لم يسبق أن وجدت إسرائيل نفسها في حيرة من أمرها، وفي وضع صعب ومعقد، مثلما هي الآن، إزاء الطريق السياسي الذي يتوجب عليها أن تسلكه، وإزاء علاقاتها مع الولايات المتحدة.
وللحقيقة فلم يسبق لإسرائيل، أيضاً، أن واجهت مجموعة تحديات كالتي تواجهها الآن، فعلى الصعيد الداخلي ثمة انقسام عميق بين المتدينين والعلمانيين، وبين اليمينيين واليساريين (بالمعايير الإسرائيلية)، لاسيما بكيفية التعاطي مع عملية التسوية. وثمة أيضاً، مسألة «الخطر الديمغرافي»، وكيفية حفاظ إسرائيل على وضعها كدولة أغلبية يهودية.
وعلى الصعيد الخارجي ثمة تغير كبير ونوعي في الوضعين الإقليمي والدولي، ضمنه تحول تركيا نحو مناهضة السياسة الإسرائيلية، وصعود نفوذ إيران (الساعية لحيازة قوة نووية)، وتزايد عزلة إسرائيل في أوروبا (على صعيدي الحكومات والمجتمعات)، وتضعضع علاقاتها مع الولايات المتحدة. ما يفيد بتراجع مكانة إسرائيل دولياً وإقليمياً، وتغير محيطها الاستراتيجي، وتآكل صورتها كدولة قوية ورادعة.
الأنكى أن إسرائيل، وفي ظل كل تلك الظروف، تجد نفسها محشورة في مواجهة خيارين صعبين وإشكاليين، فإما مسايرة الإدارة الأميركية، بشأن حث عملية التسوية، بخاصة مع الفلسطينيين، وإما معارضة هذه السياسة، وتحمل تبعات ذلك، وضمنه إضعاف المساعي الأميركية لتقويض سعي إيران لحيازة قوة نووية؛ الأمر الذي يضرّ بإسرائيل ويهدد وجودها.
ومعلوم أن إدارة أوباما تعتقد بوجود ارتباط شديد بين هاتين العمليتين، على أساس أن المدخل إلى الثانية (تحجيم نفوذ إيران) لابد أن يمر بالأولى، أي بإقامة دولة للفلسطينيين.
ووصلت إدارة أوباما حد اعتزام طرح خطة للتسوية، على أساس تفاهمات كامب ديفيد 2 (يوليو 2000)، على أن تتوسع بحيث تضم لاحقاً الأردن وسوريا ودولًا أخرى بالمنطقة».
وتفيد التسريبات الصحفية الأميركية والإسرائيلية، بأن مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال جيمس جونز عقد اجتماعاً في البيت الأبيض (يوم 24/3)، شارك فيه ستة آخرون من مستشاري الأمن القومي السابقين (ضمنهم زبغنيو بريجنسكي وكولن باول وبرانت سكوكروفت وساندي برغر وفران كارلوتشي وروبرت ماكفرلاند)، تم التباحث فيه بالخطوط العامة لهكذا خطة؛ ما يدعّم الخط الذي تطرحه أركان الإدارة الأميركية، في مستوييها السياسي والعسكري.
وبحسب التسريبات فإن الرئيس أوباما ذاته شارك في جانب من هذا الاجتماع الذي خصص لبحث خطة سلام أميركية خاصة به.
هكذا، تبدو كل الخطوط الأميركية والإسرائيلية منشغلة بماهية الرد الإسرائيلي على التساؤلات التي كان طرحها الرئيس أوباما على نتنياهو، إبان زيارة الأخير إلى واشنطن، بالنظر لأهمية ذلك بالنسبة للطرفين، وعلاقتهما المشتركة، وبالنسبة لمكانتهما في الشرق الأوسط.
ومع أن ثمة أصواتاً في إسرائيل، محسوبة على اليمين المتطرف، استنكرت ما أسمته الضغوط الأميركية على إسرائيل، وحتى إنها لوحت بكشف حساب بالخدمات التي قدمتها إسرائيل للولايات المتحدة، إلا أن أصواتاً كثيرة، وضمنها شخصيات محسوبة على اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، حذرت من الأزمة في العلاقات الأميركية ـ الإسرائيلية، وحثت إسرائيل على إيجاد مخرج مناسب، يسهّل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
ومثلًا، فهذا نفتالي روتنبرغ (حاخام، وباحث في معهد فان لير بالقدس) يحذّر من مغبة معارضة توجهات أوباما، لأن البديل عن ذلك، برأيه، سيتمثل في فرض هذه التوجهات على إسرائيل، وفق السيناريو التالي: «في غضون ستة أشهر سيتخذ مجلس الأمن قراراً بإقامة دولة فلسطينية في حدود 67، على أساس خطة السلام العربية.
في غياب شراكة للطريق مع إسرائيل- ستمتنع الولايات المتحدة عن التصويت.. من هنا تصبح المسافة قصيرة من أجل نشر قوات متعددة الجنسيات تساعد الفلسطينيين على تطبيق سيادتهم مقابل إسرائيل.. الواقع السياسي الجديد بات هنا. التغيير سيأتي في أعقابه من دون الأخذ في الاعتبار بموقفنا السياسي أو الإيديولوجي».
(«يديعوت أحرونوت»، 46) ويؤكد افرايم سنيه (وزير وعضو كنيست سابق عن حزب العمل) على تلافي هذه التداعيات الخطيرة والصعبة، وبرأيه «ليس بوسع إسرائيل الصمود لفترة طويلة في المواجهة ضد أصدقائها في العالم في الوقت الذي تتآكل فيه شرعيتها بشكل متزايد.. لا تستطيع إسرائيل العيش في ظل إيران نووية.
فالهجرة إلى إسرائيل ستتوقف، وهجرة الشباب الإسرائيلي.. إلى الخارج ستتزايد، والاستثمارات الأجنبية ستتقلص. إسرائيل التي تكف عن كونها بيتاً آمناً ليهود الشتات، والتي تغيب عنها المشاريع الكبيرة، تعني نهاية الحلم الصهيوني.. ميزان الردع الإقليمي سيتغير في غير مصلحة إسرائيل».(«هآرتس»، 43).
حتى الآن ثمة ممانعة من قبل نتنياهو وحكومته إزاء ما يسمونه «إملاءات أميركية»، لدرجة امتناع نتنياهو عن المشاركة في مؤتمر نزع الأسلحة النووية في واشنطن.
ومع ذلك يمكن القول بأن إسرائيل تقف في مواجهة لحظة الحقيقة، وفي مواجهة تساؤلات ينبغي أن تجيب عنها، ليس أمام العالم فحسب، بل أمام ذاتها أيضاً.
ماجد كيالي
