الدكتور علي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي من أكثر الوزراء المصريين تعرضا للانتقادات والهجوم، ليس لتقصيره في مسؤولياته، وإنما لخطورة وأهمية القطاعات التي تتولاها وزارته، وارتباط هذه المسؤوليات بالقطاعات الفقيرة والأقل دخلا في المجتمع المصري، وهي الشريحة الأكبر.

وربما يرجع الجزء الأكبر من الانتقادات التي يتعرض لها دكتور مصيلحي إلى الأزمات المتتالية التي تشهدها الساحة المصرية. والغريب أن تلك المسؤوليات، والتي تقع في نطاق مسؤولياته، هو غير مسؤول عن أسبابها أو السيطرة على أكثرها؛ مثل أزمة الخبز، والسولار والبوتاجاز والمعاشات والأجور، وغيرها من الأزمات.وفي حوار مع «البيان» تحدث الدكتور علي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي المصري عن أسباب الأزمات المتتالية التي تشهدها الأسواق المصرية، وبخاصة تلك التي تؤثر في الحياة اليومية للطبقات الفقيرة والأكثر فقراً؛ مثل الخبز، والسولار والبوتاجاز والمعاشات والأجور وغيرها.

كما تحدث وزير التضامن الاجتماعي عن محدودي ومعدومي الدخل والطبقات الأكثر فقراً في المجتمع المصري، والجهود المبذولة للسيطرة على الفقر ورفع مستويات معيشة تلك الفئات اجتماعياً واقتصادياً، وإيجاد بدائل مناسبة للدخل.

في حواره مع «البيان» تطرق الدكتور علي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي إلى الكثير من الأمور، وكانت هنا الحصيلة، والتي تركز في المقام الأول على الإنسان المصري وهمومه.

فجوة كبرى

من وجهة نظركم، بم تفسرون هذه الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك والإنتاج المحلي من القمح، والذي يعد المشكلة الأولى في تحقيق الأمن الغذائي في مصر؟

الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك والانتاج المحلي من القمح تعود لكون الخبز يعد أهم الركائز الأساسية التي يعتمد عليها المواطن المصري في غذائه، لأسباب عديدة، من بينها النمط الاستهلاكي له، وكذلك الحالة الاقتصادية، ومستوى المعيشة وعدم قدرته على الاعتماد على بدائل الخبز أو تدبيرها، مما أدى إلى زيادة الاستهلاك.

حيث يبلغ متوسط الاستهلاك للفرد من القمح في مصر نحو 180 كيلو غراما من القمح سنويا، بإجمالي احتياجات تقدر بنحو 14 مليون طن قمح للاستهلاك العائلي والتمويني والحر، تنتج مصر منها نحو 7 ملايين طن سنويا، بما يحقق فجوة قدرها 7 ملايين طن يتم استيرادها من الخارج تمثل 50% من الاحتياجات.

ولكن بعض الخبراء يرجع جزءًا كبيرًا من الأزمة إلى تسرب جزء كبير من القمح إلى السوق السوداء، فضلاً عن استخدامه كعلف للماشية في أحوال كثيرة، فما حقيقة ذلك؟

هذه الممارسات موجودة بالفعل، ولا يمكن إنكارها أو التقليل منها، ولا نخفيها، فنحن نتحدث عن نحو 23 ألفاً و500 مخبز منتشرة في ربوع البلاد بمدنها وقراها ونجوعها وعزبها، ولا يمكن السيطرة عليها بنسبة 100 في المئة في ظل امكانات الأجهزة الرقابية البشرية، ويعكس ذلك حجم المحاضر والمخالفات التي يتم تحريرها للمخبز والتجار في هذا الشأن.

ولكن نستطيع التأكيد على أن هذه الظاهرة في انخفاض، وتتراجع نسبة المحاضر والمخالفات المحررة في مجال التهريب نتيجة لما اتخذته الوزارة وأجهزتها من إجراءات في مجال السيطرة على المخابز والمطاحن والتجار ومنع تسرب حصص الدقيق والقمح إلى السوق السوداء أو استخدامه كعلف للماشية.

حل المشكلة؟

هل ترى أن التوسع في إنتاج الأعلاف يمكن أن يكون جزءًا من حل المشكلة؟

أنا أؤكد أنه ليست هناك مشكلة كبيرة كما أوضحت، ولكن أتفق في أن التوسع في انتاج الأعلاف يسهم في التخفيف من الطلب على الخبز المتسرب للاستخدام الحيواني وهو كمية قليلة.

مشكلة جديدة تفرض نفسها بقوة، وهي أزمة البوتاجاز، وتتكرر أكثر من مرة، ما أسباب ذلك؟ وما آفاق الحل لها؟

هذا يرجع إلى أن اسطوانة البوتاجاز تتعرض لمشكلات عديدة منذ بداية مرحلة التعبئة حتى الوصول إلى المستهلك، تتمثل في أن محطات التعبئة غير موزعة جغرافيا على المحافظات، بما يتفق مع الاحتياجات.

وبالتالي يتم نقل اسطوانة البوتاجاز لمسافات طويلة ومن محافظة لأخرى، بل إن هناك محافظات تتلقى حصتها من عدة محافظات أخرى، نفس الشيء ينطبق على المستودعات، وبخاصة بعد تعليمات الحماية المدنية بنقل المستودعات بعيداً عن الكتل السكنية، ومن هنا تبرز أهمية وجود شركات لنقل وتوزيع البوتاجاز، وهي حتى الآن غير كافية لتنفيذ خطة توزيع الاسطوانات.

هناك أيضا ضعف الرقابة على متعهدي النقل والمستودعات في ظل هذا العدد الكبير وقلة عدد المفتشين، ما يؤدي إلى التلاعب في حصص البوتاجاز وتوجيهها لغير الأغراض المخصصة، كما أن غالبية المستودعات لا تلتزم البيع للجمهور بالأسعار المحددة والمدعمة، وتلجأ إلى استخدام عدد من «السريحة» لتوزيع الاسطوانة استغلالاً وتربحاً من هذه السلعة، والضرر الكامل يقع على عاتق المستهلك الأخير، وبالتالي توجيه الدعم لغير المستحقين.

اجراءات

ما الإجراءات التي يمكن أن يتم اتخاذها للتعامل مع أزمة البوتاجاز؟

في هذا المقام لابد أن أسجل كامل تقديري واحترامي لوزارة البترول، وبشكل خاص للمهندس سامح فهمي وزير البترول الذي يبذل جهودا كبيرة من اجل القضاء على هذه الأزمة.

ومنها زيادة خزانات الغاز الصب لإضافة سعات تخزينية كبيرة للاحتفاظ بأرصدة تكفي لفترات أكبر من المتاحة حاليا، للسحب منها في حالة تعرض الموانئ لسوء الأحوال الجوية التي تحول دون دخول مراكب الغاز الصب لتفريغ شحناتها.

بالإضافة لقيام شركة الغازات البترولية بالالتزام بتوفير الغاز الصب اللازم للتعبئة بالمحطات بالكم الكافي والموعد المحدد لضمان عدم توقف المحطات وتراكم السيارات أمامها، ولتلافي الدخول في أي أزمة في البوتاجاز.

وكذلك توفير رصيد احتياطي استراتيجي من الاسطوانات المعبأة بمحطات التعبئة الرئيسية، للدفع بها لأي من المناطق في حالة الضرورة، والتنبيه عند إجراء أي أعمال صيانة بمحطات الشركة الرئيسية لابد وأن تكون في غير مواعيد العمل الرسمية حتى لا يؤثر ذلك في نشاطها، وزيادة أسطول نقل الغاز الصب، وكذا سيارات نقل الاسطوانات المعبأة.

ويتم ذلك بالتعاون الكامل وبمعرفة كافة الأجهزة الرقابية التابعة لوزارة التضامن، قطاع التموين وشرطة التموين والتجارة الداخلية.

اختلافات كبيرة

بعيداً عن الأزمات اليومية، هناك اختلافات كبيرة في التعريف لمفهومي محدود الدخل ومعدوم الدخل، ما هو تقديركم لمستويات فئات المعدوم.. والمحدود. في المجتمع المصري؟ وكيف تتعاملون معها؟.

هناك ثلاث مدارس علمية لتحديد محدودي الدخل؛ فهناك مدرسة تعتمد علي الدخل والإنفاق، وهناك أبحاث للدكتور عثمان محمد عثمان وزير التنمية الاقتصادية ومعهد التخطيط مع الأمم المتحدة خاصة في برنامج قياس مستوى التنمية البشرية والذي يوضح عناصر الضعف وعناصر القوة في التنمية.

ويحدد البرنامج مستوي معدوم الدخل بقيمة 5 جنيهات في اليوم للفرد؛ أي بإجمالي 150 جنيهاً شهرياً للفرد، بحيث لا تتجاوز نسبة الصرف علي الأكل والشرب سوى 50 في المئة والباقي للسكن، مع فرض أن تتحمل الدولة نفقات العلاج، وهذا ما يسمي الفقر المادي.

هناك أيضاً ما يسمي فقر القدرات الناشئ عن عدد من الحالات؛ مثل أسرة المرأة المعيلة، أو ارتفاع نسبة عدم التعليم أو من ذوي الاحتياجات الخاصة وكبار السن وعدم القدرة علي العمل، ولذلك فالتقييم بناء علي الفقر المادي فقط واستبعاد فقر القدرات يؤدي إلى ظلم فئات تفتقر القدرة علي تنمية ذاتها، ويندرج أيضاً تحت فقر القدرات حالات المرض التي تتطلب تكاليف مرتفعة للعلاج.

ومن هنا تأتي أهمية التعاون مع وزارة الصحة، وبالفعل تم مؤخراً تعاون بين وزارتي التضامن الاجتماعي والصحة لتأمين صحي للأسر الأولى بالرعاية، ونستقي بيانات ذوي المشاكل الصحية سواء مزمنة أو مفقود الأمل في شفائها من وزارة الصحة.

أما الشريحة الثالثة لمعدومي الدخل وهي لحالات قد يتوفر لديها 150 جنيهاً وذات مستوى تعليمي ولكنها تفتقر لفرص عمل لإحداث تنمية.. بمعني آخر عدم توافر أراض أو زراعة أو تنمية أو ممتلكات ولا حتى سكن، ولذلك فالرؤية لحاجات هذه الفئة يتم من خلالها الاحتياج للطعام والشراب فقط أو من باب نقص القدرات أو الفرص، ومن هنا توصلنا لإعداد نموذج اجتماعي اقتصادي لقياس الاحتياجات.

هناك حديث مستمر حول ترشيد الدعم، ومن بين ذلك إلغاء بطاقات التموين، فما صحة ذلك ؟

أؤكد لك أنه لا يوجد أي اتجاه لإلغاء بطاقة تموين واحدة صادرة الآن، أو أن يقلل جنيه واحد من راتب الضمان الاجتماعي الذي يتم صرفه الآن للفئات معدومة الدخل.

وفي ضوء توجيهات الرئيس لن يتم تقليل الدعم المباشر المتمثل في بطاقات التموين والخبز والضمان الاجتماعي، بل بالعكس، سيزيد في ضوء زيادة عينة الأسر مستحقة الرعاية.

وهنا أعيد التأكيد على عدم صحة ما سبق وأن نشر ببعض الصحف المصرية من وجود اتجاه لدى الوزارة لحرمان الطفل الثالث من مخصصات بطاقات التموين.

وهذا يختلف تماماً عن الدعم غير المباشر كما هو الحال في الطاقة، مع أهمية علاج هذا الخلل، فلابد من التفرقة بين الدعم النقدي والمقدر بنحو 1, 1 مليار جنيه تستفيد منه نحو 880 ألف أسرة إلى جانب 50 مليون جنيه للجمعيات الأهلية، ما يقدر بـ 240 مليون جنيه في صورة مساعدات المرة الواحدة، و62, 5 ملايين جنيه لصالح الأسر المنتجة.

وتم الاتفاق مع الصندوق الاجتماعي علي تقديم 25 مليون جنيه زيادة للأسر المنتجة، و25 مليوناً أخرى لمشروعات الشباب، هذا بخلاف حالات الكوارث والنكبات - لا قدر الله ـ هناك أيضاً مبلغ 2, 4 مليارات جنيه في صور دعم لبطاقات التموين، يستفيد منه نحو 10, 3 ملايين أسرة ـ نحو 50 مليون مواطن ـ و9 مليارات جنيه أخرى دعماً لرغيف العيش، ورغم أن أسعار القمح في زيادة إلا أن الوزارة تلتزم بتوفيره بنفس الكمية، وهو ما يعني مزيداً من الدعم للرغيف.

ما الفائدة التي تعود علي مستوجبي الرعاية ومعدومي الدخل من التحول إلى الدعم النقدي في حال تنفيذه؟ وما مدى تأثر تلك الفئات من المخاوف من ارتفاع الأسعار؟

البعض يثير مخاوف من زيادة أسعار السلع والخدمات على تلك الأسر في حال إلغاء دعم مواد الطاقة، ولكن رداً علي ذلك أؤكد أنه في حال تقديم الدعم النقدي الذي يؤمن تلك الأسر فلن تتأثر كثيرا.

فمن غير المنطقي أن يكون دعم الطاقة 40 مليار جنيه مقابل 16 مليار جنيه دعماً مباشراً (رغيف العيش ودعماً نقدياً لـ 880 ألف أسرة وبطاقات التموين).

كما أن هناك ضرورة لتعديل أسعار الكهرباء في ضوء النظر للشرائح الكبري ـ ذات الاستهلاك العالي ـ مع الحفاظ علي مستوى أسعار الشرائح الأقل استخداماً، والخطر كل الخطر يتمثل في الدعم المقدم للبوتاجاز والذي يستخدم استخدامات غير مطلوبة، وحاولنا أن نقدم حوافز للمخابز بأن تتحول من استخدام السولار إلى الغاز في ظل انخفاض دعم الغاز مقارنة بالسولار.

كما أن هناك تجريماً لاستخدام البوتاجاز لأغراض صناعية، علماً بأن تكلفة انبوبة البوتاجاز تتراوح بين 37 ـ 38 جنيهاً ويتم بيعها مدعمة بـ 4 جنيهات، وتباع في السوق السوداء بـ 7، 8 جنيهات، ومفروض أن يتم قصر استخدام أنابيب البوتاجاز في المنازل فقط وبالمناطق التي لا يوجد بها غاز طبيعي.

ويرجو التوجه للمجتمع بفكر مفتوح وبتوجيه واضح وبثقافة واعية لتوجيه الدعم لمن يستحقه، وبهدف تقليل عبء الموازنة العامة في هذا المقام، ليوجه في التعليم والصحة.

القاهرة - حوار: عماد الأزرق