على مدار الفترة 1977 ـ 1981 عمل البروفيسور زبجنيو بريجنسكي مستشارا للأمن القومي خلال الولاية الواحدة للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. وكان ذلك طيلة تلك السنوات الأربع التي اختتم بها عقد التسعينات من القرن الماضي.
جاء بريجنسكي بعد حقبة كانت حافلة بالتغيرات السياسية ـ الصاعقة في بعض الأحيان، على نحو ما شهدته ولاية الرئيس نيكسون التي انتهت، كما هو معروف، باستقالة ذلك الرئيس اثر انفجار حادثة التجسس على مقر الحزب الديمقراطي المعارض في واشنطن وقد عرفت باسم «فضيحة ووترجيت».
والمعنى أن بريجنسكي جاء بعد سَلفه هنري كيسنجر الذي كان مستشارا للأمن القومي للرئيس ـ السَلَف نيكسون، وبعد أن حقق كيسنجر إنجازات جاء بعضها أقرب إلى الاختراقات إن لم نقل الفتوحات ـ من وجهة المصلحة القومية الأميركية بطبيعة الحال .
ـ وفي مقدمتها بدء العلاقات بين أميركا والصين الشعبية دع عنك رسم خيوط التسوية بين العرب وإسرائيل، تلك التي أفضت ـ كما هو معروف أيضا ـ إلى اتفاقات كامب ديفيد والى ما يعرف باسم معاهدة السلام بين قاهرة ـ أنور السادات وبين تل أبيب مناحيم بيجين.
العدو المطلوب
بشكل عام يمكن القول ان حقبتي نيكسون وكارتر، وهما رديفتان لمنصبي كيسنجر وبريجنسكي شهدتا ذروة مد الاهتمام بالسياسة الخارجية بالنسبة للولايات المتحدة، وذروة التعاطي مع قضايا العلاقات الدولية والإقليمية.
فيما ظل هذا الاهتمام يتعزز أيضا بفعل ديناميات الحرب الباردة التي كانت «مستعرة» لاتزال بين معسكري الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي.
في التحليل الأخير كان الاتحاد السوفييتي يمثل دورا مزدوجا بالنسبة لأميركا. وكان بديهيا أن تتجسد هذه الازدواجية على النحو الثنائي التالي:
أولا: دور الخصم والغريم المشاكس الذي كان ينافس أميركا على مناطق النفوذ، ويدفع قدما سباق التسلح بين واشنطن وموسكو، ويمثل رمزا بالغ السلبية بحكم دعوته إلى الشيوعية، وهو ما دفع الرئيس ريغان بعد ذلك إلى أن يصفه قائلا: ان هذا الاتحاد السوفييتي ما هو إلا «إمبراطورية الشر والظلام» وهو ما يرادف في الوجدان الإنجيلي ـ التوراتي تجسيدا للشيطان الرجيم بحد ذاته.
ثانيا: كان الاتحاد السوفييتي يقوم، ربما من حيث لا يدري، بدور مفيد للسياسة والحكم في أميركا وهو دور الفزّاعة ودور النقيض أو هو دور العدو الذي يمثل وجوده ـ فضلا عن سلوكياته ـ مبررا سائغا وقويا لرص صفوف المحالفة الغربية (حلف الناتو) وتعبئة القوى وحشد الموارد.
وبمعنى آخر كان الدب الروسي المتربص يفيد صانع السياسة الأميركي في تحديد هدف واضح أمام مواطنيه يتمثل في بلوغ غاية التفوق على الخصم الموسكوفي ومداومة الاهتمام بالشأن الذي يدور عبر الحدود ما بين حركة السياسة الخارجية وآليات العلاقات الدولية.
انهيار الاتحاد السوفييتي
منذ عام 1981 ترك بريجنسكي منصبه الرسمي في البيت الأبيض وعاد إلى مكتبه الأكاديمي ومكتبته دارسا وأست إذا وباحثا ومفكرا يرصد بالذات حركة ومسار ومصير الخصم السوفييتي اللدود.
ولما تمض عشر سنوات على هذه الحالة حتى تداعى الكيان السوفييتي ذاته وآل مصيره بأكمله إلى زوال.. وكان ذلك بالطبع خلال الولاية الوحيدة (4 سنوات بدورها) للرئيس الأسبق جورج ـ الأب الذي ودّع منصبه الرفيع في البيت الأبيض، وقد ران السكون وشعور الزهو بالانتصار في الحرب الباردة على الوجدان الجمعي الأميركي.. وفيما كان هذا الشعور مفيدا في تجديد الثقة بالنفس، فقد كان سلبيا من حيث الافتقار إلى العدو..
أو إلى الفزاعة أو إلى الآخر ـ الحافز على حشد التجمع ورص الصفوف ومواصلة، فضلا عن تعميق، الاهتمام الواعي بأمور العالم الخارجي بكل ما حفل به خلال عقد التسعينات من تطورات ومستجدات. لهذا أصدر البروفيسور زبجنيو بريجنسكي كتابه الهام في عام 1997 بعنوانه الشهير «رقعة الشطرنج الكبرى».
كان معنيا ـ كما قال نقاده ـ بمرحلة ما بعد الحرب الباردة، وكانت تساوره هواجس وشواغل إزاء تراخي دور أميركا في عالم التسعينات.. وحيال فتور الاهتمام الأميركي، على مستوى صانع القرار أو باحث السياسة.. فما بالك بالمواطن العادي، إزاء قضايا السياسة الخارجية؟
وفيما عمد المفكر السياسي الأميركي إلى طرح هواجسه تلك في كتابه الذي ألمحنا إليه.. فقد كانت تلك الهواجس تستبق بالتوعية والتحذير حلول القرن الحادي والعشرين، وتحوي ما عدّه المحللون وقتها بمثابة تنبؤات.. سياسية طبعا، منها ما ثبتت صحته وبالذات ما كان يتعلق بشحوب الدور البريطاني في أوروبا وربما في العالم.
إضافة إلى تزايد دور كل من ألمانيا وفرنسا فضلا عن ذلك التنبيه المبكر ـ الذي عمد إليه بريجنسكي منذ 13 عاما، إلى قوة كانت وقتها في طريقها إلى الصعود المطرد وبخطى تجمع بين التصميم والثبات اسمها.. الصين.
أحدث الدراسات المنشورة
ولأمر ما.. ظل بريجنسكي يرصد تطورات الأوضاع والأحداث عبر السنوات السابقة.. إلى أن نشر مؤخرا دراسته عن واقع ومستقبل محالفة شمال الأطلسي (الناتو) من منظور مستجد يمكن أن نصفه بأنه: منظور الأمن في زمن العولمة.
في ابريل من العام الماضي احتفل أعضاء الناتو بالذكرى الستين لإنشاء هذه المحالفة الغرب ـ أوروبية التي ضمت أميركا بوصفها الطرف الذي قاد الحلفاء الغربيين إلى الانتصار على المحور الثلاثي المعروف (ألمانيا النازية + إيطاليا الفاشية + اليابان الإمبراطورية) في الحرب العالمية الثانية.
أصبح الحلف وقت الاحتفال المذكور يضم 30 دولة بالتمام والكمال.. واجه الحلف أزمات ومشاكل عبر هذا التاريخ الطويل، لم يكن أقلها مثلا تلك المقاومة التي جوبهت بها تفرعاته الإقليمية (حلف بغداد.. الحلف المركزي في منطقة الشرق الأوسط) وهي مقاومة جاءت.
كما تسجل حوليات الخمسينات من القرن الماضي، من جانب قيادات حركة التحرير الوطني مدعومة بتأييد واسع النطاق من قواعد شعوبها التي رفضت أن تخرج من ربقة الاستعمار الإمبريالي القديم لكي تدخل ضمن مناطق نفوذ القوى الغربية من جديد،.
ولا كان أقلها أيضا قرار الزعيم الفرنسي شارل ديغول الانسحاب من حلف الناتو ذاته في غمار معارضة الديغولية بكل ما كانت تمثله في عقد الستينات من القرن لتصرفات السياسة الخارجية الأميركية أو ما كانت ترصده وتعده من سلوكيات الهيمنة أو الوصاية من جانب واشنطن على أقدار شركائها في الحلف الأطلسي.
3 تحولات كبرى
مع هذا كله فقد واصل الناتو مسيرته وأتاحت له مستجدات الأحداث أن يطور الدور الذي يضطلع به وأن يضفي طابعا مؤسسيا ـ فيما يذهب إليه البروفيسور بريجنسكي في دراسته التحليلية المنشورة في مجلة السياسة الخارجية (فورين أفيرز) ـ على 3 تحولات كبرى عايشها الناتو على صعيد السياسة العالمية المعاصرة وهي:
(1) انتهاء ما وصفته الدراسة بأنه «الحرب الأهلية» بمعنى النزاعات الداخلية التي تصارعت فيها دول الغرب فيما بينها من أجل السيطرة على رقعة أوروبا ومياه الأطلسي.
(2) التزام أميركا بالدفاع عن أوروبا (الغربية) ضد التهديدات أو السيطرة السوفييتية التي قد تنجم سواء عن اضطرابات سياسية داخل دول أوروبا أو حتى ـ كما يضيف بريجنسكي ـ عن اندلاع حرب عالمية ثالثة.
(3) الختام السلمي للحرب الباردة التي أنهت الانقسام الجيوبوليتيكي لأوروبا (بين شرق وغرب) وخلقت الظروف التي هيأت لقيام اتحاد أوروبي ديمقراطي موسع.
وماذا بعد؟
إن البروفيسور بريجنسكي يسلّم بالطبع بهذه المنجزات أو النجاحات كما يسميها.. لكنه يضيف موضحا أن هذه النجاحات إنما تفضي في رأيه إلى سؤال مشروع ينبغي طرحه على سائر الفرقاء وهو: ثم ماذا بعد؟
نعم.. ثم ماذا بعد؟.. السؤال بسيط لأنه منطقي بل وبديهي.. ولكن السؤال مركب في الوقت نفسه لأنه يتفرع إلى 4 تساؤلات بالغة الأهمية لا تلبث الدراسة أن تعرضها فيما يلي:
أولا: كيف يستطيع حلف الناتو أن يخرج بنتيجة إيجابية، بمعنى مقبولة سياسيا، بعد ضلوعه الذي يتزايد يوما بعد يوم في الصراعات المتداخلة حاليا على صعيد كل من أفغانستان وباكستان؟
ثانيا: كيف السبيل أمام قادة الحلف ومفكريه السياسيين بالذات إلى تحديث مفهوم «الأمن الجماعي» على مستوى الناتو، فضلا عن الالتزامات المترتبة على هذا المفهوم إعمالا للمادة 5 من معاهدة التحالف؟
ثالثا: كيف السبيل أيضا إلى إشراك روسيا في إطار علاقة مع أوروبا بشكل خاص ومع حلف الناتو (بمعنى الطرف الأميركي) بشكل عام بحيث تكون العلاقة ملزمة بقدر ما تكون مفيدة لكلا الطرفين؟
رابعا: ماذا يمكن أن يتخذ حلف الناتو من إجراءات ناجزة وفعالة إزاء ما قد ينجم أو يندلع من أزمات تتعلق بالأمن الشامل في زمن العولمة؟
أرشيف الكريملين
وربما تزداد مشكلة الناتو تفاقما بفعل تغير الهدف الذي تأسس من أجله، وهو التصدي للخصم السوفييتي، أو ما كان يوصف بأنه الزحف الشيوعي الأحمر بعد منتصف الخمسينات. لهذا يرى بريجنسكي أن الناتو قد تأسس على أساس شعور بالخوف والتربص والتهديد وهو ما لم يعد قائما ـ على الأقل بنفس درجة الحقبة التي مضت.
ومن الطريف أن تعرض هذه الدراسة أيضا إلى ما أمكن الاطلاع عليه مؤخرا من محفوظات أرشيف الكرملين بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.. وخاصة ما كان يتعلق بموقف القيادة الروسية ـ وخاصة في عهد التشدد الستاليني في أواخر الأربعينات إزاء خطر اندلاع حرب عالمية ثالثة.
في هذا السياق يحيل بريجنسكي إلى ذلك الأرشيف الذي كُشف سريته مؤخرا فيقول:
ـ في عام 1944 خلص مولوتوف، وزير خارجية ستالين ومعه فريق من كبار معاونيه إلى أن مرحلة ما بعد الحرب العالمية (الثانية) سوف تتسم بصعود أميركا وانحدار انجلترا وزيادة التناقضات الرأسمالية، إضافة إلى فترة مطولة من التنافس بين أميركا والاتحاد السوفييتي.. ورغم أن ستالين كان يتكلم في نظرة سوداوية عن اندلاع حرب عالمية (ثالثة) إلا أنه كان يتصور أن ذلك لن يحدث في موعد قريب.
ويخلص بريجنسكي من ذلك ليضيف ما يلي:
ـ إن العقود المشحونة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية وما احتوته من إمكانية إبعاد شبح صراع دولي دموي جديد، إنما يرجع الفضل فيها إلى أن أميركا التزمت في إطار حلف الناتو بالدفاع عن أوروبا.
كما أن مجموعة الناتو ذاتها ظلت حريصة على التمسك بوحدتها.. وهذه الوحدة وُضعت على محك اختبار صعب في مناسبتين وصفت الأولى بأنها أزمة برلين وكانت الثانية هي أزمة الصواريخ الكوبية.
ماذا يستفيد العرب؟
ومرة أخرى فقد يكون الدرس المستفاد عربيا في هذا السياق هو: أن لا سبيل إلى الدفاع الحقيقي الفعال عن أي كيان قُطْري عربي إلا إذا كان ثمة تمسك واضح وفعال بدوره بأهداب الأمن الجماعي لسائر الأقطار العربية ومن منطلق أن الأمن القومي العربي وحدة متكاملة لا تتجزأ.
على الجانب الآخر من الطرح.. نلاحظ من دراسة بريجنسكي أن حلف الناتو ليس مجرد حاصل جمْع لدول ـ أعضاء ينتسبون إلى هذه المحالفة الأطلسية بقدر ما أنه يشكل في التحليل النهائي محصلة كيْف.
وبمعنى أنه أصبح مؤسسة دولية تجسد ـ كما يقول الدكتور بريجنسكي ـ أقوى تحالف عسكري وسياسي في العالم.. كيف لا وأعضاؤه الثمانية والعشرون ينتمون، كما يضيف المفكر الأميركي، إلى منطقة (الغرب) التي يصفها بأنها أكثر مناطق عالمنا من ناحية الإنتاج والتقدم التكنولوجي والحداثة الاجتماعية والازدهار ـ الرخاء الاقتصادي واتباع سبيل الديمقراطية السياسية.
صحيح أن حلف الناتو يضم حاليا من حيث حجم السكان 900 مليون نسمة.. ولكن الأصح وربما الأهم أن هذه المحالفة الأطلسية ـ الأورو ـ أميركية كما قد نسميها تساهم أيضا نسبة 45 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم كله.
الناتو في زمن العولمة
المفكر الأميركي، أستاذ العلوم السياسية زبجنيو بريجنسكي عمل مستشارا للأمن القومي في واشنطن خلال ولاية الرئيس الأسبق جيمي كارتر. كان ذلك مع أواخر عقد السبعينات ومفتتح عقد الثمانينات..
ورغم أنها كانت ولاية وحيدة لم تدم، كما هو معروف، سوى أربع سنوات حسب بنود الدستور الأميركي، إلا أنها كانت سنوات حافلة بالأحداث وفاصلة بالتحولات الجذرية التي استجدت في تلك الفترة على خارطة توزيع القوى في عالم الربع الأخير من القرن العشرين.
لقد سبقتها مباشرة اختراقات سياسية أنجزها كل من الرئيس نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر، وفي مقدمتها إنشاء علاقات دبلوماسية لأول مرة بين أميركا والصين الشيوعية.
إضافة إلى تهيئة المجال لدور أميركي بالغ الفعالية في الشرق الأوسط ما لبثت أن استكملته إدارة كارتر بعقد اتفاقات كامب ديفيد وبعدها معاهدة السلام التي وقّعها كل من السادات ومناحيم بيجين.
هذه التحولات في شكل الخارطة العالمية هي التي دفعت البروفيسور بريجنسكي إلى معاودة التفكير في تحديث المحالفة الغربية التي يجسدها حلف شمال الأطلسي (الناتو) على ضوء المستجدات الصاعقة التي طرأت بين نهاية قرن مضى ومطالع قرن جديد، ولم يكن أقلها تداعي وزوال الاتحاد السوفييتي وانفراد أميركا، وخاصة خلال السنوات العشرين الماضية، بدور القطب الأوحد في عصر العولمة،.
وهو دور كان له مغارمه وأزماته على صعيد «رقعة الشطرنج» الجديدة على نحو ما عبر عنه بريجنسكي في كتابه الصادر منذ سنوات تحت هذا العنوان.. من هنا عكف المفكر السياسي الأميركي على طرح ما أصبح يوصف بأنه أجندة لحلف «الناتو» تقوم على أساس تغير مفهوم الأمن الجماعي بخلاف ذلك الذي كان سائدا ومعمولا به خلال حقبة الحرب الباردة التي كانت قد سادتها بدورها آليات التنافس الثنائي بين قطبي الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي.
ومن هنا تأتي دعوة بريجنسكي إلى تحويل روسيا من منافس سابق إلى مشارك راهن بصورة أو بأخرى في تأمين أسباب الأمن الجماعي للمحالفة الغربية حيث لا يغيب عن الذهن ما تتمتع به روسيا من مزايا نسبية يأتي في مقدمتها امتلاكها لإمدادات واحتياطيات النفط والغاز.
هذا إضافة إلى أهمية التعاطي الذي تدعو إليه دراسة بريجنسكي أيضا مع الصين بحكم ما ينتظرها من دور بالغ الدينامية في السنوات المقبلة من هذا القرن، وهذا كله فضلا عن ضرورة اهتمام أطراف الناتو بالخروج على نحو معقول من الإيجابية من دوامة الأوضاع الملتهبة حاليا على صعيد كل من أفغانستان وباكستان.
محمد الخولي
