مازال في المواطنين الخير ما دام تكاتفهم وحرصهم على التعاون معاً في وجه الأزمات التي يتعرضون لها خاصة في قاع غزة حيث الحياة صعبة إلى حد كبير جدا.
في هذه الأجواء يواصل برنامج «أهل الخير» الذي تبثه إذاعة صوت القدس من غزة، مسيرته التي استطاعت التخفيف من معاناة عشرات الأسر المعوزة في القطاع المحاصر، فقد أنجز مؤخراً بناء منزلٍ لعائلة فقيرة كانت تعيش في بيت لا يصلح للمعيشة الآدمية منذ أكثر من 20 عاماً.
وعبر اتصال هاتفي قال المتبرع :«أتكفل بتكاليف بناء بيت متكامل للأسرة من بابه إلى محرابه، وأتمنى أن يقدرني الله على تسليم رب الأسرة المفتاح، لكن لي شرط واحد فقط وهو ألا يعرفني أحد».
ويشير المشرفون على برنامج «أهل الخير» إلى أن الأسرة -التي بني لها منزل جديد بتكلفة زادت عن خمسة عشر ألف دولار - لم تستطع التعبير عن فرحتها الغامرة بعدما شاهدت منزلها، الذي ساهم في بنائه أحد فاعلي الخير .
وجرى تسليم المنزل لأصحابه بعدما إتمام كل البناء والتأثيث الكامل، وكانت حياة ومعاناة المواطن أبو محمد وأسرته المكونة من ثلاثة عشر فرداً والذين يعيشون في غرفةٍ مظلمةٍ لا تعرف الشمس ولا الهواء، (أي زنزانة) كما يحلو للأب أبو محمد والأم أم محمد أن يصفوها.
ومنذ تلك اللحظة بدأت ملامح حياة جديدة ترتسم على أسرة أبو محمد - التي كانت لا تعرف لحياتها إلا المذاق المر والألم والمعاناة والمرض، ولا ترى لحالها بريق أمل في الخروج من هذا الواقع المحتوم، لكن إرادة الله سبحانه وتعالى أرادت لها شيئاً آخر، بعد كل العذاب الممزوج بالصبر وانتظار الفرج من العلي القدير، فكان ما كان من بناء منزل متكامل مكون من ثلاث غرف بمنافعه وصالة كبيرة على قطعة أرض 100 متر تعود لعائلة أبو محمد في منطقة الحكر بدير البلح، وسط قطاع غزة.
من ناحيتها فإن أم محمد بدأت تتنقل بين جنبات المنزل الجديد.. وتقف في زواياه وتنظر وتعلق بكلماتها على كل ما تم تركيبه من مستلزمات جميلة وفخمة.
في عينيها فرحةً عارمة لا يمكن وصفها بأبلغ الكلمات. وقالت كلاما مؤثرا :« والله ما كنت أحلم في مثل هذا البيت، وكنت أحلم بكشك الزيت أعيش فيه أنا وأولادي.. والله من عشرين عاماً وأنا انتظر هذه اللحظة ليكون لي بيت حتى أعيش فيه زي بقية الستات، حتى أرسل الله لنا هذا المتبرع الذي لا اعرفه وأتمنى أن أراه حتى أشكره، وسنبقى طوال حياتنا ندعو له أن يبني الله له قصراً في الجنة مقابل بنائه هذا البيت إلي سترني أنا وأولادي»، كما عبَّرت بالعامية.
وأضافت:« أنا بعد أن كنت اخجل في أن تزورني صديقاتي أو جيراني.. أنا الآن مستعدة أن استقبل الوزير في هذا المنزل الذي اعتبره أفضل من القصر. انظروا إلى الفرحة في عيون بناتى الصبايا وأولادي كم هم فرحون بهذا البيت».
وفعلاً عبَّرت إسلام التي تدرس الثانوية العامة عن فرحتها الغامرة، قائلةً:« وأخيرا سأتمكن من الدراسة بهدوء.. الآن يمكن لي أن استقبل زميلاتي وصديقاتي في هذا المنزل بعد حرماني هذه الزيارات كل هذه السنوات..».
أما شقيقتها الصغرى بيسان والتي تدرس في الصف الأول الثانوي أضافت تقول:« أصبح لنا كبنات غرفة خاصة بنا ولإخوتي البنين غرفة خاصة بهم وأبي وأمي أصبح لهما غرفة خاصة بهما أيضاً.. فعلاً اشكر هذا المتبرع الذي سيجد الجزاء والشكر عند الله أفضل من شكرنا له».
مقدم البرنامج الصحافي عماد نورقال موضحا:« ذهبنا كفريق عمل برنامج «أهل الخير» كعادتنا لتسجيل ما نسميها حلقة الفرحة مع أسرة أبو محمد..
وحلقة الفرحة عادة ما تكون تسجيل لقاءات مع أفراد الأسرة حول ما تم من انجاز لاحتياجاتهم، وتسجيل مواقف البهجة والسرور التي دخلت على الأسرة بعد ما تم عرض معاناتها في البرنامج وما تم من تبرعات لها وفق احتياجاتهم.. لكن هذه المرة كانت تختلف وكنا ندرك أنها تختلف لأن الانجاز هنا يختلف..
وكنا ندرك أيضاً أننا سنكون أمام فرحة كبيرة تغمر هذه الأسرة كون انجاز هذا المنزل بمثابة حلم كبير لم يكونوا يحلموا به حتى في أفضل أحلامهم كما قالوا، لكننا وجدنا ما لم نكن نتوقعه..
وجدنا فرحة تكاد تفقد أم محمد وأبو محمد صوابهما لعدم استيعاب ما جرى». ويضيف نور- الذي كان يرافقه منفذ البرنامج الصحافي خميس أبو حصيرة -:« لقد سمعنا كلمات وتعبيرات لم نكن نتوقعها، خاصةً بحق المتبرع الذي كان يختار لهم أفضل الأشياء وأثمنها في بناء المنزل».
من جانبه، أكد الصحافي صالح المصري مدير عام إذاعة صوت القدس أن هذا البرنامج يأتي ضمن رسالة الإذاعة الاجتماعية، موضحاً أنه يدلل على الثقة الكبيرة التي يوليها المستمعون للإذاعة التي تدخل كل بيت فلسطيني، كونها نأت بنفسها عن أتون الانقسام، وعززت معاني الوحدة الوطنية، وتكريس ثقافة المقاومة والصمود.
وأشار المصري إلى أن برنامج «أهل الخير» يدخل عامه الثاني، وهو يواصل نجاحه منقطع النظير من خلال إسهامه في مساعدة الأسر الفقيرة والمعدومة. وبيَّن أن هذا البرنامج كشف حجم العطاء والخير الذي يمتلكه شعبنا الفلسطيني المحاصر، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن البرنامج متابعٌ من قبل شرائح مجتمعية واسعة.
غزة ـ ماهر إبراهيم
