عاشت فرنسا وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية حالة من المنافسة الفعلية، لكن خلف «واجهة» من الصداقة المعلنة. وإذا كانت فرنسا تسعى باستمرار للوصول إلى حالة من «التكافؤ» مع ألمانيا فإن هذه الأخيرة بدأت، بعد أن تخلّصت من عقدة الحرب والهزيمة، تطالب بزيادة تمثيلها في مختلف المؤسسات الأوروبية المشتركة بما يتماشى مع وزنها الديموغرافي وقوتها الاقتصادية، حيث إنها تحتل المرتبة الأولى بين البلدان المصدّرة في العالم.

لقد برزت مظاهر المنافسة بين الطرفين في مختلف الملفات الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الصناعة الفضائية. وكذلك على الصعيد السياسي، حيث كانت المستشارة الألمانية الحالية أنجيلا ميركل قد بدأت معارضتها الشرسة في البداية لمشروع «الاتحاد من أجل المتوسط»، الذي أطلقه ويرعاه الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي.

لكن مؤلف هذا الكتاب يشير إلى أن العامين الأخيرين عرفا توجهاً أكثر «واقعية» في الاتحاد الأوروبي، عليها أن تتعايش في إطاره، لكن بعيداً عن حلم قيام «الولايات المتحدة الأوروبية».

أصبح الهمّ الأكبر بالنسبة لفرنسا بعد الحرب العالمية الثانية هو الوصول إلى التكافؤ مع ألمانيا. وكانت باريس قد قصرت مطالبتها غداة نهاية تلك الحرب بالحصول على تعويض عن الخسائر التي سببتها سنوات القتال والاحتلال.

كان المقصود بذلك هو عدم تكرار الخطأ الكبير الذي جرى اقترافه عام 1919، أي عند نهاية الحرب العالمية الأولى، فيما عُرف بـ «معاهدة فرساي».

كانت شروط تلك المعاهدة تعني في جوهرها إذلال ألمانيا. يتفق المؤرخون والمحللون على أنه منذ تلك اللحظة بدأت ألمانيا التحضير للحرب العالمية الثانية.

وفي سياق ما بعد هذه الحرب الثانية حرصت فرنسا على أن تتصرّف وكأنه ليس هناك منتصر ومهزوم، وإنما بالأحرى هناك قوتان كبيرتان تجابهتا في ثلاثة حروب خلال فترة تقل عن قرن. كانت الحرب الأولى عام 1870 عندما جرى ضمّ منطقتي الألزاس واللورين إلى ألمانيا وبقيتا تحت سيطرتها عدة عقود تالية قبل أن تعودا إلى «الوطن الأم» فرنسا.

وبدا أن المظهر الأهم لـ «الاحترام المتبادل» هو التأكيد على مبدأ التكافؤ داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. هكذا تحظى كل من الدول الأوروبية الأكبر سكاناً، أي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، ب29 صوتاً داخل المجلس الأوروبي.

وفي الوقت الذي يرى فه «المنتصرون» في الحرب العالمية الثانية، ومن بينهم فرنسا، أنهم قد منحوا ألمانيا «المهزومة» حق التكافؤ، يؤكد الألمان من جهتهم، خاصة منذ وصول المستشار غرهارد شرودر إلى السلطة عام 1998 أنه من حق ألمانيا الحصول على تمثيل أكبر من جيرانها «الكبار» داخل المؤسسات الأوروبية وفي مقدّمتها المجلس الأوروبي.

ذلك على قاعدة أن وزنها السكاني الديموغرافي- والاقتصادي يزيد بنسبة 30% من الدول الأوروبية الأخرى التي تؤكد مبدأ «التكافؤ».

الحصول على مكاسب

وفي الوقت الذي حققت فرنسا برنامجاً طموحاً في ميدان الصناعات الفضائية في فترة ما بعد الحرب، اضطرت ألمانيا «المكبّلة بالهزيمة» أن تبقى على هامش هذا الميدان لفترة عقود، قبل ان تقوم بتطوير صناعاتها الفضائية التي يعمل فيها الآن نحو 70000 شخص وتبلغ قيمة نشاطها التجاري 16 مليار يورو.

وقد استفادت من إرث خبرة ألمانيا في حقل صناعة الطيران التي تعود إلى السنوات الأخيرة من الحرب العالمية الثانية عندما طوّر النظام النازي سلاح طيرانه.

وعلى صعيد صناعة الطيران الحربي، شهدت السنوات الأخيرة تهميشاً متعاظماً للطائرات التي تنتجها شركة «داسو» للطيران على المسرح الأوروبي والعالمي. ذلك في الوقت الذي اختارت بلدان أوروبية عديدة تسليح قواتها الجوية بالطائرات التي تنتجها الشركة البريطانية-الألمانية المشتركة «تيفون».

وفي عداد هذه البلدان كل من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والنمسا، وبينما تزوّدت بقية البلدان الأوروبية عامة بطائرات فانتوم الأميركية. لكن ذلك كله لم يمنع من كون فرنسا في صميم إنشاء «الوكالة الفضائية الأوروبية» والمجموعة الأوروبية التي تشترك في تصنيع طائرات «ايرباص».

وبعد أن حصل الألمان على أقصى ما يمكن من «المكاسب» من الطرف الفرنسي في إطار اتفاقات بقطاع الصناعات الفضائية تحوّلوا نحو روسيا ودفعوا مجموعات الصناعات الفضائية فيها مي؟غ وسوخوي وتوبوليف واليوشين...- التي يشترك الألمان في العديد من برامجها ـ للدخول إلى السوق الأوروبية لمنافسة المجموعة الأوروبية المشتركة نفسها وشراء بعض أسهمها (نحو 5%).

ويؤكد المؤلف في هذا السياق أن النجاح التجاري الكبير الذي حققته طائرة «ايرباص» خلال ثلاثين سنة فقط وتوصلها إلى تجاوز طائرة «بوينج» الأميركية تجارياً، لا يخفي أي نجاح «ايرباص»- واقع أن الفرنسيين والألمان يعرفون حالة من المنافسة في إطار المجموعة الأوروبية المشتركة.

وبعد أن كانوا قد حصلوا على نسبة 50% منها رغم أنهم لم يقدّموا سوى 40% من رأس مالها، فإنهم ينوون بعد أجل السيطرة عليها كلها، وربما بدعم شركائهم الروس، كما يشير مؤلف هذا الكتاب.

ملاكم من وزن اليابان

لم تكن المنافسة الفرنسية الألمانية داخل إطار قطاع الصناعات الفضائية «ايرباص» وغيرها- سوى حالة بين سلسلة من الحالات الأخرى على الصعيد الصناعي.

وتتم الإشارة في هذا السياق إلى أن وزير الاقتصاد الفرنسي خلال عامي 2004-2005 نيكولا ساركوزي، ورئيس فرنسا اليوم، كان قد اعترض على النزعة التوسعية الألمانية حيال عدة ملفات. وفي عام 2006 أعلن دومينيك دوفيلبان، رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، ما أسماه «النزعة الوطنية الاقتصادية».

وفي عام 2007 أعلن الرئيس ساركوزي، بعد وصوله إلى السلطة، عن «تجميد» أي استثمار للمفاعلات النووية في ألمانيا حتى عام 0202. ذلك على خلفية طموحات كانت قد أظهرتها شركة «سيمنس» الألمانية في هذا القطاع.

ومن جديد اتجهت «سيمنس» مطلع عام 9002 نحو روسيا، وتحديداً نحو مجموعة «اتومينجروبروم» المختصّة بالنوويات. لكن ميثاق «المساهمة» الذي يربطها بمجموعة «اريفا» الفرنسية يرغمها على الانتظار حتى عام 2020.

ومن خلال عرض كم كبير من التفاصيل يصل مؤلف هذا الكتاب إلى القول إن طبيعة العلاقات بين ألمانيا وفرنسا في قطاعات الفضاء والصناعة الدوائية والطاقة النووية وغيرها، تشابه إلى حد كبير نوعاً من السعي إلى التباعد وفرز ممتلكات كل طرف.

إن ألمانيا تعتبر نفسها بمثابة «ملاكم» من فئة أخرى غير تلك التي تنتمي إليها فرنسا، وتقيس نفسها باليابان. فهي تحتل المرتبة الأولى في الصادرات بالعالم، إذ تحقق مبيعاتها 1530 مليار دولار سنوياً مقابل 630 ملياراً لفرنسا. وتبلغ قيمة صادرات ألمانيا إلى بلدان أوروبا الشرقية 160 مليار دولار مقابل 21 ملياراً لفرنسا.

وتمثّل الاستثمارات الألمانية في شرق أوروبا نحو 30؟ من مجموع الاستثمارات الأجنبية، أي ما يعادل أربعة أضعاف الاستثمارات الفرنسية. وبالإجمال تمثل حصة فرنسا في التجارة العالمية 5,3؟ مقابل 9؟ بالنسبة لألمانيا.

وبعد أن يسوق المؤلف عدداً مهماً من المؤشرات والأرقام التي تصب كلها في الدلالة على النهوض الألماني الكبير، وأن ألمانيا قد استطاعت أن «تمتصّ» كلفة إعادة توحيدها، بل وتحقق للمرّة الأولى فائضاً في الميزانية عام 2007، بعد إعادة توحيدها، ينقل عن المستشار الألماني الأسبق هلموت كول قوله بتاريخ 2 أكتوبر 1982 للرئيس الفرنسي ميتران: «عليكم ألا تنخدعوا فأنا آخر مستشار ألماني من أنصار التوحيد الأوروبي».

عودة قوية

وبعد عشرين سنة من ذلك التصريح «المدهش»، ها هي ألمانيا تستكمل عودتها إلى المسرح السياسي الأوروبي، وتلعب لحسابها وليس لحساب الآخرين.

وكانت قد بدأت عودتها عندما تدخلت في الملف اليوغسلافي منذ عام 1990 حيث شجّعت بصراحة على «بلقنة» البلاد. ولم تتردد في تأكيد أنها ليست مستعدة للتخلّي عن حقوقها كما أظهرت في العلاقة مع فرنسا حيال مختلف الملفات الصناعية الكبرى.

ويحدد المؤلف عدة مراحل مرت فيها العلاقات الفرنسية-الألمانية منذ بداية عقد الخمسينات الماضي حتى اليوم. وبعد العقدين الأولين (1950-1970) اللذين اتسما بتفوّق الدبلوماسية الفرنسية ورفض الجنرال ديجول باستمرار دخول بريطانيا إلى المجموعة الأوروبية المشتركة حتى عام 1973.

حيث فتحت فرنسا نفسها أبواب هذه المجموعة أمام لندن ودون أي مقابل سياسي. وفي نفس الفترة تقريباً ?مطلع سنوات السبعينات- بدأ المستشار الألماني ما عُرف بـ «السياسة الواقعية» حيال الشرق ودون الرجوع إلى باريس.

ومع إعادة توحيد ألمانيا وتوسيع إطار الاتحاد الأوروبي كي يشمل بلدان أوروبا الشرقية والوسطى بدأت مسيرة «تهميش» فرنسا. وبالتوازي شرعت الدبلوماسية الألمانية الموحدة في السعي إلى تثبيت الموقع الراجح لألمانيا وسط الاتحاد الأوروبي «الموسّع».

ويرى المؤلف أن وصول نيكولا ساركوزي إلى الرئاسة في فرنسا يشكّل منعطفاً مهماً في العلاقات الفرنسية-الألمانية، وذلك على أساس أن ألمانيا قد تجاوزت إرث الهزيمة في الحرب العالمية الثانية وأن فرنسا بدأت تتصرف بقدر أكبر من الواقعية السياسية. وهذا ما يجد المؤلف تعبيره في قيام نوع من الإطار التوحيدي الأوروبي، فهمت الدول المعنية أنه ينبغي عليها أن تتعايش بداخله.

ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين للمبادرة التي أطلقها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عام 2007. ويقصد بذلك المشروع الذي كان قد أطلقه عشية انتخابه رئيساً تحت اسم «الاتحاد المتوسطي» والذي أصبح يُسمّى فيما بعد «الاتحاد من أجل المتوسط».

مشروع تتزعمه فرنسا

إن هذا المشروع الجديد الذي لا يضم سوى بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، ويعطي لفرنسا دور الزعامة على المنطقة، اصطدم بمعارضة شرسة من قبل المستشارة الألمانية انجيلا ميركل في البداية.

بل وقامت ألمانيا بتهديد فرنسا أنها قد تقوم بإطلاق مبادرة لتأسيس «اتحاد أوروبا الشرقية» التي تضم داخلها اوكرانيا، وبالطبع، سيتم استثناء فرنسا منها. وكان ذلك يعني بوضوح تأكيد سيطرة ألمانيا على ذلك «الشرق» الأوروبي. وأمام ذلك الموقف المتشدد تمّت العودة عملياً إلى إطار «مسيرة برشلونة» التي كان قد أسس لها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عام 1995 والتي يمثل الاتحاد الأوروبي طرفاً فيها.

وما يؤكده المؤلف هو أن الاتحاد الأوروبي قد غيّر بعمق الدول الأعضاء، حيث سنّ العديد من التوجهات في مختلف قطاعات الاقتصاد والحياة السياسية.

مع ذلك لا تزال المسافة بعيدة عن تحقيق «الولايات المتحدة الأوروبية». وليس لدى الأوروبيين اليوم الإحساس بالانتماء إلى اتحاد «فيدرالي» يستطيع التحدث بصوت واحد على المسرح الدولي. ذلك أن الأعضاء ال27 داخل المجلس الأوروبي، المسؤول عن الدبلوماسية وعن السياسة الأمنية، غير قادرين على الوصول إلى موقف موحّد.

هكذا وفي الوقت الذي تتقاسم النفوذ في العالم اليوم سبع «ممالك مقاتلة»، هي الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان وروسيا والبرازيل، يتم التأكيد أن أوروبا، مع أنها القوة الاقتصادية الأولى في العالم، هي التي لم تزوّد نفسها بسبل وجودها.

بل تُبدي للعالم صورة سوق كبيرة مفتوحة أمام جميع رياح العالم، ومن دون شخصية، بل مجرّد تجمّع من دول متنافسة منقسمة «تستجدي» من يحدد لها توجهاتها في بكين أو دلهي أو البرازيل، وهذا ما يصل إليه المؤلف في تحليله.

الكتاب: انحطاط الإمبراطورية الأوروبية

تأليف: جان فرانسوا سوسبيل

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: فيرست- باريس- 2009