ليس ثمة مبالغة في الكلام عن انتهاج إسرائيل سياسة التمييز العنصري ضد مواطنيها من الفلسطينيين (وهم أهل الأرض الأصليين)، فهذه الدولة التي قامت على أساس القوة.

وعلى أنها دولة يهودية، انتهجت منذ البداية سياسة قوامها الاستيطان الإحلالي، الذي يعتمد اقتلاع أو إزاحة أهل الأرض الأصليين، من أراضيهم وبيوتهم وممتلكاتهم، وإحلال اليهود المستوطنين مكانهم.

هكذا، انتهجت إسرائيل، إزاء ما تبقى من فلسطينيين (حوالي 120 ألفا) في أراضيهم، سياسات متباينة، لتغييبهم وتهميشهم، واستيعابهم في نطاق الاسرلة.

ومثلا، فقد أخضعت إسرائيل هؤلاء لنظام حكم عسكري (رفعته عام 1966)، وعملت على مصادرة أراضيهم وممتلكاتهم، وضمنها أراضي وممتلكات أعداد كبيرة من فلسطينيي 48 من مواطنيها، الذين اعتبرتهم بمثابة «حاضرين غائبين«، بدعوى تركهم أماكنهم خلال فترة الحرب.

أيضا، استخدمت إسرائيل منظومة قوانين شرعت فيها تهميش فلسطينيي 48 وتغييبهم، كقانون العودة، مثلا، الذي يتيح لأي يهودي، في أي بقعة من الدنيا، الهجرة لإسرائيل، باعتبار كل يهودي في العالم مواطن إسرائيلي مفترض.

إضافة إلى ما تقدم فقد وضعت إسرائيل يدها على الأراضي (أراضي الدولة) وحرمت الفلسطينيين منها. وفوق كل ذلك لم تتعامل إسرائيل مع الفلسطينيين باعتبارهم شعبا، أو كجزء من مجموعة قومية، وإنما باعتبارهم مسلمين ومسيحيين ودروز وبدو وشركس، لتغييبهم وتهميشهم، وأسراتهم.

من ناحية أخرى فقد حاولت إسرائيل إضعاف المجتمع العربي، وكانت نتيجة هذه السياسة، خلال العقود الماضية، أن هذا المجتمع بات من أكثر القطاعات تهميشا وفقرا، حيث الفلسطينيين بمثابة مواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة، وحصتهم من الوظائف الحكومية جد متدنية، وثمة أعمال محظورة عليهم.

وثمة بعد أخر لمحاولات التهميش والتغييب، تتمثل بسعي إسرائيل لفرض روايتها لتاريخ المنطقة على الفلسطينيين، من خلال احتكارها وسائل التعليم والإعلام، ومن خلال سيطرة منظماتها، وقوتها كدولة.

ويأتي في هذا الإطار سعي الحكومات الإسرائيلية لإحلال الأسماء العبرية محل الأسماء العربية، وهو الأمر الذي تحاول الحكومة الإسرائيلية الحالية تعميمه بشكل شمولي. أيضا ثمة بدعة جديدة لحكومة نتنياهو تمثلت بمحاولات مصادرة الرواية التاريخية للنكبة، واستصدار قانون من الكنيست يحظر على الفلسطينيين إحياء هذا اليوم.

ومعلوم أن ثمة نوعا من إجماع بين مختلف التيارات الإسرائيلية على تغييب يوم النكبة وتحويره، باعتباره يوم استقلال ويوما تاريخيا لليهود، وهذا ينطبق على تيارات اليسار الإسرائيلي، التي تعتبر أن نكبة فلسطين سببها التطرف العربي والحكام العرب، وأن هذه القضية بدأت فقط في عام 1967، أي مع احتلال إسرائيل للضفة والقطاع!

وبديهي فثمة في اليسار الإسرائيلي من يبدو كمن يتفهم حق فلسطينيي 48 بسرد الرواية خاصتهم، وان كان لا يقف معها، من باب حقوق الإنسان، والحق في الاختلاف، والتعددية.

في حين أن اليمين الإسرائيلي، الذي تدعو قطاعات منه إلى طرد الفلسطينيين، أو نقلهم («ترانسفير»)، يرفض تماما هذه الرواية ويعمل على قمعها، بدعوى أن مواطني إسرائيل بدلا من أن يعتبروا يوم قيام الدولة بمثابة كارثة ونكبة لهم، يجب أن يمتنوا لدولتهم!

الآن، بات فلسطينيو 48، الذين يناهز عددهم على مليون ونصف المليون، يشكلون قلقا كبيرا لإسرائيل، ولادعاءاتها باعتبارها دولة يهودية وديمقراطية، لاسيما أن هؤلاء مازالوا يؤكدون على تمسكهم بحقوقهم وبهويتهم العربية، وبكونهم جزءا من الشعب الفلسطيني.