أن المأزق اكبر من أن تحلّه لجنة خلال أسبوعين فقط.
من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي غازي الكناني إن التحرك الحكومي يعد «خطوة جيدة للحد من استنزاف مبالغ طائلة في سلع غير صالحة للاستهلاك البشري، أو أجهزة عاطلة من المنشأ»، وهو يعتقد أن نجاح الحكومة في «تخفيف الإغراق ولو بنسبة 50 في المئة سيكون أمرا مهما».
وبشأن تعارض مواجهة الإغراق مع ما تقتضيه الاقتصاديات الحديثة من فتح الأسواق، بيّن الكناني أن السوق الحر يجب أن يكون منظما «لكن المشكلة أننا لا نعرف الاتجاه الذي يمضي فيه الاقتصاد العراقي، مع أن الدستور ينص على تحول السوق إلى الاقتصاد الحر، لكن هذا لم يلمس من الحكومة المنتهية ولايتها».
وتابع أن العديد من العراقيين يأملون من الحكومة المقبلة أن تشجع الصناعة والزراعة المحلية لتتوجه بعدها نحو الاقتصاد الحر.
وعن دور الحكومة الغائب في ضبط حركة دخول السلع إلى البلاد، أشار الكناني إلى أن الاقتصاد العراقي بات «مباحاً، لا فيتو ولا رقابة.. يجب أن تشدد الحكومة على دوائرها، لأن هناك فسادا ماليا وإداريا يتدخل لتشويه المشهد، وأن تضع ضوابط للاستيراد العشوائي».
من جهة ثانية، اعتبر مدير مركز تطوير مجتمع الأعمال عبدالحميد الحلّي أن طريقة الحكومة في مواجهة الإغراق «خطوة فاشلة»، موضحا أن أي تدخل حكومي لإنقاذ الاقتصاد الوطني منذ ستينات القرن الماضي وحتى الآن «كان فاشلا».
وشكك الحلي في قدرة الجهاز البيروقراطي ومكاتب الموظفين على حال مأزق الاقتصاد «لأن التغيير لا يخدم الموظف الذي ينظر لمصلحته ومنصبه أولا»، إذ لا بد من إشراك جهات تجارية ومالية وأكاديمية في صياغة ضوابط الاقتصاد.
واتهم الحلي بعض كبار الموظفين بأنهم «يخافون» الاقتصاد المفتوح على اعتبار أن أي نمو «للقطاع الخاص سيقضي على مصالح الموظفين الحكوميين، والعراق دولة موظفين»، أما الاقتصاد الحر فهو «عنوان يطل من ألسنة المسؤولين على الدوائر الاقتصادية من دون أن تقدم أي خدمة لرجال الأعمال».
وبشأن مخاطر الإغراق على السوق المحلية، أكد الحلي أن الإغراق يهدد الاقتصاد إلى حد أوقف الصناعة والزراعة، وأثقل كاهل المواطن، ومثال ذلك أن مصباح إنارة المنازل الذي يباع اليوم ب250 دينارا، يعمل بعمر يقدر ب600 ساعة، بخلاف المصباح ذي المنشأ الإنجليزي الذي يباع ب2000 دينار أو أكثر بقليل.
ولكنه يعمل 6000 ساعة، ما يعني أن المواطن عليه أن يشتري 10 مصابيح من ذوات المناشئ الرديئة وهي النماذج المتوفرة عندنا، حتى يبلغ العمر الافتراضي للمصباح الأصلي، والمشكلة «عدم وجود بضاعة جيدة في السوق».
ويعتقد الحلي أن مواجهة واقع السوق العراقي تحتاج إلى حملة تثقيف لشرح مخاطر الإغراق الرخيص وأسبابه وأهمية الحصول على سلع بديلة جيدة، حتى يعرف المواطن أنه استغفل، ولابد من عودة وضعه الاقتصادي إلى مكانه الطبيعي، «ولكن المشكلة أحيانا أن كبار المسؤولين لا يعرفون تلك الحقائق، وإنما يعتمدون على المستشارين الذين تكمن المشاكل عندهم».
وأشار الى مطالبة الخبراء العراقيين عن ضرورة قصوى لتفعيل جهاز القياس والسيطرة النوعية الذي يفحص المستورد «خاصة وأن المنافذ الحدودية هي عبارة عن مشاكل لا تنتهي، فالسلع الرديئة تدخل عبر الدفع إلى المدير رقم 1 الذي يعمل لصالح الدولة، والمدير رقم 2 الذي يعمل لصالح الأحزاب».
بغداد-«البيان»
