بدأت درجات الحرارة بالارتفاع، مؤذنة بقدوم الصيف، وأخذ أهل بغداد يحملون أفرشتهم إلى سطوح المنازل، هربا من النوم في الغرف المغلقة، وطمَعا في جو هادئ يكون أنيسه نجوم الليل، فسطوح المنازل باتت ملاذا وحيدا للأسر العراقية من حر الصيف على رغم العواصف الترابية التي تتعرض لها العاصمة.
والمدن العراقية الأخرى، بين الحين والآخر، فهي في كل الأحوال أهون من الرصاص، وشظايا الانفجارات التي كانت تتساقط عليهم، في السنوات الماضية، والتي دفعت كثيرين إلى العزوف عن نوم السطوح.. هذه العادة العراقية المتأصلة.
وحسب شبكة «آكانيوز» أن ظاهرة نوم العائلات العراقية فوق سطوح المنازل ليست بالأمر الجديد، فهي من الطقوس المتوارثة لدى العراقيين منذ زمن بعيد، فالسطح يمثل «غرفة نوم في الهواء الطلق»، لغالبية الأسر، التي يقوم بعضها بنصب «ناموسيات» من القماش الخفيف، فوق الأسرّة، لتجنب لسعات البعوض، والحشرات الطائرة.
وتحفل هذه الظاهرة القديمة بوقائع وحوادث كثيرة، بعضها مؤلم وبعضها الآخر لا يخلو من الطرافة، فسوء الوضع الأمني في بغداد، خلال سنوات ما بعد الاحتلال، منع الأهالي من النوم فوق سطوح منازلهم، بعد وقوع حالات وفاة عدة ناتجة من رصاصات أو شظايا طائشة استقرت في أحشاء بعض الأفراد أثناء نومهم فوق السطوح، إضافة إلى إزعاج طائرات الهليوكوبتر الأميركية، التي لم تكن تغادر الأجواء.
لكن السكان عادوا مرة أخرى إلى أسرّتهم «السطوحيّة»، بعد طي تلك الصفحة، إلى حدٍ ما، من كتاب يومياتهم. وتؤكد جميلة محسن أن زوجها يقوم بغسل السطح، متطوعا، منذ أسبوع، لكي يكتسب شيئا من البرودة، كما يقوم بمد الأفرشة بشكل يومي، مستفيدين من وجوده المسائي في المنزل للقيام بهذا العمل، لأن مساءات بغداد مازالت تفتقد سمّارها في الحارات والمقاهي والمنتديات».
وترى غالبية العائلات العراقية أن النوم على سطح المنزل هو المنقذ الوحيد لها من حرارة الصيف اللاهبة، لاسيما أن انقطاع التيار الكهربائي يستمر لساعات طويلة في الليل، فيما يقوم المسؤولون عن المولدات الكهربائية الأهلية في المناطق بإطفائها عند منتصف الليل.
ويقول كرار عادل ان أكثر الأمور التي تقلق راحة العائلات المستلقية على السطح هي أصوات المولدات الكهربائية التي لا يتم إطفاؤها إلا عند منتصف الليل، في الوقت الذي يفضل الكثير من الأهالي الصعود إلى سطح المنزل بعد العشاء.
ويؤكد أن الكثير من العائلات تعقد جلسات سمر يومية فوق السطح، يتبادل فيها المشاركون الآراء ويطلقون النكات أثناء شرب الشاي والتسلية بالمكسرات، ويضيف «منزلي يجاور منزل شقيقي، ونقوم أحيانا كثيرة بزيارات (سطوحيّة) لبعضنا، ونسهر هناك معا متناسين هموم حياتنا اليومية.
ورغم أن ظاهرة النوم فوق سطوح المنازل تمثل جزءا من التراث الشعبي الموروث، لكن هذا الظاهرة بدت راسخة عند الأجيال الحديثة، حتى أن تكنولوجيا العصر ومكيفاته لم تفلح في القضاء عليها، ولو أنها أدت إلى انحسارها بشكل ملحوظ في الأحياء السكنية الحديثة. وترى (أم شاكر) أن الهواء الطبيعي المنعش، أفضل صحيا من هواء المكيفات، إن وجدت كهرباء لتشغيلها.
بغداد ـ عراق أحمد
