حذرت في مقال في مقال سابق لي من أن مساومة حركة طالبان على إيجاد تسوية سلمية في أفغانستان سوف تحدث تصدعا في المصالح الأفغانية والأميركية، ولكن ليكن واضحا أن هذا التصدع الجديد سيضاف إلى تصدعات أخرى سابقة، ساهمت في تردي العلاقات الأميركية- الأفغانية.
وكل ما يحتاجه فريق الرئيس الأميركي باراك أوباما تحديد ما إذا كان قادرا على تحقيق أهدافه في أفغانستان، في حين تتعرض علاقاته مع الرئيس الأفغاني حامد قرضاي للتردي.
وقد تحدثت صحيفة «نيويورك تايمز»، في مقال لها هي الأخرى، عن تصدع أساسي آخر في العلاقات بين الولايات المتحدة وأفغانستان. فبحسب ما تروي الصحيفة فإن الرئيس الأفغاني الغاضب حامد قرضاي، وبعد أن امتنع البيت الأبيض عن دعوته لمقابلة أوباما، وجه دعوة للرئيس الايراني محمود نجادي لزيارة كابول لإلقاء كلمة مناهضة للأميركيين من القصر الرئاسي هناك.
وألقى نجادي كلمته في الوقت الذي كان وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس يتفقد القوات الأميركية في أفغانستان. وواصل الوفد الإيراني محادثاته في عشاء عمل، أعلن قرضاي خلاله أن الأميركيين موجودون في أفغانستان لأنهم يريدون الهيمنة على بلاده والمنطقة بأكملها.
وأكد الرئيس الأفغاني، بحسب المقال، أن بإمكانه الوصول إلى اتفاق سلام مع حركة طالبان، لكن المسؤولين الأميركيين يحولون دون ذلك، بهدف إطالة أمد الحرب، وكذلك إطالة مدى الوجود الأميركي في تلك المنطقة.
ومثل أي قادة عالميين في موضعه، يأمل قرضاي بأن يظهر لمواطنيه أنه ليس مجرد ألعوبة في أيدي القوى الأجنبية، غير أنه لم يتردد في إيصال رسالة مشابهة في نوفمبر العام الماضي.
حيث أعلن في مقابلة تلفزيونية أن الغرب لا يوجد في أفغانستان بصورة رئيسية من أجل عيون الأفغان، بل لمحاربة الإرهاب، و قال إن الشعب الأفغاني ظل يتعرض للقتل والتعذيب وتدمر قراه، ويعيش حياة بائسة على يد مسلحي القاعدة وإرهابيين آخرين قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر، موضحا أن الغرب لم يكن يهتم بما يجري، ولم يحاول إرسال قواته لإنقاذ الأفغان.
يستنتج من هذا كله أن فريق أوباما يجب إلا ينتظر تلقي أي عرفان بالجميل من قرضاي. كيف يمكن لزعيم دولة فقيرة جدا، تعيش عالة على العالم، الإفلات من مناصبة الحكومة الأميركية العداء له؟
ربما أدرك قبل صناع القرار الأميركيين أن زيادة الالتزامات الأميركية بتوسيع نفوذ واشنطن في أفغانستان يعني أن الولايات المتحدة لم يعد لها الخيار في إعادة تحديد مهمتها بطريقة تستبعد قرضاي، أو منع الدعم واسع النطاق الذي تتمتع به المؤسسات الأفغانية. ومن خلال التصعيد العسكري تصبح الحكومة الأميركية أكثر اعتماداً على قرضاي، وليس العكس.
ويحتاج صناع القرار الأميركيون الآن للتفكير مليا فيما إذا كان بإمكانهم تحقيق أهدافهم في أفغانستان في الوقت الذي تتدهور العلاقات مع قرضاي وحكومة كابول. كما يحتاج البيت الأبيض لإقناع قواته المسلحة والشعب الأميركي بأهداف الحملة العسكرية، والدور الإنساني في أفغانستان. فالخصام العلني مع قرضاي وحكومته قد يحطم هذا الاعتقاد بسرعة خاطفة.
وبالمثل مما لا شك فيه أن عدم الثقة التي يجاهر بها الرئيس الأفغاني بشأن الدوافع الأميركية قد تشكل دافعا قويا في نجاح طالبان بتجنيد مزيد من الأفغان.
ويعتقد المسؤولون الأميركيون أن لديهم شكاوي مشروعة تتعلق بإنجازات قرضاي وحكومته. ولا يدرك العديد منهم أن نفوذهم لدى الرئيس الأفغاني آخذ بالانحسار، مع كل زيادة في التصعيد الأميركي. ومن الأفضل لهؤلاء المسؤولين تقبل هذه المفارقة، إذا رغبوا بتجنب.إلحاق أي هزيمة نكراء بهم.
والدرس الروسي في الشيشان، وما تلاه من ردود فعل انتقامية، وعمليات تفجير واسعة النطاق في داخل روسيا من قبل المسلحين الشيشان، يعتبر درسا مفيدا للآخرين. وهذا ينطبق على الحملة الأميركية في أفغانستان. فالقوات الأميركية تتقدم بسرعة في حملتها العسكرية، وتعتزم أن تكون قندهار محطتها التالية.
وقد تعين على الشرطة الأميركية التعامل مع بعض الهجمات الانتقامية الداخلية، كما حصل في عملية إطلاق النار في فورت هود التي نفذها الضابط الأميركي نضال حسن، ومحاولة تفجير طائرة أميركية على يد الطالب النيجيري عمر فاروق عبد المطلب، وكذلك توجيه الاتهام، أخيرا، إلى نجيب الله زازي، الذي أقر بالتخطيط لشن هجوم على شبكة محطة القطارات في مدينة نيويورك.
ولم تتلق أي من هذه المؤامرات تأييدا عمليا من جانب أفغانستان. وبالمثل، وحتى مع تواصل الحملة العسكرية في تلك البلاد النائية، ما تزال هناك حاجة لاستدعاء الألوف من رجال الشرطة في الولايات المتحدة لحضور دورات تدريبية تتعلق بالتعرف على المتفجرات المرتجلة المصنوعة من منتجات منزلية شائعة، وإبطال مفعولها.
وتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر لها علاقة بأفغانستان وأماكن أخرى، أما الهجوم الإرهابي التالي على الولايات المتحدة فمن المرجح إلا تكون له أي علاقة، وهذا يدفع الكثيرين للتساؤل عن سبب تركيز الاهتمام على أفغانستان بشكل كبير ومكلف. فإذا كانت الحملة الأميركية في أفغانستان عاجزة عن حماية الأراضي الأميركية من الإرهاب، فما هو هدفها؟
لقد قام أوباما أخيرا بزيارة سريعة لأفغانستان، حيث ذكّر الجنود الأميركيين بأن مهمة الولايات المتحدة هناك هي تعطيل تنظيم القاعدة وتفكيكه، وإلحاق الهزيمة به، وبحلفائه المتشددين، وتدميرهم.
وأوضح أن الولايات المتحدة تعتزم حرمان القاعدة من ملاذها الآمن، وستمتص زخم هجمات طالبان،وتعكسه، وتعزز قوات الأمن الأفغانية، وتدعم حكومة كابول، وتتيح لها المباشرة بتسلم مهامها، وتحمل المسؤولية، والحصول على ثقة الشعب الأفغاني.
والشيء المتبقي الذي لم نشر إليه هو معيار القياس، أو المدة التي ستحتاجها الحكومة الأميركية لتحقيق تلك الأهداف. وسيحاول أوباما في نهاية المطاف إصدار الأحكام الضرورية، لكن يتعين أن يؤمن العالم بأكمله، وليس الشعب الأميركي فحسب، بالحلول التي سيطرحها.
قتال هادف
يبدو أن الولايات المتحدة تقاتل في أفغانستان ليس ضد الإرهاب بل من أجل الحفاظ على سمعتها، ولزيادة قدرتها على إقناع العالم الخارجي، الأوسع نطاقا، بأنها تتحكم بشؤونها، وأن قوتها تستطيع تحقيق أهداف حافلة بالتحديات. لكن ذلك يعني أن شعوب العالم، وليس الرئيس الأميركي فحسب، هي التي ستقرر بنفسها ما إذا كانت مقتنعة بفعالية القوة الأميركية.
وكما حدث في الحملة العسكرية السوفييتية في أفغانستان، فإن شعوب العالم هي وحدها التي ستقرر ما إذا كانت الولايات المتحدة ستفوز بالحرب، أو تخسرها، فالشعوب وليس أوباما هي التي ستضع معيار النجاح، الذي ستكون الولايات المتحدة ملزمة بتحقيقه.
بقلم ـ روبرت هديك ترجمة ـ عمر حرزالله
