يعمد المؤلف في هذه الحلقة إلى بلورة أهم المقولات التي سبق إلى طرحها في فصول الكتاب الستّة، وأهمها ظاهرة التوازي بين تطور تاريخ الحضارة وتطور دور المال والنقود في حياة البشر..
وهو دور توضّح الحلقة أنه تأرجح بين الصعود في الأهمية، سواء على أساس أهمية سلبية جسدتها نزعات المد الاستعماري الذي عمد إلى استغلال موارد شعوب آسيا وإفريقيا فضلا عن مناجم المعادن النفيسة في أميركا الجنوبية لصالح قوى الإمبريالية الغربية.. وأيضا على أساس أهمية إيجابية تمثلت في التوصل إلى أساليب مبتكرة ومفيدة في دفع مسيرة الحضارة والتطور إلى الأمام، سواء جاءت على شكل مؤسسات مثل الشركات والبنوك، أو على شكل مفاهيم مثل التأمينات البحرية، والحياتية والتقاعدية .وما في حكمها.. هذا فضلا عن أوجه التطور السلبي لدور الاقتصاد والنقود في حياة البشر وهو ما وصفته الحلقة بأنه «هبوط النقود» الذي ما برحت تجسده وتيرة ومعدلات الأزمات المالية التي تلمّ بالنظم والممارسات الاقتصادية على اختلاف فترات الزمان ومواقع المكان.
لأن لكل شيء إذا ما تم نقصان على نحو ما يقول المثل المتواتر- فليس صدفة إذن أن نجد مؤلف هذا الكتاب.. يوّدع قارئيه بسطور الخاتمة التي يختار لها العنوان التالي: هبوط النقود.
وهو على نحو ما نرى عنوان غريب حقا على كتاب يكاد مضمونه يتركز باستمرار على تتبع مسار صعود النقود عبر تاريخ الصفقات والمعاملات بين البشر على طول الحقب والقرون التي شهدتها حضارات الإنسان .
وعلى اختلاف مواقع تلك الحضارات: بين اكتشاف الصين لوسائل التعامل النقدي، واكتشاف الإسبان والبرتغاليين لمناجم الذهب والفضة التي كانت تحوزها حضارات شعوب المايا والإنكا في قارة أميركا الجنوبية.
يومها كما قد نتذكر مع البروفيسور «فيرغسون» مؤلف الكتاب كيف كانت تلك الشعوب من «هنود» نصف الكرة الغربي تتعامل مع تلك المعادن النفيسة بوصفها عطايا من الآلهة وهدايا من الطبيعة الأم المقدسة لتلك الشعوب التي اقتصر استخدامها لتلك المعادن على أغراض الزينة أو الرموز أو الأيقونات كيف لا وقد كانوا يصفون الذهب الإبريز بأنه «عَرَق الشمس» .
فيما أطلقوا على الفضة النضار وصف «دموع القمر».. أين هذه الأوصاف الرقيقة، بكل سذاجتها العفوية، من لجوء المستعمرين الطامعين القادمين من شبه جزيرة أيبيريا (إسبانيا والبرتغال) كي يمارسوا أبشع أنواع الاستغلال لشعوب أميركا اللاتينية حيث شهدت مناجم الذهب والفضة مصارع الآلاف من عمال السكان الأصليين وسط ظروف عمل ومعيشة بالغة القسوة.
من بابل إلى شايلوك
ثم تابعنا مع المؤلف مسيرة التطور الذي طرأ على أساليب التعامل بالنقود.. من ألواح الطين في ميزوبوتاميا (العراق القديم) إلى اعتماد اليونان، ومن ثم الرومان ومن بعدهم بالطبع الإمبراطوريات الإسلامية الزاهرة (العباسية بالذات) معدنيْ الذهب والفضة وسيلة لسداد مدفوعات التبادل التجاري سواء على شكل معاملات البيع والشراء في داخل الحدود.
أو على شكل مبادلات الاستيراد والتصدير مع الأقطار الخارجية، مع ما تزامن مع هذه الأوضاع من لجوء أوروبا بالذات إلى إشعال الحروب كوسيلة للتعويض عن شحّة هذه المعادن النفيسة اللازمة لسّك العملات بين ربوعها.
ومن هذه الحروب غزوات الاستعمار الأوروبية التي استترت وراء الشعار الديني وحملت اسم الحروب الصليبية. ثم سارت بنا فصول الكتاب الستة إلى ضفاف بدايات العصر الحديث.. التي شهدت اعتماد الصكوك..
أو هي وسائل الدفع المختلفة وتعميق دورها في الأنشطة الاقتصادية على اختلاف نوعياتها وأقطارها.. وهكذا توصّل العالم إلى قروض الائتمان والى التأمين البحري وبعده التأمين على الحياة ثم التأمينات والائتمانات التقاعدية العقارية والشركات المساهمة.
وقد عرض المؤلف لكل هذه الأشكال المؤسسية من المنظور التاريخي الذي لم يكد يخلو من طرافة.. حيث ارتبط التأمين البحري بحكاية رطل اللحم.. البشري(!) الذي كان يشترطه «شايلوك» المرابي اليهودي في حالة العجز عن سداد قرضه التأميني من جانب «أنطونيو» «تاجر البندقية» الطيب الأمين على نحو ما حكى ويليام شكسبير في رائعته التي تحمل الاسم المذكور.
ورغم أن التأمين على الحياة بدأ في مدن إيطالية أخرى مثل بيزا وفلورنسة.. وكان يعد بذلك خطوة رائدة بكل مقياس، إلا أن الطريف، على نحو ما أوضح كتابنا أن القوم وقتها لم يتوقفوا مليّا للتمييز المطلوب بين التأمين على حياة الشخصيات الرفيعة في مجتمعاتهم، والتأمين على ما كانت تحويه حظائر النبلاء والأغنياء المتنفذين من سلالات الخيول الأصيلة المعّدة لخوض السباقات.
البنوك بين دائن ومدين
في كل حال يصل الكتاب في عرضه التفصيلي الشامل لتاريخ صعود النقود في حياة البشر إلى نقطة «الانكسار» بالنسبة لهذه المسيرة من الصعود.. يقول البروفيسور «نيال فيرغسون» في بدايات صفحة 341: إن عالَم الأموال الذي نعيش فيه اليوم ما هو إلا نتاج لأربعة آلاف سنة من الثورة الاقتصادية.
(والمعنى) أن الأموال وهي العلاقة التي تبلورت مع الزمن بين المدين والدائن هي التي وُلدت في رحمها كما نقول مؤسسات منها البنوك على سبيل المثال ومنها أيضا دور المقاصّة التي جاء إنشاؤها وأنشطتها أي على التزايد المطرد حجما ووتيرة على عمليات الاقتراض والإقراض في طول عالمنا وعرضه.
فمن القرن 13 وما بعده، أدخلت الحكومات نظام السندات والأسهم لكي تكفل حصول أصحابها على عائد (أو فائدة).. فيما كشفت أسواق الأوراق المالية عن إيجابيات الأسواق العامة المنَّظمة حكوميا بالنسبة لتداول وتسعير تلك الأوراق المالية والصكوك النقدية.
ومن القرن 17 أصبح بالإمكان بيع وشراء أسهم الشركات المساهمة بنفس الأساليب.ومن القرن الثامن عشر عمدت صناديق التأمين، ومن ثم صناديق المعاشات التقاعدية إلى استغلال اتساع نطاقها وضخامة عضويتها واستغلال وفورات الحجم كما تسمى في المصطلح التقني الاقتصادي، وذلك كي تكفل هذه المؤسسات المالية سبل الحماية ضد أي مخاطر يمكن أن لا تكون في الحسبان.
ومن القرن التاسع عشر.. بدأت تتسع وتزدهر عمليات التحليل المالي بمعنى الأساليب العلمية ذات الأسس الرياضية، من أجل التنبؤ بمسار التطور الاقتصادي وحركة الأسواق المرتقبة في المستقبل.
البعد السياسي للنقود
ثم شهد القرن العشرون ما وصفه المؤلف بأنه تشجيع الأسر المعيشية على زيادة مساهماتها ي السوق الاقتصادية في بلادها، وفي اقتناء حوافظ مالية لحيازة ممتلكات العقارية.. وجاء ذلك في معظمه وكما ينبّه مؤلف كتابنا لأسباب سياسية بالدرجة الأولى.
هذا البعد السياسي يقود المؤلف أيضا (ص342 وما بعدها) إلى تأكيد أن المجتمعات التي أخذت بأساليب التحّول والممارسة الديمقراطية كان أداؤها أفضل بكثير من غيرها من المجتمعات. لقد استطاعت اقتصاداتها أن تضم وتطّور عددا من الابتكارات المؤسسية التي كانت النقود محورا لأنشطتها..
ومن ذلك مثلا المصارف والبورصات وأسواق السندات وشركات التأمين ومؤسسات الملكية العقارية وما في حكمها.. كان التحول إلى الديمقراطية المعاصرة مفيدا.. لأن كل هذه الأنشطة الاقتصادية والممارسات النقدية المبتكرة كانت تقوم على أساس الوساطة الفنية التي جسدتها جهود الوسطاء المحترفين والمتخصصين في شؤون المال والنقود والأعمال..
وبمعنى أن الأساليب الديمقراطية في إدارة حركة المجتمع تتيح ? كما يؤكد المؤلف ? زيادة في كفاءة تخصيص وتوزيع موارده بأكثر مما تتيحه المجتمعات التي إما سادتها نظم الإقطاع في الماضي البعيد أو النظم الشمولية التي كانت تحكمها نظم التخطيط المركزي في الماضي الأقرب (على نحو ما شهدته مثلا دول شرق أوروبا السوفيتية بالذات خلال معظم النصف الثاني من القرن العشرين). لهذا اتسع النموذج المالي الغربي في رأي المؤلف لينتشر في طول العالم وعرضه.
هذا التوسع الإمبريالي
مع هذا كله فالكتاب لا يغفل عن أن اتساع هذا النموذج الأوروبي لم يكن خالصا لوجه الله أو حتى لوجه الاقتصاد. وباعتبار المؤلف أكاديميا ضليعا فهو يعترف مع نهايات الكتاب بأن هذا النموذج الغربي بدأ اتساعه على شكل نراه من جانبنا بالغ السلبية ممعنا في الاستغلال:
إنه شكل المّد الإمبريالي الذي جاءت على متنه فلول وأفواج المستعمرين الأوروبيين إلى بلاد الجنوب أصقاع إفريقيا وغرب وجنوب شرقي آسيا من أجل استغلال مواردها. ونزح ثرواتها مع العمل من جهة أخرى على فتح أسواقها عنوة وطغيانا أمام منتوجات المصانع والمعامل الكائنة أصلا في عواصم ذلك الاستعمار.. من باريس إلى لندن ومن أمستردام إلى بروكسل.
ولقد انجلت موجة الاستعمار والاستغلال الاقتصادي الإمبريالي مع العقود الأولى بعد منتصف القرن العشرين كي تحل محلها.. مع نهايات القرن المذكور موجة جديدة حملت اسمها المعروف في أدبيات السياسة والاقتصاد وهو: العولمة هنا يعترف المؤلف قرب خواتيم كتابه بأن التاريخ الاقتصادي لعالمنا وللإنسانية مازال يشير إلى ارتفاعات وانخفاضات.. إنجازات وكبوات بل نكسات في بعض الأحيان.
وتيرة وقوع الأزمات
يكفي أن نعرف أن مؤسسة بروكنغر الأميركية الشهيرة أعدت دراسة منشورة مؤخرا وخلصت إلى بيانات بالغة الأهمية وقد تابعت الدراسة مسيرة التطور الاقتصادي منذ عام 1870 لتعرض ما يلي:
- على مدار تلك الفترة (وحتى أوائل القرن الحالي) وقعت 148 أزمة اقتصادية انخفض فيها معدل الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى 87 أزمة هبط فيها معدل الاستهلاك وارتفعت أسعار المستهلكين بسبب التضخم الجامح الذي أصاب النظم الاقتصادية.
ويعلق المؤلف (ص342) على هذه الأوضاع قائلاً: يبدو أننا ? رغم كل ذكائنا وفطنتنا - مازلنا تحت رحمة الظروف التي يمكن أن تُسْلمنا إلى أوضاع نضرب فيها أخماسا في أسداس حيث تفاجئنا طيور «البجع السوداء» علامة على الخطر أو النذير.
هذه الأوضاع من الاضطراب وعدم اليقين لها في رأي مؤلف الكتاب 3 أسباب رئيسية نعرضها معه على النحو التالي:
(1) ان تطورات المستقبل، هي في التحليل الأخير أمور في طيّ الغيب.. ومهما بلغت درجة حسابات التوقع فمازال المستقبل محفوفا باللايقين. ومهما تحادث القوم عن «المخاطر المحسوبة» كما يسمونها بالذات في مضمار الاقتصاد.. فهي تظل مخاطر في كل الأحوال.
(2) هناك أيضا ما يصفه المؤلف بأنه التذبذب الجوهري الكامن في صميم النظام المالي أو هو نظام النقود في عالم اليوم.. هذا السبب يلخصه كتابنا في عبارة واحدة هي: «السلوك البشري».
وهو يدلّل على أهمية هذا العنصر الجوهري من واقع ما عرضه على قارئيه ضمن صفحات الكتاب من تاريخ وتطور العامل الاقتصادي المالي النقدي في حياة الإنسانية، وهو تاريخ يرى المؤلف أن مسيرته ما برحت تتأرجح بين قطبين: ما بين الزهو والغبطة إلى اليأس والاكتئاب..
وكلاهما يجسّد بداهة قطبْي المشاعر الطبيعية أو البديهية التي فُطرت عليها النفس البشرية.. وبين الفرحة الغامرة بالكسب الاقتصادي والنجاح في اكتساب ومراكمة النقود.. أي بين كآبة الشعور بالحزن وشدة الإحباط في حالة خسارة الربح وصدمات السوق وسقوط أسعار الأوراق والصكوك المالية.. وفي كل حال يظل العامل البشري عنصرا جوهريا في مسيرة وتطور دور النقود في حياة الناس.
(3) هناك أخيرا ذلك النهج الفكري ? التحليلي الذي يقرن بين نظرية «دارون» في تطور الأنواع البيولوجية وبين نظريات التطور الاقتصادي. هذه الداروينية الاقتصادية، كما قد تسمى - يبررها في رأي الكثير من الباحثين والمحللين حقيقة التطور، بمعنى التبدل المستمر في دنيا الاقتصاد.
وفي هذا السياق يؤكد المؤلف أن كل سنة تشهد اختفاء شركة واحدة من بين كل 10 شركات في أميركا.. وأن الفترة بين عامي 1989 و1997 شهدت على وجه التحديد اختفاء 611 ألف موقع من مواقع التجارة والأعمال (البيزنس) في كل أميركا التي كانت تضم في تلك الفترة عددا إجماليا من هذه الأنشطة يبلغ 73,5 مليون موقع عمل ونشاط في ميدان التجارة والاقتصاد والأعمال.
في عبارة واحدة تظل أسواق المال والنقود هي مرآة البشرية على نحو ما يقول البروفيسور فيرغسون مؤلف هذا الكتاب. وليس خطأ المرآة.. أي مرآة، أنها تعكس ملامح الدمامة أحياناً بقدر ما تعكس جوانب الجمال في أحيان أخرى.
تأليف: دانيال فيرغسون
الناشر: دار بنجوين، نيويورك، 2009
عرض ومناقشة: محمد الخولي
عدد الصفحات: 442 صفحة

