شهد عام 1989 سلسلة من الأحداث الكبرى وغير المتوقعة التي جعلت منه عاما استثنائيا في تاريخ القارة الأوروبية وتاريخ العالم كله. وكان في رأس تلك الأحداث انهيار جدار برلين الذي أعلن بداية نهاية المعسكر الشيوعي كله.

خشيت فرنسا آنذاك أن تتقوّى مواقع ألمانيا الموحدة داخل الحلف الأطلسي وداخل البناء الأوروبي، لكنها خشيت أكثر من أفق تحالف ألماني - روسي.

اعتقد الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران باستمرار أن إعادة توحيد ألمانيا بعيدة. لكن مسيرة التاريخ قررت شيئا آخر وعادت ألمانيا موحدة. وكان انهيار الاتحاد السوفييتي وهزيمة الشيوعية انتصارا كبيرا للولايات المتحدة في «الحرب الباردة»، أو «الحرب العالمية الثالثة»، كما يسميها مؤلف هذا الكتاب.

وبعد انهيار جدار برلين توسع إطار الاتحاد الأوروبي ليضم بلدان أوروبا الشرقية والوسطى، الأمر الذي شكّل تدعيما لدور ألمانيا سياسيا واقتصاديا وإضعافا لدور فرنسا.

وكانت عملية قيام اتحاد أوروبي ب27 دولة قد كرّست نفس التوجه لصالح ألمانيا وضد فرنسا، مع إبعاد فكرة قيام أوروبا سياسية قوية مستقلة عن أميركا.

صادف عام 1989 الذكرى المئوية الثانية لقيام الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، «أم جميع الثورات»، كما يطلق عليها مؤلف هذا الكتاب.

كان الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران يقوم بالتحضيرات التي تليق بهذه المناسبة الفرنسية الكبرى، لكن رغم ذلك تواكبت سلسلة من الأحداث الكبرى وغير المتوقعة جعلت من عام 1989 عاما استثنائيا، لكن لأسباب أخرى تماما غير الذكرى المئوية الثانية للثورة الفرنسية.

بدأ كل شيء، كما يشير المؤلف، بتاريخ 11 مارس 1985 عندما وصل إلى منصب الأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي، بعد وفاة قسطنطين تشرننكو، شخص اسمه ميخائيل غورباتشوف.

كان الاتحاد السوفييتي السابق يعيش في تلك السنة حالة مأساوية على الصعيد الاقتصادي وكان الجنود السوفييت في أفغانستان منذ عام 1979 يواجهون وضعا صعبا أمام «المجاهدين» الأفغان المدعومين من الولايات المتحدة الأميركية.

وبنفس الوقت عملت إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان على خفض أسعار البترول من 29 دولارا إلى 10 دولارات فقط لتضييق الخناق الاقتصادي على السوفييت عند وصول جورباتشوف إلى السلطة حيث اضطر اعتبارا من عام 1987 للجوء إلى سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية تحت اسم الإصلاح والشفافية.

وسرعان ما وصلت شعبية الرئيس السوفييتي الجديد، غورباتشوف، إلى القمة في جميع بلدان أوروبا الغربية. أثار مجرى تلك الأحداث قلق فرنسا التي كانت تدرك تماما أن الألمان لا يحلمون سوى بإعادة توحيد شطري الأمة الألمانية في دولة واحدة. بل واعتقدت باريس آنذاك أن غورباتشوف يتبنّى إستراتيجية ترمي إلى «تحييد» ألمانيا التي قد تكون مستعدة لبيع مواقفها للشرق مقابل إعادة توحيدها.

وإذا كانت باريس تخشى آنذاك أن تؤدي إعادة توحيد ألمانيا إلى جعلها قوة مسيطرة داخل الحلف الأطلسي والمجموعة الأوروبية، فإن خشيتها الأكبر كانت في أن تلجأ ألمانيا الموحدة إلى التخلّي عن الحلف الأطلسي من أجل التحالف مع روسيا.

الحدث الأكبر

كان ميتران على قناعة تامة أن توحيد ألمانيا قادم ولا مفرّ منه. بل ويشير المؤلف إلى أنه أسرّ بذلك للمستشار الألماني الأسبق هلموت كول منذ عام 1984. لكن لم يكن هناك من يتوقع في صيف عام 1989 أنه بعد أشهر قليلة سوف تعيش برلين وألمانيا وأوروبا والعالم الحدث الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

وينقل المؤلف عن الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران تصريحه بتاريخ 27 يوليو من عام 1989 بما يلي: «يبدو لي أن تطلّع الألمان إلى إعادة توحيد أمتهم أمر مفهوم، لكن ذلك لا يمكن أن يحدث إلا بطريقة سلمية وديمقراطية»، أي ما كان على خلفية الاعتقاد أن الاتحاد السوفييتي ما كان له أن يسمح أبدا بعودة ألمانيا الموحّدة إلى الغرب.

ويشرح المؤلف أن استبعاد ميتران لأفق إعادة توحيد ألمانيا آنذاك كان يقوم على أساس قناعة مزدوجة. فمن جهة كان يعتقد أن الاتحاد السوفييتي لن يقبل إعادة التوحيد ذلك أنها كانت تعني زوال حلف وارسو، الأمر الذي لم يكن مقبولا من وجهة النظر السوفييتية.

ومن جهة أخرى كان على قناعة أن ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) تتناظر مع «بروسيا» السابقة التي تزعّمها بسمارك ووحّد ألمانيا بالقوة في القرن التاسع عشر وهي التي كانت قد هزمت فرنسا عام 1870. وبالتالي ما كان ل«بروسيا السابقة» أن تقبل من جديد الانضواء تحت لواء ألمانيا الغربية.

وفي التاسع من شهر نوفمبر 1989 هدمت الجماهير الألمانية جدار برلين، لكن استمر فرانسوا ميتران على قناعته أن غورباتشوف «سيضع حدا لذلك اللهو» وإلا سوف يزيحه جنرال سوفييتي صارم عن السلطة في موسكو.

ورغم الصمت الألماني، وتطمينات غورباتشوف بأنه لم يتم المساس بالحدود بين الألمانيتين، أعلن المستشار الألماني آنذاك هلموت كول بتاريخ 28 نوفمبر- 1989 أمام برلمان بلاده «البندستاج» خطته من عشر نقاط للشروع بمسيرة إعادة توحيد ألمانيا. كان غضب فرانسوا ميتران كبيرا، إذ ان «صديقه» كول لم يخبره بشيء مسبقا.

العلاقات تتدهور

تدهورت بوضوح العلاقات بين كول وميتران. لكن منذ شهر فبراير من عام 1990 بدا بوضوح أن غورباتشوف قد أعلن استسلامه أمام الولايات المتحدة دون شروط ودون مفاوضات. ولم يتردد في أن يعترف أثناء لقائه بعدها بهلموت كول ب«حق الشعب الألماني في أن يقرر وحده مصيره. والاتحاد السوفييتي سوف يحترم قرارات ألمانيا».

وطيلة سنوات التسعينات المنصرمة كان على البنك المركزي الألماني أن يأخذ باعتباره واقع توحيد البلاد وكرّست ألمانيا الغربية (السابقة) نسبة 4 بالمئة سنويا من إجمالي إنتاجها الداخلي لرفع مستوى المعيشة في ألمانيا الشرقية (السابقة).

وعندما جرى تبنّي اليورو كعملة أوروبية موحّدة لعدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي جرى تجنّب تخفيض قيمة عملة عدد من البلدان مع فعالية أكبر في مكافحة التضخّم. هكذا وبفضل العملة الموحّدة غطى الفائض لدى البعض (خاصة ألمانيا) على عجز الآخرين، كما يشرح المؤلف.

هكذا وفي مواجهة الأزمة المالية العالمية التي انفجرت منذ صيف عام 2007، شكّل اليورو عامل استقرار هام وساهم بفعالية في حماية بعض بلدان منطقته «منطقة اليورو» من آثار العاصفة المالية. وبفضل اليورو تقوم فرنسا وإيطاليا وغيرهما اليوم بتمويل عجزها الخارجي من خلال فوائض الشركاء النشطاء على صعيد التصدير.

التوسيع القاتل

مثّل انهيار الاتحاد السوفييتي وهزيمة الشيوعية انتصارا للولايات المتحدة ول«العالم الحر» فيما يتم اعتباره الحرب العالمية الثالثة، كما يرى المؤلف. كان ذلك عبر نهاية «الحرب الباردة» التي استمرّت 40 عاما على عدة مسارح للعمليات من كوريا إلى إفريقيا ومن فيتنام إلى كوبا ومن برلين إلى الشيلي.

ومثلما هو الحال في كل الحروب يفرض المنتصر دائما شروطه ويقوم بتقسيم الأراضي «المستولى عليها». هكذا اضطرت روسيا على أن تتخلّى عن 5 ملايين كيلومتر مربع لتتضاءل المساحة التي كانت تسيطر عليها من 22 مليون كيلومتر مربع إلى 17 مليون كيلومتر مربع، كما فقدت أكثر من نصف عدد السكان، وذلك من 300 مليون نسمة كانوا يقطنون الاتحاد السوفييتي إلى 145 مليون هو عدد سكان روسيا اليوم.

إن بلدان أوروبا الشرقية والوسطى التي كانت تدور في تلك الاتحاد السوفييتي خفّت للانضمام إلى الحلف الأطلسي وإلى الاتحاد الأوروبي.

وبنفس الوقت حاولت الولايات المتحدة أن تمدّ وجود الحلف الأطلسي الذي تأسس عام 1949 إلى أقصى ما يمكن في المجال السوفييتي (السابق) وصولا إلى تخوم روسيا عبر ضمّ كل من اوكرانيا وجيورجيا الذي لا يزال معلّقا حتى الآن. أما توسيع إطار الاتحاد الأوروبي إلى بلدان أوروبا الشرقية والوسطى فقد سعى إليه الجميع وتمنّوه.

هذا مع استثناء كبير يحدده المؤلف بفرنسا التي ترى في ذلك، حسب التحليلات المقدمة، نهاية نفوذها السياسي في أوروبا. وهذا يعود لكون الاتحاد الأوروبي في الحقبة ما بعد السوفييتية يتناظر كثيرا مع المجال السياسي والاقتصادي لنفوذ الحلف الأطلسي. ثم إن حدود الاتحاد هذه يتم رسمها اليوم في واشنطن وإلى حد ما في لندن أكثر مما يتم رسمها في باريس وروما ومدريد.

النظرة الأميركية

ويحدد المؤلف القول ان الاتحاد الأوروبي هو بالنسبة للولايات المتحدة «نادي للديمقراطيات الغربية الحليفة» والرافد الاقتصادي والسياسي لمنظمتها العسكرية المتمثلة في الحلف الأطلسي.

وكان دخول البلدان الجديدة إلى الاتحاد الأوروبي وإلى الحلف الأطلسي سيجعلها تنتقل فعليا إلى المعسكر الغربي وبالتالي إلى تحت السيطرة والحماية العسكرية الأميركية.

ويتم التأكيد في هذا السياق أن الاندماج السريع لبلدان أوروبا الشرقية والوسطى في إطار الاتحاد الأوروبي يعني بالنسبة للولايات المتحدة ولبريطانيا ضمان ابتعاد إمكانية قيام أوروبا قوية تتحرر من الوصاية الأميركية.

وذلك لفترة طويلة على الأقل. وفي الواقع إذا كان من الصعب التفاهم بين طرفين فكيف بالأمر إذا كان هناك 11 أو 12 طرفا أو أكثر حول طاولة المفاوضات. وهذا يعني أيضا أن أمل الوصول إلى أي نوع من الإجماع السياسي حول أي موضوع بين 27 بلدا.

وحتى بين 35 في الأفق القريب احتمالا، إنما هو ضرب من الأحلام الطوباوية. هذا خاصة أن بلدان أوروبا الشرقية، وعلى خلفية تاريخها وخضوعها للذهنية الستالينية خلال عقود، لا تثق إلا بمنقذها الأميركي.

وبالنسبة لألمانيا، يشكل انضمام بلدان شرق ووسط أوروبا إلى الاتحاد الأوروبي استعادة لمجال نفوذها التقليدي الممتد من بولندا إلى منطقة البلقان. ثم إن مثل هذا المجال يمثّل سوقا مهمة لتصريف المنتجات والبضائع الألمانية. كذلك يضع توسيع إطار الاتحاد الأوروبي ألمانيا في موقع مركزي وسط أوروبا، ومما يقلّص آليا من النفوذ السياسي الفرنسي.

أما البلدان الأخرى مثل إيطاليا واسبانيا وهولندا وغيرها لا يسيئها في شيء أن ترى أمامها مشهد تفكك عُرى الثنائي الألماني-الفرنسي الذي كان يزعم أنه يشكل محرّك مسيرة التوحيد الأوروبي.

فرنسا.. الخاسر

وتبقى فرنسا هي، برأي المؤلف، التي خسرت كثيرا من توسيع إطار الاتحاد الأوروبي والذي حاولت كبحه. هذا فضلا عن أن عملية التوسيع تقرع جرس نهاية فكرة أوروبا السياسية وتستبعد إمكانية قيام ثورة أوروبية موحّدة بين بقية «الإمبراطوريات» القائمة في العالم. وبهذا المعنى يتم الحديث عن «انحطاط الإمبراطورية الأوروبية»، كما جاء في عنوان هذا الكتاب.

تتم الإشارة في هذا السياق أنه لم يعد هناك بين البلدان الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من يراوده حلم أوروبا السياسية. فبريطانيا قد اختارت منذ فترة طويلة التوجه نحو أميركا بل والعيش في ظلّها.

وفرنسا تبقى، رغم كل ما يقال، متعلقة بالخطاب الديجولي الخاص بالمحافظة على الصوت الفرنسي المستقبل، ذلك مهما زعمت أنها تدافع عن فكرة بناء أوروبا قوية فهي لا تريد في الحقيقة بناء وحدة أوروبية حقيقية.

أما ألمانيا، فهي تنتظر صعود قوتها من جديد، فبفضل توسيع إطار الاتحاد الأوروبي ليضم بلدان أوروبا الشرقية والوسطى وبفضل اليورو تحتل مركز «الإمبراطورية الرومانية الجرمانية» الجديدة.

الكتاب: انحطاط الإمبراطورية الأوروبية

تأليف: جان فرانسوا سوسبيل

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: فيرست- باريس- 2009