على قدمٍ وساقٍ يجري العمل بالقرب من طريق القاهرة ـ الإسكندرية الصحراوي للانتهاء من تشييد أحد أكبر متاحف الآثار في العالم؛ بعد أن انتهت وزارة الثقافة المصرية من المرحلة الثانية من مشروع «المتحف المصري الكبير»، بديلاً عن شقيقه القديم والأصغر مساحة، الكائن في ميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية.

والمرحلة التي انتهت شملت المركز الدولي للترميم، ووحدة إطفاء ضخمة، ومحطتين لمحولات توفير الطاقة الكهربائية اللازمة للمشروع المقام على مساحة 117 فدانا، ليضم المتحف آثارا تاريخية للحضارة المصرية القديمة، وقد وصفت جريدة «التايمز» البريطانية هذا المشروع بأنه ثاني أكبر مشروع في القرن الجديد، وسيكون له أكبر الأثر على الحضارة الإنسانية. بنشاط فائق، تتواصل عمليات الإنشاء في المتحف الذي سيستقبل زائريه من كل أنحاء العالم في العام بعد المقبل 2012، هذا ما أكده محمد غنيم، المسؤول التنفيذي للمشروع، الذي أوضح أن التكلفة المبدئية للمشروع تصل إلى 600 مليون دولار، منها 300 مليون دولار قرض ياباني، و150 مليون دولار من المجلس الأعلى للآثار المصرية، وتستكمل بقية التكلفة من خلال إسهامات محلية وعالمية.

المرحلة الأخيرة

ويوضح أنه فيما استغرقت المرحلتان الأولى والثانية 27 شهرا، بدأت المرحلة الثالثة والأخيرة من المشروع، والتي تتضمن بناء وتشييد المبنى الرئيسي بمساحة إجمالية 120 ألف متر مربع، تضم مبنى المتحف، صالات عرض متنوعة، متحف الدارسين والعلماء.

مركز مؤتمرات، مركز حرف وفنون تقليدية، حديقة متحفية، سينما ثلاثية الأبعاد، متحف الطفل، متحفا لذوي الاحتياجات الخاصة، منطقة ترفيهية، ومسارا سياحيا يربط المتحف بهضبة الأهرامات.

كان الرئيس المصري حسني مبارك قد وضع حجر الأساس لهذا المشروع قبل ثمانية أعوام في موقع يطل على ميدان الرماية بالقرب من أهرامات الجيزة الشهيرة.

وبعد وضع حجر الأساس في العام 2002 تم الإعلان عن مسابقة دولية لتنفيذ المبنى الرئيسي للمتحف وفق مراحل، وتقدم إلى السباق التاريخي 1557 مكتبًا من 83 دولة، وقد تم اختيار 14 مكتبا استشاريا من 5 دول للمرحلة الأولى التي تم الانتهاء من تصميماتها العام 2004.

كما تم استكمال مرحلة التصميم الثانية في يونيو 2005، وهي المَعْنية بإنشاء مبنى لترميم الآثار يكون ملحقا بالمتحف لإجراء عمليات الصيانة اللازمة، حتى تكون الآثار جاهزة للعرض فور الانتهاء من المشروع، بالإضافة إلى إعداد قسم لإطفاء الحريق، ومحطة للطاقة الكهربائية.

خطة جديدة

ونظرا لضخامة المشروع والهدف السامي من ورائه، تم وضع خطة لإعادة رسم المنطقة بكاملها؛ لتستوعب - بعد انتهاء المشروع - أكثر من 5 ملايين زائر كل عام، وذلك بعد الجدل الذي أثير حول توقعات التدفق السياحي على هذه المنطقة بعد افتتاح المتحف في ظل مجاورة مشروع القرن للأهرامات «المعجزة الأم».

ويتضمن التخطيط الجديد للمنطقة إنشاء طرق بديلة، وأنفاق تسهل حركة الزائرين، واستقبال أكبر عدد ممكن لزوار التاريخ المصري دون عناء.

متحف المتاحف

سيضم المتحف الجديد 100 ألف قطعة أثرية تحكي قصة الحضارة على أرض مصر على مر العصور، وقد أضاءت فكرة إنشاء المتحف الكبير عقب وصول الدفعة الأخيرة من الآثار المصرية من إسرائيل العام 1995، كذلك عودة معرض الآثار المصرية من اليابان.

فهذا الكم من القطع لم يكن من الممكن أن يظل مدفونا في خزائن تحت الأرض، فتم الاستعانة بخبراء إيطاليين؛ لوضع تصور كامل للمشروع الذي يعد ثاني أكبر مشروع في القرن بعد «القرية الأوليمبية الصينية»، خاصة أنه يضم عددا كبيرا من المتاحف بداخله مثل «متحف مراكب الشمس».

كما ستنتقل إليه صورة طبق الأصل من مقبرة «توت عنخ آمون» - الفرعون الصغير - الذي مثل لغزا طويلا، على أن يتم وضع القناع الذهبي للفرعون الصغير في منتصف قاعة العرض الخاصة به، ومن المعروف أن عدد القطع الأثرية الخاصة ب»توت عنخ آمون» وحدها تصل إلى4500 قطعة.

محمية تاريخية

الأمين العام للجنة الفنية لمشروع المتحف، ياسر منصور، أوضح بدوره أن وزارة الثقافة رأت ضرورة ربط المتحف الكبير بهضبة الأهرامات؛ حتى تكون المنطقة وحدة تاريخية كاملة، أو محمية تاريخية، وذلك بعمل أسوار حول موقع المتحف لفصله عن الازدحام المروري خارجه..

مشيرا إلى التخطيط لإقامة شبكة مواصلات داخلية، وعربات كهربائية لنقل الزوار إلى جميع أرجاء المتحف والمتنزهات والحدائق التي تحيط به، كذلك إقامة «بانوراما» بين المتحف والأهرامات؛ ليتمكن الزائر من رؤية الأهرامات باعتبارها من أهم الآثار في العالم.

أيضا سيتم تزويد المتحف - بحسب زاهي حوَّاس الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار المصرية - بتقنية المعلومات والاتصالات، كما سيضم غرف تحكم تكشف على مدار 24 ساعة كل التحركات داخل المتحف عبر كاميرات مراقبة تعمل في شتى الأحوال المناخية..

مشيرا إلى أن لجنة دولية أجرت دراسة حول هذا المتحف مقارنة إيَّاه بأعظم المتاحف في العالم، وأكدت أنه لا يوجد له مثيل من حيث الإمكانيات، والقيمة التاريخية. لافتا إلى ما أكده العديد من الخبراء من أن المتحف يعتبر تحفة معمارية، حيث تبلغ واجهته 600 متر طولاً، 45 متر عرضا، تغطيها طبقة «الألاباستر» الشفافة؛ حيث يتناغم سقفه مع الأهرامات.

رمسيس في الانتظار

إلى ذلك، ينتظر تمثال الفرعون رمسيس الثاني إتمام المتحف؛ لينتقل إليه بعد نقله من ميدانه في وسط العاصمة في حدث شهده العالم عبر القنوات الفضائية والأقمار الصناعية إلى مقر المتحف.

وكان فريق التصميم قد توصل بعد دراسات وافية إلى فلسفة بنى عليها تصميماته؛ حتى تتناغم بين أصالة الصحراء، نهر النيل، العلاقة المتكاملة بين الأهرامات، وموقع المتحف.

ومن خلال ذلك يمكن للزائر وهو داخل المتحف رؤية الأهرامات الثلاثة كجزء لا يتجزأ من بانوراما العرض المتحفي المتكاملة، وهذا ما أوضحه ستيفن جرونبرج عضو فريق التصميم؛ إذ قال إنه وفريقه قاموا بجولات لمتاحف ومواقع أثرية في مصر، وبناءً على ذلك وضعوا تصورا لتصميم قاعات العرض الداخلية.

وأشار إلى أنهم استمدوا فكرتهم من تقنيات العصر القديم، بالإضافة إلى لمسات مبتكرة بشكل عصري، إلا أن فكرتهم قامت على إبراز الأثر وأهميته، مع الاستعانة بدرجات الألوان التي كانت تميز الفن عند المصري القديم، وهذا يتضح على جدران المعابد، التماثيل، والنقوش الأثرية التي وصفها المصري القديم.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية