من واشنطن إلى براغ، ثم إلى واشنطن؛ أسبوع نووي بامتياز. وأوباما كان نجمه بامتياز، أيضاً. لم يسبق أن شهد هذا الملف من التداول واللقاءات ونال من الاهتمام والأضواء، كما شهده خلال الأيام القليلة الماضية. وما من مرة تناول الحراك بخصوصه، كافة جوانبه الرئيسية وعلى مستويات أحادية وثنائية ودولية؛ كما حصل مؤخراً.

كان أشبه بموسم السلاح النووي. التطورات التي توالت، على تواضعها؛ كانت ملحوظة. بل وازنة، بمقاييس هذا الملف وتعقيداته وهواجسه وحجم ترساناته وقوتها التدميرية الهائلة. خاصة وأنها تأتي بعد جمود طويل، تعاظم معه خطر الانفلات النووي وسباق التسلح. بذلك، بدت وكأنها نوعاً من الصحوة لمنع الانزلاق إلى هذه الهاوية؛ قبل فوات الأوان.

بداية واعدة، ولو أن أهميتها تبقى مرهونة بإمكانيات تطويرها والدفع باتجاه تحويلها، لاحقاً وبصورة دورية، إلى تراكمات، نوعية وكمية؛ باتجاه بلوغ مراحلها المنشودة المؤدية بالنهاية إلى تخليص البشرية من هذا الخطر الماحق، لكن هذه الإمكانية، تبقى بعيدة المنال، بالأحرى مستحيلة؛ طالما ظل الكبار ومن ينعمون بالحماية تحت مظلتهم الواقية، متشبثين بالامتياز والتمايز النووي.

افتتح الرئيس أوباما، الأسبوع؛ بالإعلان عن استراتيجيته النووية الجديدة. صحيح أنها لا تغادر بصورة حاسمة الثوابت الأميركية، في هذا الحقل. لكنها أدخلت عليها تعديلات متقدمة، نسبياً.

خاصة فيما يتعلق بتضييق استخدام هذا السلاح. الإدارات السابقة، تركت الباب مفتوحاً أمام خيار الرد بالنووي على أي هجوم كيماوي أو بيولوجي.

اوباما تخلّى عن هذا الخيار، تجاه البلدان غير النووية حتى ولو قامت بمثل هذا الهجوم ؟ باستثناء كوريا وإيران-؛ لكن شرط أن تكون ملتزمة بضوابط وموجبات المعاهدات الدولية الخاصة بعدم انتشار النووي. كذلك، اعتمد تعريفاً أقل غموضاً لدور هذا السلاح، «كرادع في الأساس»، لأي هجوم نووي.

بعد يومين من الإعلان، وقّعت واشنطن وموسكو على معاهدة تاريخية ؟ ستارت 2 -؛ لخفض حجم الرؤوس النووية بحوزتهما. آخر مرة جرى توقيع من هذا النوع، كان عام 1991. حسب الجديد جرى التقليص بنسبة 30%، لينزل العدد إلى 1550 لكل منهما؛ على أن يكتمل التفكيك في غضون سبع سنوات. تقاطع المصالح والمقاربات، سهّلت التوصل إلى الاتفاقية. تطور هام ولو أن المتبقي في الترسانتين، يكفي لتدمير العالم. على الأقل، يتوقف سباق التسلح والأهم أن ذلك قد يعطي شحنة زخم للقمة الدولية المرتقبة في مايو القادم، برعاية الأمم المتحدة؛ لتعزيز معاهدة منع انتشار السلاح النووي.

الجولة الأخيرة كانت في «قمة الأمان النووي»، التي دعا إليها واستضافها الرئيس أوباما في واشنطن؛ والتي شاركت فيها 47 دولة. أكبر تجمع دولي من نوعه، جاء ليعكس التخوف من احتمال وقوع مواد نووية بيد الجماعات الإرهابية. خطر، يرى أوباما أنه «الأكبر، اليوم وعلى المديين القريب والبعيد» على أميركا.

وحسب المعلومات، أن هذه المواد متوفرة في أربعين بلداً وبما مقداره 3, 5 ملايين باوند؛ إضافة إلى مليون باوند من البلوتونيوم. الإجمالي، يكفي لتصنيع أكثر من مئة ألف قنبلة ذرية. كما المعلوم أن50 باونداً تكفي لصنع قنبلة صغيرة وأن 90% فقط من هذه المواد تمّ إحكام الرقابة عليها، بعد الانهيار السوفييتي.

استراتيجية أوباما، مع ستارت 2 وقمة «الأمان»، حزمة نووية متقدمة. ولو أن الأولى متواضعة والثانية محدودة والقمة كانت بغير قرارات ملزمة. مع بعضها، قفزة بالاتجاه الصحيح. وإذا كان خطر المواد النووية كبير ومدعاة للقلق والخوف؛ إلاّ أنه ليس الوحيد. خطر الانتشار لا يقل عنه. خاصة المسكوت عنه.

أو الجاري في إطار سباق تسلح نووي. حماية ترسانة إسرائيل وإصرار هذه الأخيرة على احتكاره في المنطقة؛ ليس سوى وصفة لتسريع انتشار هذا السلاح. عاجلاً أم آجلاً.

نتيجة سبق وحذر منها الرئيس الأميركي الراحل، ريتشارد نيكسون. لا يمكن للدولة العبرية امتلاك النووي وحدها؛ على طول الخط. كذلك وفي اللحظة التي ينشط فيها الحراك لحصر النووي، تتحدث التقارير عن سباق دائر حالياً بين الهند وباكستان، لتطوير وتوسيع ترسانتهما الذرية.

الملف النووي الدولي شائك ومعقد وسريع العطب، بقدر ما ينطوي عليه من مخاطر كارثية. أي تقدم حوله، له حسابه وأهميته. لكن كله يبقى في حدود الترقيع، إذا استمر الإصرار على الكيل بمكيالين والاكتفاء بتطويق المخاطر؛ من دون الالتزام التام بهدف الخلاص النهائي من أسلحة الدمار.

فكتور شلهوب