انتصر الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، لكن الأوروبيين «المنتصرين» خرجوا ضعفاء جداً رغم انتصارهم بينما برزت قوتان عظميان على الصعيد العالمي هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق. وارتفعت أصوات كثيرة في أوروبا تطالب بوضع حد نهائي للحروب والشروع بمسيرة بناء أوروبي موحّد. وكانت فرنسا وألمانيا، عدوّتا الأمس القريب، هما محرك هذه المسيرة منذ البداية.

ولكن بنفس الوقت برز مفهومان أحدهما يقول بضرورة قيام أوروبا قوية ومستقلة بالعلاقة مع الولايات المتحدة ويرى الآخر أن المطلوب هو أساساً تأسيس منطقة تبادل تجاري واقتصادي حر. كانت فرنسا الديغولية هي مع المفهوم الأول حتى القطيعة التي انتهت من خلال الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي بعد انتخابه عام 2007. وكانت ألمانيا وبريطانيا من أنصار المفهوم الآخر.

ورغم الإعلان المستمر عن التقارب الفرنسي-الألماني فإن المؤلف يرى فيه مجرد «تقارب واجهة» و«لقاء ظرفي بينما يؤكّد أن ألمانيا وبريطانيا تلتقيان موضوعياً في الأهداف وتتفقان على أفق توسيع إطار الاتحاد الأوروبي بلا حدود.

في عام 1945، حرر الأميركيون وحلفاؤهم القسم الغربي من القارة الأوروبية بينما كان الجيش الأحمر يقيم قواعده لعدة عقود تالية في الجزء الشرقي من ألمانيا وجمهوريات شرق أوروبا التي أصبحت تدور آنذاك في الفلك السوفييتي.

إن أوروبا التي احتلها النازيون لم تستعد سيادتها بشكل كامل، فاعتباراً من عام 1952 قامت منظمة شمال الحلف الأطلسي بين بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة حيث تواجدت عدة قواعد عسكرية أميركية في عدة بلدان أوروبية. وانقسمت القارة إلى شطرين كي تصبح ميداناً لمعركة المنافسة بين الغرب والشرق.

بهذا المعنى قامت أوروبا السياسية في إطار «التبعية» بينما كانت تعني حتى ذلك الوقت مجالاً جغرافياً يمتد من غرب جبال الأورال حتى شمال البحر المتوسط.

وللمرّة الأولى منذ عهد إمبراطورية شارلمان استعاد تعبير «أوروبا» دلالته السياسية كمنطقة محتلّة لم تعد تسيطر فعلياً على دفاعها ولا على دبلوماسيتها. أوروبا هذه هي التي كانت قد سادت العالم وكانت في مطلع القرن العشرين بأوج قوتها الاقتصادية والصناعية والثقافية والتجارية والعسكرية.

تبعية أم استقلال

لكن أوروبا عرفت في تلك الفترة أيضاً بداية مسيرة التحالفات والانقسامات الداخلية، وذلك فيما يشبه «عملية انتحار جماعي»، حسب تعبير المؤلف، وفي نهاية الحرب العالمية الأولى، عام 1918، أصبحت الولايات المتحدة، أي بعد أقل من نصف قرن على الحرب الأهلية التي هددت وحدتها، هي القوة العالمية الأولى.

وعند نهاية الحرب العالمية الثانية، 1945، كانت القوة الأوروبية في أنفاسها الأخيرة بالإضافة إلى بداية نهاية إمبراطوريتها الاستعمارية متخلّية بذلك عن تسيير أمور العالم للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية أيضاً ارتفعت أصوات أوروبية كثيرة تطالب بوضع حد لجميع الحروب في القارة، والشروع بعملية بناء أوروبي ووضع نهاية للمنافسات «القاتلة» بين الدول، وخاصة بين ألمانيا وفرنسا.

وبرز آنذاك مفهومان، أحدهما جسده الجنرال شارل ديغول الذي أكّد ضرورة بقاء فرنسا «حرة» من النازيين وبعدهم من «الانغلوسكسون»، أي الأميركيين والانجليز، الذين يتابعون احتلال أوروبا ويمنعونها من ممارسة كامل سيادتها، ومفهوم آخر مثّله الفرنسي «جان مونيه» وآخرون وتركّز حول التأكيد على أن الانجليز والأميركيين هم حلفاء وشركاء وليس أكثر.

هذان المفهومان عبّرا في الواقع كمنظورين لمستقبل أوروبا، أحدهما فيدرالي، توحيدي، تنتهي في إطاره الدول ـ الأمم القومية من أجل وضع حد نهائي للحروب، وأوروبا أيضاً قريبة من الأميركيين وذات نزعة أطلسية.

أما الآخر فهو الذي دعا إليه الجنرال ديغول منذ استقلال الجزائر خاصة عام 1962 والقائل بقيام «أوروبا قوية» مستقلة عن الولايات المتحدة واحتفاظ الدول ـ الأمم بدورها المركزي. مثل هذه الرؤية انحاز لها الرؤساء الفرنسيون منذ الجنرال وحتى الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك. وأوروبا هذه تقوم على التعاون بين دول ذات سيادة.

الفيدرالية الأوروبية

بالمقابل حاول «جان مونيه» المثابرة في محاولة تحقيق مشروع «الفيدرالية الأوروبية»، ذلك على أساس خطوات صغيرة تزيد من مجال التعاون الأوروبي وصولاً إلى زوال الدول «ذاتياً».

لكن كانت العقبة الكبرى هي الخلاف في المصالح بين ألمانيا وفرنسا.

كانت ألمانيا بلاداً صناعية تؤيد قيام سوق مشتركة وتحلم لدور سياسي في إطار مشروع سياسي أوروبي بعد نهاية النازية. أما فرنسا فكانت بلاداً زراعية تخشى المنافسة الدولية.

كان يمكن لمسيرة التوحيد الأوروبية أن تتوقف عند ذلك الحد لولا قيام حرب السويس عام 1956 عندما هاجمت إسرائيل وفرنسا وانجلترا مصر.

لكن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي طالبا بوضع نهاية للحرب. لقد تغيّر العالم وأصبحت السلطة تعود «للكبيرين» والقوى الأوروبية القديمة غدت تحت الوصاية. واضطرت فرنسا وبريطانيا إلى الانسحاب «ذليلتان» من مصر. وفهمتا جيداً أن وزنهما مطلب من جديد.

موازين قوى أوروبية

بقي البناء الأوروبي محكوماً بالقطبين الفرنسي والألماني حتى إعادة توحيد ألمانيا عام 1990. أما التقارب الفرنسي- الألماني المعلن باستمرار فلا يرى فيه مؤلف هذا الكتاب سوى «تحالف واجهة وظروف».

ويقدم هذا التقارب على أساس «الضعف المعنوي» لألمانيا بعد البربرية النازية. لكن سرعان ما استطاعت ألمانيا أن تفرض نفسها على فرنسا من موقعها كقوة صناعية كبرى.

وبنفس الوقت الذي بدا فيه أن دول أوروبا الغربية قد أوكلت مهمة دفاعها إلى الحلف الأطلسي وفقدت إلى حد كبير أي دبلوماسية مستقلة، بدا أيضاً أن اتفاقية مستريشت لعام 1992 الخاصة بالتنسيق الاقتصادي والنقدي الأوروبي قد جعلت مسيرة التوحيد حقيقة قائمة.

بالنسبة لبريطانيا كان الجنرال شارل ديغول قد عارض بشكل قاطع دخول بريطانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية في عام 1963 ثم في عام 1967.

وكان «الشريف البريطاني» كممثل للمصالح الأميركية (الانغلوسكسونية) قد عارض من جهة باستمرار بناء «أوروبا سياسية قوية» قد تشكل قطباً مستقلاً داخل التحالف الأطلسي.

ذلك على أساس أن قيامها على أرض القارة قد يعني حديثها مباشرة مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق)، مما يعني تهميش بريطانيا واقعياً. ثم إن السياسة البريطانية تمثّلت منذ القرن الثامن عشر في أن تدير من بعيد «توازن القوى في القارة وتجنّب قيام تحالفات قوية.

ويرى المؤلف أن الجنرال ديغول كان مستعداً دائماً لتبديل الاستراتيجيات والشركاء. هكذا حاول لفترة من الزمن بهدف تحرير فرنسا من الوصاية الأميركية، أن يصبح سيد أوروبا السياسية والوصي على ألمانيا، بل وشريك الاتحاد السوفييتي. وقد استمرت تلك التقاليد الديغولية حتى انتخاب نيكولا ساركوزي رئيساً لفرنسا في شهر مايو من عام 2007 حيث أحدث «قطيعة» مع ذلك النهج الديغولي وأعاد فرنسا إلى البنى العسكرية للحلف الأطلسي.

ما بعد ديغول

وعندما ابتعد الجنرال عن السلطة في فرنسا عام 1969 تنفّس شركاؤه الأوروبيون الصعداء، وعلى رأسهم ألمانيا، التي كانت تحس بالضيق الشديد حيال سلوكية فرنسا بعهده.

وبدا بنفس الوقت الطريق مفتوحاً أمام انضمام بريطانيا للمجموعة الاقتصادية الأوروبية، ذلك الانضمام الذي كان قد عطّله باستمرار الجنرال ديغول، لأسباب ذات طبيعة استراتيجية، كما يؤكد المؤلف. وكانت لندن قد ناضلت باستمرار من أجل جعل أوروبا منطقة تبادل اقتصادي حر دون أي دور سياسي حقيقي.

ومع انضمام بريطانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية عام 1973 بدت فرنسا معزولة وقد ضعفت مواقعها. كما كانت معزولة داخل الحلف الأطلسي بعد أن أخرجها الجنرال من بناه العسكرية ومعزولة داخل المعسكر الغربي عامة بعد مواقفها البعيدة عن الولايات المتحدة الأميركية.

وبانضمام بريطانيا أصبح من المطلوب توسيع إطار منطقة التبادل الاقتصادي الحر وزيادة الدول الأعضاء إلى أقصى حد ممكن. إن فلسفة التوسيع «الآلي» هي أيضاً تلك التي تبنّاها الاتحاد الأوروبي الذي خلف المجموعة الاقتصادية الأوروبية. وزاد عدد الدول الأعضاء فيه من 15 في عام 1995 إلى 27 دولة عضو في عام 2007 وربما أن هذا العدد سيصل إلى 35 في أفق عام 2011. هذا كله دون أي نقاش حقيقي حول الحدود التي سوف يصل إليها الاتحاد الأوروبي.

إن فرنسا التي كانت تسيطر على «أوروبا الموحدة بست دول» خسرت نفوذها لصالح ألمانيا، العملاق الاقتصادي الذي يروقه دون شك تضاؤل الوزن السياسي لفرنسا والذي قد يسعى إلى أن «يرخي قليلاً» الرباط المشدود الذي يوثقه بشدة إليها. إن ألمانيا هي بحاجة إلى سوق أوروبية مشتركة من أجل تسويق منتجاتها، كما أنها بحاجة إلى الوزن البريطاني من أجل النجاة من الهيمنة الفرنسية.

حصان طروادة

وعندما دخلت بريطانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية سعت، ولا تزال تسعى حتى الآن، من أجل تقديم الحد الأدنى من الاستثمارات والحصول على الحد الأقصى الممكن من المكاسب.

كذلك سعت بريطانيا إلى التخلص من جميع الأفكار الديغولية حول أوروبا وفي مقدمتها قيام أوروبا قوية وانتهاج سياسة مستقلة ذاتياً عن الولايات المتحدة والتركيز بالمقابل على ما تراه أساسياً، أي سوق التبادل الحر الكبير وحرية انتقال رؤوس الأموال وتوسيع الاتحاد الأوروبي بلا نهاية، وهذا كله يثير غبطة ألمانيا كثيراً، لكنها تسعى إلى إخفاء هذه الغبطة.

بهذا المعنى يرى المؤلف أن بريطانيا ليست «حصان طروادة» الأميركي إلى الاتحاد الأوروبي، ولكنها أيضاً وربما خاصة، حصان طروادة الألماني.

ويرى المؤلف أنه كان من النتائج المباشرة لانضمام بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي نتيجة مهمة كان لها تأثيرها على مستقبل أوروبا، بل وعلى مستقبل العالم. وهو يحدد ذلك بالقول ان ذلك الانضمام جعل المستشار الألماني آنذاك «ويلي برانت» طليق اليدين في تنفيذ ما أسماه ب«السياسة الواقعية» حيال بلدان شرق القارّة، ودون الرجوع إلى الشريك الفرنسي.

وبالتوازي مع تلك «السياسة الواقعية» اخترع وزير خارجية أميركا الأسبق هنري كيسنجر مفهوم «الوفاق» مع الاتحاد السوفييتي ونظّم اعتراف الولايات المتحدة بالصين. وبدا أولاً أن ذلك التوجه الألماني والأميركي الجديد، الذي أثار قلق فرنسا وبريطانيا على خلفية ذكريات الحرب العالمية الثانية، يصبّ في مصلحة الاتحاد السوفييتي بزعامة ليونيد بريجنيف. ذلك أن اعتراف الغرب بألمانيا الديمقراطية عنى القبول بتقسيم القارة الأوروبية الذي فرضه ستالين.

لكن أظهرت تلك السياسة الواقعية بعد سنوات أنها كانت خطوة حاسمة نحو إعادة توحيد ألمانيا وكانت الاختراق الكبير الأول في جدار برلين، وبانهيار المعسكر الشيوعي ومعه الاستقطاب الثنائي الدولي بين معسكرين.. وقيام عالم جديد.

الكتاب: انحطاط الإمبراطورية الأوروبية

تأليف: جان فرانسوا سوسبيل

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

الناشر: فيرست- باريس- 2009