تعرض هذه الحلقة للأزمات المالية والنقدية العالمية التي واجهت هياكل الاقتصاد الدولي خلال السنوات الأخيرة من القرن الماضي وسنوات هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين..

وعلى خلاف مراهنات المحللين الذين ركزوا أنظارهم على توقع الأزمة في مناطق الشرق من العالم (الصين وجاراتها) حلّت الأزمة في مناطق الغرب (أميركا بالذات ولاسيما في مجال الائتمانات والرهونات العقارية). وتحلل الحلقة أوضاع وأداء اقتصادات مجموعة «البيريك» التي تضم الاقتصادات التي كانت توصف بالناشئة وأصبحت تعرف بالصاعدة أو الناهضة وتضم عدة أقطار مابين الصين شرقا وروسيا في الوسط إلى البرازيل وربما شيلي في أقصى الغرب والجنوب من العالم.

ثم تؤرخ الحلقة لأسباب وعناصر التباين، ومن ثم التفوق الذي تمتعت به دول الغرب بالمقارنة مع دول الشرق وخاصة الصين رغم ازدهار حضارتها وامكانات تفوقها حتى سنوات القرن الثامن عشر.. وتعود بهذه الظاهرة إلى عوامل شتى في مقدمتها اكتشاف العالم الجديد في الأميركتين وتحويل أراضي البحر الكاريبي إلى مستوطنات زراعية، منتجة لأهم الاحتياجات الغذائية. ثم تختتم الحلقة بحديث عن ظاهرة العولمة : جذورها.. وتطوراتها والأخطار التي تحدق بها.

الفصل السادس من هذا الكتاب يمكن أن نسميه «فصل الأزمة».. كيف لا ونحن نجد أن السطور الاستهلالية من صفحات الفصل المذكور لا يقتصر تناولها على أزمة اقتصادية ألمّت بعالمنا، بل تتعدى المعالجة إلى حيث يتم تناول أزمة اقتصادية أخرى أشد عمقا وأوسع نطاقا وأعمق تأثيرا. الأزمة الأولى وقعت مع السنوات الأخيرة من القرن العشرين.

والفصل السادس من كتابنا يفتتح طروحاته على النحو التالي: خلال الأزمة الاقتصادية الآسيوية التي شهدتها الفترة 1997 ـ 1998 كان الفكر السائد وقتها يقول أن الأزمات المالية من الأرجح أن تحدث عند أطراف الاقتصاد العالمي، وبالتحديد على صعيد الأسواق التي عمد خبراء وأساتذة الاقتصاد إلى أن يضفوا عليها الوصف التالي: الأسواق الناشئة. وكان المقصود وقتها هي أسواق أقطار في جنوب شرقي آسيا (كوريا.. تايوان.. ماليزيا مثلا) وأسواق مماثلة في أميركا اللاتينية (البرازيل.. شيلي مثلا آخر).

وهنا نبادر من منظور عرضنا التحليلي الراهن لمقولات مؤلفنا لنضيف إن العالم عمد بدوره إلى التحول عن وصف هذه البلدان.. الآسيوية.. أو اللاتينية إلى حيث بات يطلق عليها الوصف التالي: الأسواق الصاعدة أو الاقتصادات الناهضة.

هذا الاقتصاد الديناميكي

وقد يصدق هذا الوصف في الوقت الراهن على اقتصاد مثل الصين بكل ديناميته التي أصبحت مضرب الأمثال في طول عالمنا وعرضه: وداعا إذن لتوصيف البنك الدولي في زمان مضى بأن تلك البلدان الواقعة جنوبي الكرة الأرضية كانت تُعرف بأنها الأقطار الأقل تقدما.. وكأنها بذلك تشغل موقعا وسطا بين بلدان أفريقيا أو آسيا النامية وبين بلدان خلف الناتو الأورو- الأميركي المتقدمة. مع هذا كله فلم تصدق تنبؤات الاقتصاد بشأن انبثاق الأزمات المالية عن مناطق الأطراف.. أو أقطار المحيط من عالم اليوم.. العكس هو الذي حدث تماما.

وكان ذلك في صيف عام 2007 على وجه التحديد حيث جاءت الأزمة التي كان يخشاها الجميع، لا من الأطراف بل من البؤرة، وليس من المحيط بل من المركز بالذات.

يقول مؤلف كتابنا (ص283): بدأ القرن الجديد (الحادي والعشرون) بما وصفوه سنة 2000 بأنه «الفقاعة دوت. كوم» التي شكلت أزمة في وادي السيلكون.. وهو مركز النشاط الحاسوبي ـ الالكتروني في أميركا.. وشهدت السنتان اللتان أعقبتا بداية القرن واقعة الهبوط الفادح في أسعار الأوراق المالية في أميركا بمعدل النصف تقريبا.. ولكن كان علينا أن ننتظر إلى أغسطس من عام 2007 حتى نشهد عاصفة مالية جديدة اجتاحت البورصات الأميركية.. ولكنها لم تعصف هذه المرة بسوق الأوراق المالية بل اجتاحت سوف الائتمانات العقارية.

في غمار ذلك الإعصار المال، اكتشفت ملايين من العائلات الأميركية أنها لن تستطيع أن تدفع بلايين الدولارات المستحقة في ذمتها لصالح الرهونات المقترضة لقاء البيوت التي تسكنها.

من اللغة الإنجليزية إلى الصينية

ورغم أن ذيول الأزمة كان لابد وأن تخلّف تأثيراتها على أماكن شتى في العالم.. إلا أن ظاهرة نجاة أقطار واقتصادات آسيوية من مغبة الأزمة على نحو وآخر.. يمكن وصفها بأنها تشكل نهاية حقبة زمنية في التاريخ الاقتصادي للعالم ظلت ممتدة ـ كما يوضح المؤلف ـ عبر مائة عام أو نحوها من عمر زماننا: هي تلك الحقبة التي كان الاقتصاد العالمي يسير حسب إيقاع الناطقين باللغة الإنجليزية.. أوّلا في بريطانيا، ومن ثم في الولايات المتحدة.

وربما جاز لنا أن نقول من واقع هذا السياق أن إيقاع الاقتصاد العالمي.. تخلّى بصورة أو بأخرى عن اللغة الإنجليزية لصالح أطراف أخرى.. أصبح يتكلم اللغة الصينية إن صح التعبير.

يضيف البروفيسور «فرغسون» في معرض التعليق: الاقتصاد الصيني أحرز نجاحات استثنائية في مجال النمو على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة حيث ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4,8 في المئة.. بل ظلت هذه الزيادة في حال من الاستمرار والاطراد.

في نفس السياق يقول المؤلف أيضا: لقد قام فريق من كبار المحللين الاقتصاديين الأميركيين برئاسة «جيم أونيل» بحساب إسقاطات (توقعات ـ آفاق) الناتج المحلي الإجمالي للدول سريعة التصنيع، وتعرف في أدبيات الاقتصاد الدولي بأنها دول مجموعة «البريك». وأفادت تحليلاتهم بأن الصين يمكن أن تتفوق اقتصاديا على الولايات المتحدة (بجلالة قدرها) نحو عام 2040.

والمعروف أن مجموعة البريك تضم الدول التالية: البرازيل.. روسيا.. الهند.. والصين (وهناك من يضيف إليها كوريا الجنوبية من آسيا.. بل وجنوب أفريقيا في بعض الأحيان).

أكثر من هذا: ينبه المؤلف (ص285) إلى أن ثمة دراسات وتحليلات أحدث عهدا تفيد بأن هذا التفوق الصيني على النظير الأميركي يمكنه أن يحدث في مرحلة اقرب زمنيا.. وفي عام 2027 على وجه التحديد.

تحديات السكان والتضخم

ليس معنى هذا التفاؤل أن فريق المحلل الاقتصادي «أونيل» كان غافلا عن المشاكل.. والتحديات التي ما برحت تواجه مسيرة التنمية والصعود الاقتصادي في الصين.

في صدارة تلك التحديات ما يصفه المحللون الأميركان بأنه «القنبلة الزمنية الديموغرافية» (السكانية) التي زرعتها سياسة النظام الشيوعي بشأن تفضيل إنجاب طفل واحد للأسرة الصينية.. وهي السياسة التي توصف بالطابع «الدراكوني» بمعنى طابع القسوة الخشنة والصرامة البالغة التشدد (نسبة إلى المشرّع اليوناني القديم «دراكو» الذي عاش في أواخر القرن السابع قبل الميلاد).

هناك أيضا تحديات البيئة التي مازالت تواجه مسيرة التصنيع الصيني الصاعدة.. أو على نحو ما يصفها المؤلف، بأنها العواقب البيئية الناجمة عن ثورة التصنيع بكل عناصرها السوبر- مشحونة (وإذا كان مؤلفنا قد أصدر كتابه في عام 2008 فنحن لا نملك سوى الإحالة إلى ما كشفت عنه وقائع قمة كوبنهاجن الأخيرة التي عرضت بتفصيل منذر ومخيف إلى تلك الآثار الناجمة بالنسبة للبيئة الكوكبية في مجموعها).

المحللون الاقتصاديون مدركون كذلك لحجم الضغوط التضخمية التي تصيب، ويمكن أن تصيب، الاقتصاد الصيني على نحو ما تجلّى مثلا في الصعود البالغ لأسعار أوراق الصين المالية في عام 2007، ومن ثم الارتفاع المتزايد في أسعار المواد الغذائية في الأسواق الصينية. في هذا السياق.. يستدعي المؤلف، بوصفه أستاذا مرموقا لتاريخ الحضارات والإمبراطوريات، مكانة آسيا بشكل عام والصين بوجه خاص في التاريخ الاقتصادي للعالم.

حدث من 400 سنة

يوضح مثلا أنه منذ نحو 3 أو 4 قرون سبقت، لم يكن ثمة فرق يُذكَر بين دخل الفرد في الغرب وفي الشرق من عالمنا.. وعلى سبيل المثال، كان المستوطن المهاجر إلى أميركا الشمالية (العالم الجديد كما كانت تسمى) يعيش في مستوى لا يزيد كثيرا عن نظيره المُزارِع في بلاد الصين.

بل كانت مدينة «بكين» تعد على مدار قرون أكبر مدن العالم.. ولا تكاد تضاهيها ولا تدانيها مدينة بوسطون وهي من أقدم عواصم أميركا.. وبنفس المقياس كان أسطول القبطان الصيني، «الأميرال زنغ» من المَنَعة والضخامة لا يطاوله في شئ السفن المتواضعة التي أبحر بها المكتشف كريستوفر كولومبس..

خاصة إذا ما قارنا سفينة الكنز التي كانت كبرى أسطول الصين، والسفينة «سانتا ماريا» كبرى سفن كولومبس. كذلك كان حوض نهر اليانجتسي في الصين منطقة ازدهار في التجارة والصناعة والإنتاج.. لا يكاد يوازيه وادي نهر التيمز في بريطانيا ـ ذلك الزمان.

الفارق بين هذين العالميْن ـ الغربي والآسيوي حدث في الفترة بين عامي 1700 و1950 للميلاد.. هي الفترة التي شهدت التباين الذي اطرد اتساعا وتعمقا في مستويات المعيشة بين أهل أوروبا وأميركا ونظرائهم في الشرق الآسيوي الأقصى.

يرجع الفضل في ذلك - على نحو ما يوضح كتابنا ـ إلى عوامل جذرية وتغيرات نوعية شتى في مقدمتها كانت الثورة الصناعية التي اكتشفت طاقة البخار وطاقة الكهرباء ثم طاقة الانشطار النووي.

لكن ثمة عامل آخر في حدوث التباين المالي والنقدي والمعيشي بين الغرب والصين بالذات. وكتابنا يفتتح مناقشة هذه المشكلة بطرح سؤال يقول: ماذا أصاب الصين في الفترة بين سنوات القرن الثامن عشر وسبعينات القرن العشرين؟

في معرض الإجابة يقول المؤلف: من سوء حظ الصين أنها لم تكن الطرف الذين كان من حظه اكتشاف، ومن ثم غزو واستعمار (بمعنى استيطان) الأميركتين الشمالية والجنوبية، حيث تم بالذات تحويل جزر الكاريبي إلى مستعمرات منتجة للسكر، والى أراض شاسعة لزراعة كل ما يحتاجه البشر.. وكذلك أراضي مشاعية وبلا حدود. ولذلك حملت تعبيرا فريدا هو: «الفدادين الشَبَح».. وكان لإنتاجها الوفير كل الفضل في تخفيف الضغط على نظام الزراعة الأوروبي.

تجاور الطاقة مع الصناعة

ومن العوامل المفيدة أيضا ذلك التقارب الجغرافي ـ المكاني بين مناجم الفحم ـ اللازم للطاقة وبين مواقع الإنتاج مما أدى إلى التعجيل والارتفاع بحجم ونوعية الصناعات.

ومن العوامل ذات الصلة أيضا، عامل الاستعمار الذي لا يملك مؤلفنا البريطاني سوى الاعتراف بأنه أفاء على أوروبا (الاستعمارية طبعا) كل ما كانت تحتاجه وتشتهيه من أنواع الأخشاب والصوف والقطن الأرخص تكلفة. بل يضيف مؤلفنا قائلا أن التوسع الاستعماري أدى إلى التشجيع على ابتكار وتطوير وإنتاج تكنولوجيات مفيدة عسكريا ولكنها أضافت الكثير لدى الانتفاع بها في الأغراض المدنية فيما أضافت أكثر إلى مكانة أوروبا والى صادراتها وثرواتها، ومن ذلك مثلا الساعات والعدسات والأدوات والآلات البحرية.

وبفضل هذا كله توسعا واستعمارا.. ابتكارا وإنتاجا.. زراعة وتصنيعا.. اتسعت وتنوعت آفاق التبادل التجاري، ومعه بداهة ازدهرت آليات التفاعل المعرفي أو الثقافي بين أقطار العالم..

مما أدى في رأي مؤلف الكتاب (ص286) إلى سرعة التكامل بين الأسواق الدولية في مجالات السلع الأولية والمصنوعات والأيدي العاملة ورؤوس الأموال. يلاحظ أن المؤلف يطلق على هذه الظاهرة التكاملية المصطلح الذي بات محور اهتمام عالمنا: العولمة. يقول في نفس السياق: العولمة (بالمعنى المشار إليه) ليست بظاهرة جديدة. وفي غضون العقود الثلاثة الأخيرة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، كانت تجارة البضائع قد شكلت نسبة كبيرة من الناتج العالمي.

أكثر من هذا.. كان عالم تلك الحقبة (أواخر القرن 19 أو مطالع القرن العشرين) يتسم بنظم أقل صرامة أو تدقيقا ومن ثم أيسر إدارة وتساهلا على حدود الدول، وبالتالي أصبح ميسورا حراك الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال وهجرات البشر من مكان إلى مكان.

ويكفي أن نعرف أن نسبة 14 في المئة من كل سكان أميركا في عام 1910 كانوا مولودين في أقطار أجنبية مما يدل على تيسير سبل الهجرة واتساع نطاقهاـ سواء عبر المحيط الأطلسي أو المحيط الهادي شرقي الولايات المتحدة وغربها.

من الواقع إلى الخيال

عند هذا الجانب من التحليل.. يصل بنا المؤلف إلى المنعطف الأخير من هذا الفصل السادس من الكتاب. يختار لهذا الجزء المهم عنوانا له دلالاته بالطبع هو: العولمة.. وأرماجدون. وقبل أن نحاول تفسير هذا العنوان الفرعي من الفصل المذكور، يهمنا بالطبع التذكير بالعنوان العام الذي يستهل به المؤلف ذلك الفصل.. والعنوان العمومي هو: من (واقع) الإمبراطورية إلى (عالم) الخيال.

أما ارماجدون فهي تشير بداهة إلى معركة النهاية ـ نهاية العالم كما تقول المراجع الكلاسيكية. والمعنى من هذا كله أن العولمة ظاهرة يمكن أن تنقل الناس ـ المستثمرين بالذات سواء كانوا افرادا أو دولا ـ من حال الازدهار والمنعة.. بقدر ما يمكن أن تصل بهم إلى حال البوار والكساد.. وربما الافلاس.

وإذا كان هناك من يرصد التطورات الاقتصادية، وما يرتبط بها من عناصر نقدية وعوامل مالية، فإن المؤلف مع نهايات الفصل السادس من كتابه يعرض، وربما يحذر أيضا، من التطورات السياسية. وهو يسوق في ذلك مثلا من سيناريو متخيَّل يقول بالتالي: إن تدهور العلاقات السياسية يوما ما بين الصين والولايات المتحدة.. يمكن أن يفضي إلى ما يشبه الزلزال في هياكل العلاقات الاقتصادية الدولية.. في بنية اقتصاد العولمة إن صح التعبير.

هل مثل هذا التدهور أمر محتمل أو هو عامل مستبعد.يجيب المؤلف (ص399): هو مستبعد حاليا.. بقدر ما أنه يمكن أن يكون محتمل الوقوع في يوم من الأيام. كيف؟ قد يحتدم الصراع أو النزال بين الطرفين حول مشاكل التبادل التجاري.. أو حول قضية تايوان (علاقتها بالصين ـ الأم) أو حول مشكلة التِبت (مطالبتها بالاستقلال عن الصين).. أو حول مشاكل وقضايا قد تلوح في الأفق الكوكبي على غير توقع أو انتظار.. من يدري؟

تأليف: ينال فيرغسون

الناشر: دار بنجوين، نيويورك، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 442 صفحة