يتجه البريطانيون في 6 مايو المقبل إلى صناديق الاقتراع لاختيار برلمان (مجلس عموم) وحزب قائد جديدين ورئيس وزراء في ظل خريطة انتخابية صعبة التنبؤ في ضوء دخول قوي لحزب كان لعقود على الهامش، وكبر حجم الناخبين الذين لم يحددوا وجهة أصواتهم بعد بانتظار استعراض البرامج الانتخابية التي باتت تنبض على وقع الأزمة المالية العالمية.
وتأتي الانتخابات في ظروف صعبة بالنسبة لحزب العمال، الذي يهيمن على السلطتين التشريعية والتنفيذية في المملكة المتحدة منذ العام 1997، بعد شهور من ضربة موجعة تلقاها في الانتخابات المحلية، وتفشي الخلافات الداخلية بين زعيم الحزب غوردون براون وعدد من الوزراء والقيادات.
وللمرة الأولى خلال عقدين من الزمن تبدو الحملة الانتخابية ضبابية النتائج، وإن كان حصان حزب المحافظين (بزعامة ديفيد كاميرون) يبقى محتفظاً بالتقدم في استطلاعات الرأي العام الذي يمسك برايته منذ نحو عامين.. وحتى آخر استطلاع كان الفارق سبع نقاط (39 في المئة مقابل 32 للعمال).
ولكن آخر الدراسات تبين أن انتخابات 6 مايو قد تنتج برلمانا «معلقاً» للمرة الأولى في ضوء عدم إحراز أي من الحزبين الرئيسيين: العمال الحاكم أو المحافظين المعارض على الغالبية المطلوبة للاستفراد في تشكيل الحكومة.
وهو ما قد يعطي سلطة غير مسبوقة لحزب الأحرار الديمقراطيين (بزعامة نيك كليغ) الذي بات، بعد مناظرة الخميس بين قادة الأحزاب، الحصان الأسود في «ديربي انتخابات مايو»، حتى بات يتقدم على حزب المحافظين.
وفي حين يخوض حزب العمال الانتخابات تحت عنوان الحفاظ على التعافي الاقتصادي، يرفع المحافظون لواء «التغيير» و«الأمل» لانقاذ بريطانيا والبريطانيين من سياسات حزب العمال الذي يهيمن على السلطة منذ العام 1997، والتي يرى الحزب أنها وراء الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه اقتصاد المملكة المتحدة..
فيما يعتبر، زعيم العمال، براون أن مؤشرات التعافي في الاقتصاد من علامات الدعم القوية لانتخاب حزبه لمواصلة عمليات التحفيز، مراهناً على خبرات 10 سنوات قضاها على رأس وزارة الخزانة عاشت فيها بريطانيا أيسر أيامها وأكثرها نمواً.
أما حزب الليبراليين الديمقراطيين، الذي ينظر إليه المراقبون على أنه بيضة القبّان في المشهد السياسي التالي ليوم 6 مايو، فيصوّر نفسه على أنه الحزب الوسط الذي يؤمن بالعدل في المجتمع، والقادر على حماية الشعب من رعونة «المحافظين» وتردد «العمال» في معالجة الوضع الاقتصادي والدَّين العام المرتفع.
أمل عمالي
ومع ذلك، لايزال طيف الفوز التاريخي بولاية رابعة (1997 و2001 و2005 و2010) يهيمن على قيادة حزب العمال التي تعاني من حالة انقسام غير مسبوق في ضوء صدمات عدة عاشها خلال العامين الأخيرين نتيجة صراع داخلي على المواقع الأولى، أجبرت غوردون براون على إجراء تغييرات وزارية عدة خلال عامي 2008 و2009.
انتظار المحافظين
في المقابل، ينتظر المحافظون وزعيمهم هذه اللحظة مرصوصي الصفوف منذ شهور طويلة، بعد رهان فاشل على انتخابات مبكرة لم تتحقق. ويوجه ديفيد كاميرون انتقادات لاذعة إلى براون ويتهمه بالافتقاد إلى مخطط سياسي يهم جماهير الشعب البريطاني كما يصف سياسات غريمه بأنها «بالية»..
وهو يقدم نفسه على أنه شخص متفائل يرغب في منح البريطانيين «سلطة في ما يتعلق بحياتهم». ويتهم زعيم حزب المحافظين براون بتدمير نظام المعاشات في بريطانيا، والضغط على البريطانيين عبر التوسع في السياسات الضريبية لافتين إلى عمله على ابتكار 66 ضريبة جديدة. لكن العمال لايزالون يمتلكون نقاط قوة في قطاعات: الصحة والتعليم والأمن.
ويرفع براون شعار: «التصويت للعمال يعني التصويت للاستقرار الاقتصادي والخدمات الصحية والتعليمية»، وهو بدأ أيضاً في استنساخ شعارات قريبة من طروحات المحافظين، ومنها الدفع وراء اصلاحات دستورية وانتخابية ومنها إمكانية التحول إلى النظام النسبي.. وتحويل مجلس اللوردات إلى مجلس منتخب.
.. وقلق
ومع ذلك، تبدو الصورة النمطية تجاه المحافظين وسياساتهم التي تقوم على أنهم حزب يحابي الاثرياء ويدافع عنهم ولا يلقي بالاً إلى الطبقة العاملة.
والصورة التي لاتزال ماثلة في الأذهان حيال سياسات مارغريت تاتشر التي فرضت الليبرالية في الاقتصاد وحطمت النقابات وينظر إليها البريطانيون على أنها مسؤولة على ارتفاع كبير في نسبة البطالة واضمحلال المنافسة الصناعية لبريطانيا.. من أهم العوامل التي قد تكبح توجه أصوات شرائح كبيرة من الناخبين إليهم رغم الكاريزما التي يحظى بها زعيم الحزب ديفيد كاميرون الأربعيني.
حزب صاعد
أما الطريق الثالث، فيتمثل في حزب الأحرار الديمقراطيين الصاعد على الساحة السياسية، فنيك كليغ زعيم الحزب تمكن في وقت قياسي من وضع الحزب في الساحة السياسية كبديل حقيقي للثنائية التقليدية لحزبي العمال والمحافظين اللذين يهيمنان على السلطة منذ ما يزيد على قرن من الزمن.
وهو يراهن على التغيير والتجديد ايضاً، ويرى ان «الخيار الحقيقي هو بين السياسة القديمة لحزب العمل والمحافظين من جهة وبين شيءٍ جديد نقدمه نحن».
ويجد الأحرار الديمقراطيون الفرصة ذهبية في هذه الانتخابات للخروج من الجلوس في مقاعد الحزب الثالث، إلى الحزب الذي قد يقرر شكل الحكومة المقبلة. ففي حال لم يفز أي من العمال أو المحافظين بأغلبية مقاعد البرلمان فإن الليبراليين (الأحرار) سيكونون أصحاب الكلمة الفصل في تشكيل هوية التحالف الحكومي المرتقب.
اهتمامات انتخابية
وبعيداً عن المشاكل والوعود الانتخابية في مجالات الضرائب والصحة والضمان الاجتماعي ومعاشات التقاعد والتربية والتعليم والتعافي من الأزمة المالية العالمية في خامس اقوى اقتصاد في العالم، تلقي حربا أفغانستان والعراق بظلالهما على الحملة الانتخابية.
فبينما حاول غوردون براون تحييد نفسه عن اللغط الدائر حيال دوافع غزو العراق في العام 2003 وتشكيل لجنة تحقيق في هذا الشأن وتعديله في الاونة الأخيرة من سياسات دعم الجهود الحربية في أفغانستان بعد ضربات ميدانية موجعة..
يبدو أن ديفيد كاميرون يدخل هذا المجال متسلحاً بأفكار المحافظين الجدد الداعمة للحروب فها هو يؤكد على أنه يجب خوض الحرب في أفغانستان والانتصار فيها. ويخطو خطوة إضافية في هذا المضمار بقوله:
«سوف أشكل حكومة حرب منذ اليوم الأول. وسوف توضع الحكومة بكاملها في حالة جهوزية لشن حروب. إنها الفرصة المثلى الأخيرة لتصويب الأمور».
أما الملفات الأخرى مثل القضية الفلسطينية والصراع العربي الإسرائيلي، أو الملف النووي الإيراني، أو الحرب على الإرهاب، فهي تبقى سياسات بريطانية عامة لاتدخل ضمن التنافس الانتخابي.. عدا قضية الأمن وفوبيا الإرهاب، ومسائل تدور في فلكها مثل المهاجرين، والتعامل مع الحريات الدينية وبخاصة مع المسلمين وكل ما يرتبط باوضاعهم الحياتية مثل الحجاب والنقاب وبناء المساجد.
وفي حين تشير استطلاعات الرأي حاليا إلى أن حزب العمال الحاكم سيخسر الانتخابات فإن وزراء الحكومة العمالية لايزالون يؤكدون أن نتائج الانتخابات ما انفكت غير محسومة..
وإن كانت خسارة اليسار في فرنسا الانتخابات المحلية في مارس الماضي ومرشحي الأحزاب اليسارية في انتخابات البرلمان الأوروبي في العام 2009 وتقدم أحزاب اليمين هاجس لايفارق مخيلة قيادات العمال مناماً ويقظة.
زعماء جدد
من اللافت أن الأحزاب الرئيسية الثلاثة: العمال والمحافظين والأحرار الديمقراطيون يدخلون الانتخابات بثلاثة زعماء جدد.
فحزب العمال يقوده غوردون براون بينما خاض انتخابات 2005 تحت قيادة توني بلير. أما حزب المحافظين فيتزعمه ديفيد كاميرون بعدما خسر الانتخابات السابقة وهو في عهدة زعيمه السابق مايكل هاوارد.
أما الديمقراطيون الأحرار فيخوضون أقوى منازلاتهم بقيادة نيك كليغ، بعدما خسروا في العام 2005 بقيادة تشارلز كيندي.
30
من الثوابت في سلوكيات الناخبين البريطانيين أن نحو 30 في المئة منهم لايحددون موقفهم من الحزب المفضل إلا في الساعات الأخيرة وبعد تفحص البرامج الانتخابية، وهي شريحة ضخمة (ما يزيد على 15 مليون ناخب من أصل 2,46 مليون ناخب) تجعل من أي استطلاع رأي مجرد تخمين.
تقرير - نضال حمدان
