الانتخابات التعددية في السودان لم تكن وليداً طبيعياً للنظام الحاكم، بل كانت جزءاً من اتفاقية سلام مملاة على طرفيها، وما دخل فيها من عناصر لبرالية كان «غريب الوجه واليد واللسان».

لذلك جرى كل ما يمكن عمله لمحو تلك الآثار اللبرالية من حيث تأخيرها عن مواعيدها لأكثر من عامين، ومن حيث تكوين مفوضية الانتخابات بصورة في ظاهرها الاستقلال كما نصت الاتفاقية، ولكن في حقيقتها التبعية الحزبية ومن حيث إصدار قانون انتخابات في نصوصه احترام للبرالية وللتعددية - مثلًا - النص على عدالة توزيع البث الإعلامي القومي بين المتنافسين، والنص على منع استغلال النفوذ الحكومي في الحملة الانتخابية، والنص على وضع سقوف لصرف المرشحين والأحزاب على الحملة الانتخابية، والنص على جواز تمويل الدولة للأحزاب المتنافسة.. الخ.

ولكن هذه النصوص بقيت حبراً على ورق، إلا النص الخاص بتحديد سقوف الصرف وهذا لم تحدده المفوضية إلا بعد أن جأرنا بالمطالبة به وجاء في 31\4\2010 أي بعد أن أوشكت العملية الانتخابية على نهايتها في 11\4\2010 وبعد أن طالب كل مرشحي رئاسة الجمهورية إلا واحداً بمراجعة أعمال المفوضية. اتفاقية التراضي كنا ندرك النزاع حول طبيعة الانتخابات بين أن تكون للتمكين أو للمساءلة فالتغيير. لذلك حرصنا منذ اتفاقية التراضي في مايو 2008 على ما ينبغي عمله لتقوية العوامل الديمقراطية على حساب التمكين الأوتوقراطي ولكفالة نزاهة الانتخابات المقبلة.

ولكن لنفس هذه الأسباب حرصت صقور الحزب الحاكم على إجهاض اتفاق التراضي.

وعندما انعقد مؤتمر جوبا كان الهدف الوطني من قراراته دخولًا للتراضي الوطني من البوابة الجنوبية، ولكن معارضة الحزب الحاكم لها جعلها استقطابية.

1. قرارات مؤتمر جوبا أشارت لعدد من القضايا أهمها أربع:

* ضرورة حسم المسائل المختلف عليها حول الإحصاء السكاني والحدود وغيرها قبل إجراء الانتخابات لكفالة نزاهتها.

* ضرورة حل أزمة دارفور لتمكين أهل دارفور من المشاركة العادلة في الانتخابات.

* ضرورة كفالة حقوق الإنسان والحريات العامة لضمان نزاهة الانتخابات.

* تأجيل موعد الانتخابات إلى نوفمبر 2010 لتحقيق تلك المطالب. مؤتمر جوبا كان في سبتمبر 2009 ولم يتحدث عن التأجيل ولكن عن عدالة الفرص الإعلامية. وقال إذا لم تكن الإصلاحات في الإعلام والحريات ودارفور حتى نوفمبر 2009 فإن على المعارضة المقاطعة.

2. هذه المطالب أهملت تماماً وكأنها آتية من جهات في وزن الريشة لا يعبأ بها!

3. لذلك وبعد كثير من التريث أصدر عدد معتبر من قوى الإجماع الوطني أو تحالف جوبا قراراً بمقاطعة الانتخابات في 1\4\2010.

4. واجتمع أحد عشر شخصاً هم المرشحون لرئاسة الجمهورية وتداولوا سير الانتخابات وأداء المفوضية وقرروا أن فيه اعوجاجاً كبيراً إدارياً ومالياً.

لذلك وقعوا على مذكرة أرسلت لكافة الجهات المعنية يطالبون فيها بمراجعة أداء المفوضية القومية للانتخابات بواسطة جهة مؤهلة ومحايدة. ولكن هذا الطلب مع أهميته أهمل كأنه هباء منثور!

شروط حزب الأمة

5. في هذا المناخ المشحون بالتوتر دعا حزب الأمة أجهزته لتداول الأمر وفي الأول والثاني من أبريل تباين موقف المكتب السياسي من الانتخابات كالآتي:

* 23% رأوا المقاطعة الشاملة بسبب عدم نزاهتها وعدم الموافقة على التأجيل حتى نوفمبر المقبل لعلاج المشكلات العالقة.

* 26% رأوا ضرورة المشاركة الكاملة لأن قواعدنا استعدت وضحت وملأها الأمل في التغيير إلى أفضل.

* 44% رأوا المشاركة الجزئية بمقاطعة انتخابات الرئاسة والمشاركة في ما عداها.

إزاء هذا الانقسام وما يحيط به أيضاً من انقسام في مواقف الأحزاب السياسية الأخرى رأت رئاسة الحزب البحث عن موقف وسط يجمع عليه المكتب السياسي ويصلح لتجمع عليه كافة القوى السياسية الأخرى، وبذلك يمكن إنقاذ الانتخابات من مواقف قد تبطلها أو تهبط بقيمتها هبوطاً مريعاً. لذلك قدمت الرئاسة شروطاً للمشاركة في الانتخابات بها تنازل من الشروط الماضية وتحصر في شروط مخففة هي:

* ضبط استخدام قانون الأمن أثناء الانتخابات.

* قومية الإشراف على أجهزة الإعلام الرسمية.

* تنفيذ قانون الانتخابات في ما يتعلق بعدم استخدام الحزب الحاكم لأجهزة الدولة في حملته.

* تحديد سقوف صرف المرشحين والأحزاب على الانتخابات.

* الاعتراف بصعوبة إجراء انتخابات نزيهة وحرة في دارفور لظروفها لمراعاة ذلك مستقبلًا.

* تنفيذ القانون الخاص بدعم الدولة للأحزاب السياسية.

* تكوين مجلس سياسي رئاسي لتداول الرأي في القضايا العامة.

* تمديد بدء الاقتراع لمدة 4 أسابيع للسماح للإصلاحات المذكورة بتغيير المناخ الانتخابي بصورة إيجابية تكفل أوسع مشاركة ممكنة فيها وتحسن مناخ إجرائها وتكفل ضمان قبول نتائجها.

هذه المطالب فيها تنازل كبير عن المطالب الأخرى كالتمديد حتى نوفمبر، وكمراجعة شاملة للمفوضية قبل الاقتراع، وغيرها من المطالب التي نصت عليها المذكرات المذكورة.

رد الحزب الحاكم

ولكن مع أن أغلب تلك المطالب قبلت، فإن الحزب الحاكم لم ينتظر المفوضية صاحبة الشأن أن تعلن موقفها، بل بادر قبلها بالرفض التام لأية زيادة في الزمن ولو لساعة!

ما فائدة الشروط الإصلاحية المقبولة إذا لم تكن هناك فترة زمنية معقولة لتطبيقها*

لذلك اعتبرت أجهزة حزب الأمة أن باب الإصلاح موصد تماماً، وأن الحزب الحاكم متمترس في الانفراد والعناد ومستخف بالآخرين على نحو ما فعل في العشرين عاماً الماضية. لذلك رجحت فكرة المقاطعة حينما نوقش الأمر في 6 و7 \4\2010 باعتبار أن المسرح قد أعد لانتخابات غير نزيهة.

منذ اتخاذ القرار اكتسب تأييداً شعبياً عريضاً. كذلك بحثته وفود من المراقبين وكان تعليقهم المتكرر الإشادة باعتدال موقف حزب الأمة وحرصه على المصلحة الوطنية، وإبداء دهشتهم كيف لا يقدر الحزب الحاكم هذا الاعتدال ويخطو خطوتين مقابل العشرة التي خطاها حزب الأمة وكان بالإمكان لم كافة الشمل الوطني حولها*

إنه العناد والانفراد اللذين وصلا بالبلاد لحافة الهاوية، وإذا استمرا في إدارة الشأن السوداني سوف يدفعان به إلى الهاوية.

الديمقراطية في الشرق الأوسط

الانتخابات الديمقراطية في كل العالم احتكام دوري للشعب لمساءلة حكامه على ما فعلوا وما لم يفعلوا. وفي الغالب هذه المساءلة تضع الحكام في امتحان عسير تكون نتيجته استبدالهم بفريق معارض يقدم برنامجاً بديلًا وهكذا دواليك، في عملية تعاقب سلمي على السلطة.

الانتخابات في أكثر بلداننا في منطقة وسط العالم التي يسمونها «الشرق الأوسط» ولكن وسط العالم وصف أكثر موضوعية، لأنه ينسب الموقع للعالم لا لموقعه من الغرب، كما فعل الغربيون بتصنيف مواقع العالم بالنسبة إليهم.

وعلى نفس النهج أرى أن نراجع كافة التسميات، فالحرب العالمية الأولى والثانية ينبغي تسميتهما بالحرب الأطلسية الأولى والثانية، لأنهما حربان لم يكن لكثير من أنحاء العالم الأخرى فيهما ناقة ولا جمل.

ومع أن تسمية الأطلسية ليست دقيقة لاشتراك قوى غير أطلسية فيهما مثل اليابان، لكن الحقيقة هي أن أسباب اندلاعهما الأصلية منطلقة من مواجع أطلسية، أقول الانتخابات في المنطقة الوسطى من العالم غالباً ما تكون بين حزب حاكم متمكن من مفاصل السلطة وأجهزة الدولة وميزانيتها وأجهزة إعلامها.

وأحزاب سياسية مورست ضدها كل وسائل التوهين من اغتيالات معنوية لأشخاص قياداتها، وتجفيف مواردها المالية، وقوانين مقيدة للحريات، فهي تدخل في سباق غير متكافئ.

الصادق المهدي