يعتبر إقرار مشروع قانون الرعاية الصحية في الولايات المتحدة نصرا رئيسيا داخلياً حققه الرئيس الأميركي باراك أوباما يتيح له تحقيق اختراق في السياسة الخارجية. ويحفزه على استعراض قدراته على العطاء، والشرق الأوسط هو أهم منطقة يمكن أن تتجلى فيها تلك القدرات.

هناك همهمات تنتشر في الأروقة العالمية تتحدث عن «كرترة» أوباما، في إشارة إلى الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، الذي أبرمت في عهده اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر وإسرائيل، وثمة حديث واسع النطاق يدور في الأروقة الإسرائيلية ويشير إلى «الزمن التافه» الذي تحول فيه من يصفونه بثرثار الأمس، بين عشية وضحاها، إلى رئيس للولايات المتحدة في أول فترة رئاسية.

ويأتي هذا التطور في الوقت المناسب، فأوباما ليس بالرجل اللين، وإنما هو سياسي صلب بقدر كاف ليشاهد منافسيه السياسيين يتعرضون للتدمير الذاتي بسبب رباطة جأشه.

وهو رجل مبادئ بدرجة تكفي لتحديد أهدافه الصحيحة على المدى الطويل، بما في ذلك حواراته واتصالاته الدبلوماسية الشاملة مع إيران، كما أشار لذلك في تهنئته للإيرانيين بمناسبة عامهم الجديد.

ويعود لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وحده القيام بالدور الذي لعبه في أحد الأوقات الزعيم السوفييتي الأسبق خروتشوف، من خلال مساهمته في تقوية عود رئيس أميركي شاب.

فقد اعتقد الزعيم السوفييتي الأسبق أنه يمكنه ردع الرئيس الأميركي الراحل جون كيندي، ليكتشف في فيينا أن شخصية كيندي الجذابة كانت تمتلك إرادة قوية كالفولاذ. ونتانياهو الذي تتسم شخصيته بالبرود الشديد هو أول زعيم أجنبي يعتقد عن خطأ أن بإمكانه لي ذراع أوباما. واستخف رئيس الوزراء الإسرائيلي بدعوة أوباما في يونيو الماضي، التي لا لبس فيها، في القاهرة لإيقاف الاستيطان. وسمح بالإعلان في وقت غير مناسب عن بناء 1600 وحدة سكنية لليهود في القدس الشرقية.

وبدلا من التخلص من هذه المعضلة، اختار الحصول على هتاف رخيص من لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (ايباك)، التي تعتبر أكبر جماعة ضغط صهيونية في الولايات المتحدة، وأعلن عبرها أن القدس ليست مستوطنة، ولا يمكن إيقاف البناء الإسرائيلي فيها.

ولم يندهش أوباما من تصرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي، وغطى على زيارته للبيت الأبيض، من خلال رسالته الواضحة القائلة إن الطريق المسدود في الشرق الأوسط لا يخدم مصالح الولايات المتحدة، أو إسرائيل. وعندما يطلب الرئيس الأميركي إيقاف الاستيطان فلا يعني ذلك البناء بقدر قليل.

وكما لاحظ المراقبون، فهناك تحول للوعي يجري في الولايات المتحدة فيما يتعلق بإسرائيل. فقد اعتاد النقاد وصف المعارضين للسياسات الإسرائيلية بالمكروهين ذاتيا، إذا كانوا من اليهود، وبالمعادين للسامية، إذا كانوا من غير اليهود، لكن تلك الانتقادات اللاذعة كانت تفقد المرء وظيفته في أحد الأوقات، غير أنها فشلت في إحداث أي تأثير في هذه المرة.

لا أستطيع التكهن مقدما بعواقب المشاحنة بين أوباما ونتانياهو ، لكنها قد تسرع مشروعا حكوميا إسرائيليا جديدا أكثر اعتدالا يشمل حزب كاديما المعارض أيضا، وهذا سيساعد كثيرا، فهو سيدعم أوباما في المرة التالية التي يحتاج خلالها لأن يتعامل مع الفلسطينيين بصراحة، والذين يتعين عليهم كبح جماح أي تحريض ضد عملية السلام.

وأظهر موقف أوباما أن تركيزه على الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي لن يتحول بفعل الضغوط التي يمارسها نتانياهو لإعطاء الأولوية للبرنامج النووي الإيراني، والتركيز عليه. وهذه قضية مهمة، فإيران لا يمكن أن تكون ضمانة فلسطينية لتأجيل عملية السلام.

وهناك حاليا تذبذب في الموقف الإسرائيلي، نتيجة للموقف الأميركي الجديد، والواضح كوضوح الشمس. ففي العام الماضي تصدى أوباما لانتقاد القادة الإيرانيين باصطلاحات غير لائقة.

وعلى النقيض من ذلك هناك وزير الدفاع الإسرائيلي ايهود باراك الذي وضع الأمور في نصابها الصحيح، وقال بالحرف الواحد: «لا أعتقد أن الإيرانيين سيلقون القنبلة النووية، في حال حصولهم عليها، على إحدى المناطق المجاورة، فهم يدركون جيدا العواقب اللاحقة لذلك. وهم متطرفون، لكنهم ليسوا حمقى بالكامل، ولديهم عملية صنع قرار معقدة بالكامل».

والنظام الإيراني لا تنقصه الحكمة، والبرهان على ذلك أن الزعماء الإيرانيين ما زالوا صامدين، ويحكمون قبضتهم على زمام الحكم. وهم يخططون سياستهم جيدا وبتعقل، فقد انتقلوا من حافة الهاوية النووية، وأية ممارسة لاختبار سلاح نووي ستكون مسعى ينطوي على مخاطر كبيرة، تشمل عكس التركيب الهندسي للآلاف من أجهزة الطرد المركزي.

وهناك حاجة للواقعية في كل مكان. وأميركا لا تتحمل شن حرب ثالثة ضد المسلمين، ولا تستطيع إسرائيل فتح جبهة حرب ضد ايران بصورة غير مسبوقة. وسيعتبر العالم العربي إسرائيل على الدوام مشكلة عويصة.

لذلك لا توجد ثوابت سريعة. ويتعين على الولايات المتحدة تقوية سياسة الردع والاحتواء من خلال دعم الأجهزة الدفاعية في المنطقة. ويجب استكمال ذلك بأن تكون لواشنطن اليد الطولى على طهران، علاوة على ممارسة ضغوط متوازنة على الفلسطينيين والإسرائيليين.

لقد كان باراك على حق أيضا، حين قال إنه بغياب حل الدولتين ستكون إسرائيل إما يهودية، أو غير ديمقراطية.

ويصر أوباما الآن على أن تتصرف إسرائيل لتجنب الحصيلة التالية غير السارة لممارساتها. وقد بدأ الأميركيون، الذين حفزهم التقرير الذي قدمه الجنرال ديفيد بترايوس قائد القوات الأميركية الوسطى، يرون الآن وجود رابط بين تجنيد المسلحين المتشددين والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي.

وأظهرت الخطط الموضوعة في واشنطن بشأن قضية إيران تحولا ملحوظا في التفكير بعيدا عن إستراتيجية الحرب، بحسب وصف نيكولاس بيرنز، وهو مسؤول أميركي سابق في الخارجية الأميركية.

هناك تحولات حقيقية، وهي تعتبر متطلبات مسبقة لإعادة أميركا التقرب من العالم الإسلامي، التي يسعى إليها أوباما الآن، من خلال تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط.

بقلم - روجر كوهين - ترجمة: عمر حرزالله